ايمان بوطار - تونس - " وكالة أخبار المرأة "

 لقد فرضت الظروف المعيشية و التغييرات الاقتصادية خطرا من نوع خاص بات يلاحق البيوت التونسية مستهدفا الشباب من الجنسين الا وهو العنوسة , خاصة في السنوات الاخيرة بعد الثورة نظرا لغلاء المعيشة و تفاقم البطالة و المغالاة في المهور ففي اخر احصائية قدمها المعهد الوطني للإحصاء لسنة 2015 تشير الى ارتفاع نسبة العنوسة ليس فقط في صفوف الاناث و انما ايضا لدى الرجال حيث بلغت نسبة الذكور العزاب36.5 بالمائة .
في تونس حينما يتجاوز الرجل الثلاثينيات من عمره ويدخل الأربعينيات، نقول إنه الإنسان الناضج والكامل لا بل هو في ربيع عمره أما حينما تجتاز المرأة عتبة الثلاثينيات من عمرها نقول إنها دخلت خريف العمر وفاتها القطار!
تناقض آخر لمنظومة أفكارنا ونظرتنا للأشياء نحدد عبره للمرأة قطاراً يتجاوزها في عمر معين لتصبح على قارعة الطريق فلا تجد في الحياة مشاركة أو تفاعل، بل تتحول إلى مشاهدة وحدث، فيقال عنها الكثير وتبقى محط استفهامات وتساؤلات ونظرات الجميع، أما الرجل فإنه القطار الذي يتجاوز كل القوانين بما فيها البيولوجية.
كلنا يعي ان العنوسة كانت ولازالت ظاهرة اجتماعية ولكنها تحولت إلى أزمة مستفحلة في المجتمع التونسي رغم الكم الهائل من الموروث الديني والثقافي الذي يعمل على منع ظهور هذه الظاهرة ولكن ثمة عادات وعقلية متخلفة وشروط شكلية كثيرة دخلت على الخط فغيرت مسارات كثيرة نحو الاتجاه المعاكس.
يقال عادة عن الفتاة التي تتأخر في السن دون زواج بأنها عانس عموماً ولا يمكن تحديد سن معينة لمرحلة العنوسة لاختلافها في المجتمعات حسب تكوينها الثقافي وعاداتها، هنالك شبه إجماع على اعتبار سن 35 وما بعدها سنا للعنوسة حيث تعيش الفتاة ظلال الحياة وظلها ناهيك عن تأثيراتها الحالة النفسية والاجتماعية والتي بدت أكثر من تأثيرات ظاهرة وسلبية في السنوات الأخيرة وذلك على خلفية أسباب وعوامل كثيرة.
اسباب العنوسة:
- العامل الاقتصادي: حيث يعتبر هذا العامل جذر التأثير في أية علاقة إنسانية إن لم نقل انه المُحَدِد الأهم في شبكة العلاقات بين الأفراد والعامل الاقتصادي يؤثر في قرار الرجل من ناحية قدرته على تحمل مصاريف المهور العالية والقدرة على بناء عائلة وإنجاب الأطفال. إن ارتفاع الأسعار على الصعيد العالمي وخاصة في تونس وبالتحديد أسعار الأراضي والبيوت والإيجارات والأثاث ضاعف من تأثير الجانب الاقتصادي برفع نسبة العنوسة، كما ان فترة ما بعد الثورة تفشت فيها ظاهرة البطالة في صفوف الشباب الامر الذي يصبح التفكير في الزواج امرا غير مطروح لدى الجنسين .
تحدثت الدكتور سامية الحبيبي(الدكتورة في علم النفس وعلم الاجتماع) لارابسك عن ارتفاع ظاهرة العنوسة التي فسّرتها أيضا بأسباب بيولوجية تعود الى ارتفاع عدد الإناث مقارنة مع عدد الذكور حيث مثلت نسبتهن 52٪ من التونسيين.
واعتبرت محدثتنا أن هناك خللا في التوازن ، وأضافت أن النقطة الثانية المساهمة في نسبة العنوسة هي الهجرة والتي تتسبب في الزواج من الأجنبيات،فقد أصبح زواج المواطنين من أجنبيات سبب آخر خطير وراء انتشار العنوسة، أضف إلى ذلك بعض العوامل التي ساعدت على استمرار تفاقم هذه الظاهرة، تحددت في الانتشار الكبير لبدائل غير مشروعة، مثل الزواج العرفي وزياد إقبال الشباب على الإنترنت ، وهي طرق بديلة وخاطئة لجأ إليها كثير من الشباب للتخفيف من الشعور بالأزمة والرغبة في الارتباط بالجنس الآخر و من العوامل الأخرى لهذه الظاهرة توجه الشباب نحو الجهاد في سوريا والهجرة السرية وغير السرية.
وأضافت الدكتورة سامية أن تركيبة وتكوين المرأة التونسية اليوم مختلفة فهي تعمل ولها مكانة اجتماعية بالتالي فهي ترفض الزواج من أي كان، واختياراتها محدودة في ظل محدودية عدد الرجال الذين يناسبونها مستوى أو أفضل منها.
من جهة أخرى يعاني المجتمع من البطالة وقلّة موارد الرزق وهو ما يجعل الرجل أقل قدرة على تحمل المسؤولية، كما تحدثت الدكتورة عن ارتفاع معدلات الانحراف عند الشباب من سرقة وكحول ومخدرات وهو ما يؤدي الى نقص كبير في الزواج.
وتبدو المرأة الأكثر تعلما أقل حظوظا في الزواج خاصة "ابنة العائلة " حسب وصف محدثتنا التي تقل تحرّكاتها ومكان تردّدها على الأماكن العامة والسهرات لنقل فرص التعارف، وهو ما يجعل العرض أكثر من الطلب خاصة في ما يتعلق بنوعية العرض والطلب
و نظرا لأهمية تقصي اراء بعض الذين تأخر سنهم للزواج، تتبعنا هذه الظاهرة من خلال مسارين أولهما رأي العلماء والمختصين،ثم راي بعض الشباب التونسي حول ظاهرة العنوسة وإليكم ما وصلنا إليه .
أميرة عبد القوي 30 عاما غير متزوجة " صيدلانية" تقول:
أثناء دراستي في الجامعة، وأثناء عملي بعد التخرج كنت أنظر إلى الزواج على أنه مشروع مؤجل في حياتي، فتقدم لي كثير من الشباب الذين يرغبون في الزواج مني؛ وكانوا على منصب علمي محترم - ورغم ذلك كنت أرفض هذه الفرص للزواج خوفا على حريتي ، وأملا في أن الحياة بها الأفضل إلى أن اكتشفت أن جميع صديقاتي تزوجن وأصبح لهن أسر وأصبح عمري الآن 30 وبدأت الفرص تقل وأخشى الآن أن أكمل حياتي وحيدة ونادمة على الفرص التي ضاعت بسبب تفكيري الخاطئ
-في مركز نداء يقول "ياسين البوسعايدي" شاب غير متزوج يعمل :
يعيش الشباب في هذه الأيام وضعا ماديا صعبا يواجه من خلاله جملة إشكاليات؛ بداية من البحث عن مسكن مناسب، مرورا بوظيفة تضمن له راتبا شهريا ثابتا يناسب متطلبات الحياة، انتهاءا بتكاليف الزواج التي أصبحت مرتفعة بشكل جنوني، وكل هذه المشكلات كفيلة بانتشار نسبة العنوسة وعدم التفكير من الأساس في الزواج، فمن الصعب في هذه الأيام تحمل الشاب نفقات نفسه فكيف يستطيع تحمل نفقات بيت وأسرة....
- من أغرب الآراء التي صادفتني كان رأي "نادية الرياحي " 26 سنه غير متزوجة ، تعمل كممثلة تجارية لأحد شركات الاتصالات في تونس في بداية كلامها قالت:
"العنوسة شيء جميل" فلا يوجد فيه أي مسئولية لأن مساحة الحرية كبيرة وكل شيء بحرية، الخروج والسفر والسهر،... وأي امرأة متزوجة ولديها قيود فبالتأكيد هي تتمني أن تعيد الحياة من الأول ولا تتزوج، ولابد أن يعلم المجتمع أن الزواج مسألة شخصية قد تختلف أسبابها وخلفياتها من شخص إلى آخر، وقد لا يكون شيئا ملحا عند الكثيرين؛ فلماذا تتوقف الحياة إذا لم تتزوج الفتاة.. ؟!.
من خلالي احتكاكي بالشارع التونسي و التحقيق في هذا الموضوع تبين ان العزوف عن الزواج يخلق أنواعاً أخرى من الزواج غير المعترف بها رسمياً، مثل الزواج العرفي، و زواج المتعة، وزواج المسيار، وهذه الأنواع تقوض الأسرة وتفتح بوابة المشاكل بالإضافة إلى أن تأخر سن الزواج والعزوف عنه يفقد المجتمع الإحساس بالمشاعر و العواطف، ويصبح الفرد فيه كالآلة التي تتحول فيها نبضات القلب إلى مضخة تدفع بالدورة الدموية ليس أكثر وتساهم الظاهرة في تغير التركيبة السكانية للمجتمع وخلق فجوة بين الأجيال، فيصبح المجتمع مكوناً من أطفال و كهول أو شباب دون أطفال ثم شباب دون أطفال، وثمة تأثيرات نفسية على المرأة وكذلك الرجل وما يخلفه على السلوك والقرارات والاختيارات من جهة وكذلك تأثيراتها الاقتصادية وخفض معدلات إنتاجية الفرد في المجتمع و قد تأكدت من خلال هذا التحقيق ان تهرب الذكور من الزواج هو هروب من المسؤولية و المصاريف المجحفة فقد انتبهت في اكثر من استجواب ان الشاب التونسي اصبح يهوى العلاقات العابرة دون قيود او التزامات فعلى حد تعبير احدهم " علاش نعرس و انا كل ليلة بايت عريس.."
من هنا نلخص خطورة الظاهرة و انعكاساتها الوخيمة على المجتمع التونسي التي يمكن القول انه لا وجود لحلول جذرية لها بما إن الظاهرة هي نتاج شبكة معقدة ومتداخلة ومركبة لجملة عوامل فان حلها لن يكون إلا بمعالجة تلك الأسباب وبالأخص الجوانب الاقتصادية (كتقليل الفوارق الطبقية وتوفير العمل من خلال حل مشكلة البطالة وحل مشكلة التضخم وارتفاع الأسعار الجنونية)، ولان الحلول الجذرية تبدو بعيدة التحقق وبالذات في تونس فان هنالك عدة مقترحات عملية يمكن أن تحد من الظاهرة وهي:
1- خفض تكاليف الزواج: اذ ان ارتفاع المهور تمثل المشكلة الأولى التي تواجه الشاب خاصة في الجنوب التونسي.
2- قيام الحكومة بجملة إجراءات تشجيعية للمتزوجين فعلى سبيل المثال يمكن وضع قروض سهلة وتفضيلية للمتزوجين وكذلك المساهمة في جعل الأولية للمتزوجين في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والخدمية.
3- إنشاء صندوق الزواج ودعم الدولة المادي لحفلات الزواج الجماعية مؤخرا بادرت بعض الفعاليات الاجتماعية إلى هذا النوع من الزواج لتخفيف أعباء الشباب حين الزواج وبالتالي فتح الباب أمام هكذا مساهمات تدفع الشباب للزواج وتقلل نسبة العنوسة.
4- تحمل وسائل الإعلام لدورها بتسليط الضوء على المشكلة ووضع الحلول العملية لها ونشر ثقافة الزواج وأهميته لتوفير الكثير من الاحتياجات الفطرية للنفس السوية بشكل سوي يتوافق مع القيم الدينية والأخلاقية والأعراف السليمة.
و خلاصة القول ان العزوف عن الزواج لم يعد حكرا على الفتيات فالذكور ايضا معنيون بدرجة كبيرة بهذه الظاهرة و تبقى المتغيرات الاقتصادية اهم الاسباب في تقليص هذه الظاهرة في تونس و في غيرها من الدول العربية.