الكاتبة الصحفية: فاطمة المزروعي -الإمارات العربية المتحدة- خاص بـ "وكالة أخبار المرأة"

في جلسة نسائية، حكت لنا إحدى الصديقات موقفاً طريفاً عن طفلها، قالت إنها اعتادت تقرأ وتحكي عليه يومياً قصصاً متنوعة فيها حكم، وتصب جميعها على الجد والاجتهاد، وإنها كانت دوماً تذكر بأن الحكيم يقول كذا وكذا..
المهم أن هذا الطفل ترك جميع القيم والمبادئ الجميلة، وجعل يلح على والدته بأنه يريد أن يصبح حكيماً أيضاً. غني عن القول أن الأم شرحت لطفلها بأنه يجب أن يكبر أكثر ويتعلم، ليصبح حكيماً، لكنه يصر أن يتقلد مقاليد الحكمة من الآن، ويريد اختصار السنوات لتحقيق هذه الغاية.
انتهى جمعنا النسوي، ولكن بقيت رغبة هذا الطفل تلح على عقلي، ويتبادر السؤال هل يمكننا أن تصبح فعلاً حكماء؟
بمعنى هل يمكن الحصول على الحكمة وفق دراسة معينة أو تحقيق شروط محددة؟ يأخذ هذا السؤال جدية أكبر إذا علمنا بأن الحكمة صفة لا دخل لها بالجينات الوراثية، بمعنى أنه لا يمكن أن تورث عن الأم أو الأب، بخلاف ما يدعيه البعض ويحاولون الترويج له، مثلاً عندما يظهر طفل ذكي ونبيه فيقال "طلع على أبيه أو أمه". فقد وصلت الدراسات العلمية الموثقة بأن الحكمة تعتبر خبرات حياتية يمكن لكل إنسان اكتسابها بقليل من التعلم والتجربة والتأمل والتفكير ومراجعة الوقائع واستنتاج العبر منها، وذهب البعض لوضع معايير وأدوات تمكنك من الحصول على الحكمة، أو على الأقل تجعلك على طريق الحكماء، مثل الانفتاح على كل جديد، وهذا يتطلب الحركة والتنويع وعدم الركون لتجارب يومية واحدة، أيضاً عدم لوم النفس عندما تقع في الخطأ، بل الاستفادة من مثل هذه الأخطاء، ليس
هذا وحسب، بل عليك التفكير والتأمل في تجارب الآخرين ودراستها والتمعن في محتواها، وهذه العملية بحد ذاتها متعبة ومرهقة خاصة إذا علمنا أنه يفترض أن تكون سلوك يومياً، فمتابعة الناس ومراقبة حركاتهم وطرق حديثهم وتناولهم للمواضيع وكيفية تعاملهم مع بعضهم بعضاً، كل ذلك جوانب جوهرية في شخصية الحكيم، ويجب ألا ننسى أن الحكماء قليلو الكلام كثيرو الصمت، ويقال بأن الحكماء لديهم شغف بالمعرفة، لذا تجدهم في حالة عدم استقرار فهم في تنقل مستمر، وعادة يذهبون لمواقع ويزورونها ولا يعودون لها، حيث يذهبون لمواقع أخرى فالتجديد والشغف لرؤية مواقع جديدة لا حدود لها، وهذا يندرج حتى في المطاعم ومحال التسوق التي يزورونها حيث لا يحبون العودة لها مرة أخرى.
 لكن في غمرة سعيك نحو الوصول لمصاف الحكماء لاتنس شيئاً جوهرياً يتعلق بالتواصل مع الناس، فالحكماء يتمتعون بخصلة عظيم تتعلق يحب الآخرين وسرعة الاندماج فيهم، فهم لایحملون في قلوبهم ضغائن ولا في عقولهم شروطاً ومواصفات لمن يجلسون ويتحدثون معهم، فالجميع بالنسبة لهم مقبولون ويمكن الحديث معهم بعفوية ودون حسابات مسبقة أوتصنيف، وليس هذا وحسب، فالطريق نحو الحكمة لازال طويلا، لأننا نريد أن نزيل لبساً في عقول الكثيرون عن الحكماء بأنهم رجال متقدمون في العمر، منحنو الظهر تساعدهم عصى في الوقوف على قدميهم، وهذه الصورة النمطية التي رسختها الأفلام السينمائية البعض من الرسوم التشكيلية لبعض اللوحات الفنية غير صحيحة. لأن الحكيم أياً كان امرأة أو رجلاً، يتمتع بقوة الشخصية فالمخاوف الاعتيادية التي قد تتلبس البعض منا يفترض ألا يعاني منها الحكيم، وأقصد المخاوف النفسية مثل الخوف من إلقاء كلمة في جمع من الناس أو غيرها. يقال بأن طريق الحكمة يمر بالانفتاح وتقبل الآخرين، لكن هذا الانفتاح ليس شعاراً، بل جوهر، حيث يفترض بالحكيم ألا يحكم على الآخرين وفق أمورعابرة أو دون دلالات قوية وبراهين صارمة، برغم أنه ليس من مسؤولية الحكيم إصدار الأحكام، بل إنه متواضع وغير متعصب لرأيه، وهو يدرك بأن الجميع يخطئون بطريقة أو أخرى لذا يتمتع الحكماء بخصلة جميلة وهي أنهم يقولون ما لديهم ثم يذهبون لا يعنيهم أن تطبق ما قالوه أوتتجاهله.
وبقي أن نعلم أن الحكماء بفطرتهم لديهم هوس ورغبة مشاركة الآخرين في معارفهم ومعلوماتهم، بكل عفوية، بل إن منح الآخرين النصيحة والتوجيه هو لب أهدافهم وأعظم سعادة لديهم، لأنهم دوماً يشعرون بأن لديهم رسالة وعلماً يفترض منحهما للآخرين للاستقادة منه، فهل سمعتم بحكيم يقيم دورة تدريبية أو ورشة تعليمية ويأخذ عليها أجراً أو ثمناً؟ بقي أن نقول لذلك الطفل، رغم أن الطريق طويل أمامك لتكون حكيماً، لكنني أدعو المولى أن يرزقك الحكمة، حتى تكون قنديل ضوء للآخرين، فكم نحتاج في هذا الزمن لقناديل الحكمة!