وسام عبد الله - دمشق - " وكالة أخبار المرأة "

تشكل المرأة، حسب التعبير السائد، «نصف المجتمع»، لكنها في زمن الحرب تأخذ قسماً من النصف الآخر. وحين أصبح الكثير من شبابه ورجاله على الجبهات، تحولت النساء إلى مهن كانت من نصيب الرجال فقط.
تجدل فتاة شعرها الأسود بعقدة محكمة لمنع تدليه فوق كتفيها، احتراماً منها للباسها العسكري الذي اختارت أن ترتديه وتتطوع في القتال إلى جانب الجيش السوري.
وتوضح هذه الفتاة سبب اختيارها حمل السلاح، فتقول «بعيدا عن المزايدات الوطنية، سبب تطوعي هو ما تعرضت له عائلتي من قتل. فحين ترى وتسمع أخبار أقربئك وهم يقتلون تقل الخيارات، فإما أن تهرب أو تقرر المواجهة».
وتضيف «لم يكن القرار سهلاً. بالنسبة لوالدتي من الصعب عليها أن تفقد أي فرد إضافي من العائلة، وهو بالنسبة لي قرار بالتخلي عن حلم أي فتاة بالعمل والزواج بشكل طبيعي، لكن حين تصبح كل هذه الأحلام صعبة التحقق في زمن الحرب، ربما علينا اختيار أي طريقة تساعدنا على الصمود كأشخاص، ودعم المجتمع ومؤسسات الدولة».
وقد تناقلت صفحات التواصل الاجتماعي صوراً لفتيات تطوعن في الجيش السوري، داخل دبابات وضمن مقار عسكرية، يرتدين لباسهن العسكري والسلاح إلى جانبهن. وتشير بعض الصور إلى وجودهن على جبهات القتال الأمامية في الغوطة الشرقية.
وفي شرق سوريا، تشارك نساء كرديات في القتال ضمن «وحدات حماية المرأة»، إلى جانب «وحدات حماية الشعب». ونشرت الوحدات بيانات وصورا عن أماكن تدريب النساء لمواجهة تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» ـ «داعش».
وبعيداً عن جبهات القتال، تسير «ليلى»، بلباسها الرسمي الأسود حاملة كأس ماء لتضعه على طاولة الزبون. وتقول «أنا طالبة في كلية التجارة في جامعة دمشق. وبسبب الحرب وارتفاع الأسعار لم يعد مدخول البيت يكفي لنا كعائلة مكوّنة من ستة أشخاص، فكان خيار العمل ضرورياً، وخاصة أن دراستي لا تتطلب مني دواماً رسميا». وتضيف «لا أجد مشكلة في التعب والإرهاق، فهو طبيعي، ما يزعجني في معظم الأحيان أن هناك نظرات من الزبائن، رجالاً ونساء، تنظر إلي من دون أن تتحدث، وتحكم بأني بائعة هوى أو أرغب في انتظار زبون يدفع لي المال، من دون أن تعرف أن ظروفي هي التي دفعتني لهذا العمل المشرّف والذي يحفظ كرامتي».
وداخل إحدى المؤسسات الرسمية تصعد أم جهاد، كما يناديها الموظفون، على درج مسرعة، تدخل وتخرج بين الأقسام حاملة أوراق المراجعين. تأخذ استراحتها على الباب الخارجي مع سيجارتها العربية، وتوضح أن عملها ليس حكراً على الرجال فهي تعلمت هذه المهنة من والدها، وبسبب الظروف الصعبة أصبح العمل في هذه المهنة ضرورياً. وتضيف «أولادي في المدرسة، وزوجي يعمل موظفاً في النهار وسائق أجرة بعد الظهيرة، ونحن بحاجة إلى مدخول يساعدنا على تأمين مستلزمات حياتنا اليومية».
ولا تضع أم جهاد الهجرة ضمن مخططاتها. وتقول «لماذا أخرج من بلدي بينما أستطيع العمل. إن ذهبت إلى أي دولة فلن أكون دكتورة في جامعة أو مهندسة، سأعمل ربما كما هنا. أعرف أن نظرة المجتمع، ومنهم زوجي، لن تتقبل في البداية هذا العمل الذي أقوم به، ولكن في النهاية سيتقبلون، ومع الوقت سيزداد عدد النساء اللاتي يعملن في ما يشبه هذه المهنة أو مهنٍ أخرى».
وبدأت مشاركة النساء في سوريا بالنشاط الاقتصادي بالازدياد خلال السنوات العشر الأخيرة، وقد ارتبط هذا الازدياد بتحسن المستوى التعليمي في الأرياف، وافتتاح الشركات الخاصة. وحسب إحصاء حكومي رسمي، فقد شكل عدد النساء العاملات، نهاية العام 2010 في الجهات الحكومية 401127 امرأة، توزعن على كامل القطاع العام. كما شكلت النساء المتزوجات العدد الأكبر من النساء العازبات، وبلغ عدد النساء اللواتي تتراوح أعمارهن بين 30 و34 عاما 75951 عاملة، أما غير المتزوجات من العمر نفسه فقد بلغ 53555 عاملة.
وتشير تقارير غير رسمية إلى تبدل الأرقام بسبب تبدل التوزع الجغرافي وحالات النزوح من الأرياف، كما تبدلت المهن والتوزع بحسب الجنس والعمر، ما يشكل صعوبة لدى الجهات الرسمية والخاصة في الحصول على أرقام دقيقة، لوجود عراقيل لا تتيح الوصول إلى أماكن النزاع والتغيير اليومي في الحالة الاقتصادية والتعداد السكاني.

السفير