الكاتب الصحفي:عبد الله الجفري-الإمارات العربية المتحدة-خاص بـ"وكالة أخبار المرأة"

منذ زمن طويل كانت هناك مدينة يحكمها ملك وكان أهل هذه المدينة يختارون الملك بحيث يحكمهم لسنة واحدة فقط وبعد ذلك يرسل الملك إلى جزيرة بعيدة ليكمل فيها بقية عمره ،ويختار الناس ملكا آخر غيره وهكذا وخلال هذه السنة التي يحكمها ينفذ له كل ما يطلب،أنهى أحد الملوك فترة الحكم الخاصة به وألبسه الناس الملابس الغالية وأركبوه فيلا كبيراً وأخذوا يطوفون به في أنحاء المدينة قائلين له وداعاً وكانت هذه اللحظة من أصعب لحظات الحزن والألم على الملك وجميع من كان قبله، وبعد ذلك وضعوه في السفينة التي قامت بنقله إلى الجزيرة البعيدة حيث يكمل فيها بقية عمره  ورجعت السفينة إلى المدينة وفي طريق العودة اكتشفوا إحدى السفن التي غرقت منذ وقت قريب ورأوا شاباً متعلقا بقطعة من الخشب عائمة على الماء فأنقذوه وأخذوه إلى بلدتهم ولاحظوا فيه من العقل والحكمة ما يؤهله لحكمهم  ،فطلبوا منه أن يكون ملكاً عليهم لمدة سنة واحدة ولكنه رفض في البداية ثم وافق بعد ذلك وأخبره الناس بالتعليمات التي تسود هذه المدينة وأنه بعد مرور12 شهراً سوف يحمل إلى تلك الجزيرة التي تركوا فيها ذاك الملك الأخير،بعد ثلاث أيام من تولي الشاب للعرش في هذه المدينة سأل الوزراء هل يمكن أن يرى هذه الجزيرة حيث أرسل إليها جميع الملوك السابقين ..؟ وافق الوزراء وأخذوه إلى الجزيرة ورآها وقد غطت بالغابات الكثيفة وسمع صوت الحيوانات الشريرة وهي تنطلق في أنحاء الجزيرة،فنزل الملك إلى الجزيرة وهناك وجد جثث الملوك السابقين ملقاة على الأرض ،وفهم الملك القصة بأنه ما لبث أن ترك الملوك السابقون في الجزيرة فأتت إليهم الحيوانات المتوحشة وسارعت بقتلهم والتهامهم  .
عندئذ عاد الملك إلى مدينته وجمع 100 عامل من العمال الأقوياء الأشداء ، وأخذهم إلى الجزيرة، وأمرهم بتنظيف الغابة وإزالة جثث الحيوانات والملوك السابقين، وإزالة الأشجار الكثيفة والمتشابكة، وكان يزور الجزيرة مرة في الشهر ليطل على سير العمل، وكان العمل يتقدم بخطوات سريعة، فبعد مرور شهر واحد أزيلت الحيوانات، والعديد من الأشجار الكثيفة، وعند مرورالشهر الثاني كانت الجزيرة قد أصبحت نظيفة تماماً، ثم أمر الملك العمال بزرع الحدائق في جميع أنحاء الجزيرة، وقام بتربية بعض الحيوانات والطيور المفيدة مثل الدجاج والبط والماعز والبقر ... الخ، ومع بداية الشهر الثالث أمر العمال ببناء بيت كبير ومرسى للسفن، وبمرور الوقت تحولت الجزيرة إلى مكان جميل وقد كان الملك ذكياً خلال شهور حكمه المعدودة، فكان يلبس الملابس البسيطة وينفق القليل على حياته في المدينة، في مقابل أنه كان يكرس أمواله التي وهبت له في إعمار هذه الجزيرة، وبعد مرور 9 أشهر جمع الملك الوزراء قائلاً، أنه يعلم أن الذهاب للجزيرة يتم بعد مرور 12 شهر من بداية حكمه، ولكنه يود الذهاب إلى الجزيرة الآن، ولكن الوزراء رفضوا قائلين حسب التعليمات، لابد أن تنتظر3شهور أخرى ثم بعد ذلك تذهب للجزيرة، مرت الثلاثة شهور واكتملت السنة، وجاء دور الملك ليتنقل إلى الجزيرة، ألبسه الناس الثياب الفاخرة ووضعوه على الفيل الكبير، قائلين له وداعاً أيها الملك، لكن الملك على غيرعادة الملوك السابقين كان يضحك ويبتسم، وسأله الناس عن ذلك فأجاب بأن الحكماء يقولون:عندما تولد طفلاً في هذه الدنيا تبكي بينما جميع من حولك يضحكون، فعش في هذه الدنيا واعمل ما تراه حتى يأتيك الموت، وعندئذ تضحك بينما جميع من حولك يبكون، فبينما الملوك السابقين كانوا منشغلين بمتعة أنفسهم أثناء فترة حكمهم، كنت أنا مشغولاً بالتفكير في المستقبل وخططت لذلك، وقمت بإصلاح وتعمير الجزيرة، وأصبحت جنة صغيرة يمكن أن أعيش فيها بقية حياتي بسلام،
الدرس المأخوذ من هذه القصة الرمزية لها دلالات دينية ودنيوية ،استناداً للمقولة المشهورة "اعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً ، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا" - وعمدت أن اقول مقولة لأن البعض ينسبها حديثاً عن الرسول والبعض ينفيها - فمن الناحية الدينية للفرد أياً كان حاكماً أو محكوماًعليه أن يدرك بأن هذه الحياة الدنيا هي مزرعة للآخرة، ويجب علينا ألا نغمس أنفسنا في شهوات الدنيا، عازفين عن الآخرة حتى ولو كنا حكاماً، فيجب علينا أن نعيش حياة بسيطة، اسوةبرسولنا محمد صلى الله عليه وسلم ونحفظ متعتنا إلى الآخرة .
أما من الناحية الدنيوية فلها دلالات عدة ،منها على مستوى الحاكمين والمحكومين ، فالحاكمين بالمنظور الاشمل الملوك والرؤساء ورؤساء الحكومات والوزراء وكل من انيطت به مسؤولية على دول وبشر ومؤسسات ، فحكمة القصة ودلالتها التطبيقية في الحياة بأن أي حاكم في الدول التي تمارس الديمقراطية فهو يحكم لدورة انتخابية مدتها لا تتعدى الاربع سنوات ، أودورتين انتخابيتين جملتها ثمان من السنوات ، ويعرف نفسه أنه ذاهب لخارج الحكم"جزيرة النفي" ، ويسعى خلال فترة حكمه أن يضع بصمته الخاصة في الحكم  تختلف عمن سبقوه ،لأنه في كل الأحوال مطلوب منه ذلك لوجوده تحت مجهر المراقبة والمحاسبة،فابسط زلة قد ترسله إلى "جزيرة النفي من الحكم" في وقت مبكر ، ومع هذا فحكام البلدان الديمقراطية يحسنون جزيرة نفيهم بعد الحكم بكفاءة وإخلاص أدائهم أثناء الحكم، وبحكم وجودهم في أنظمة رأسمالية ، يتيح لهم ذلك العمل على نسج علاقات مستقبلية بالشركات العملاقة والمنظمات الدولية ،ليصبحوا شركاء في تلك الشركات أو أعضا لمجالس إداراتها أو مستشارين لها ، أو يتجهون للعمل في منظمات دولية حقوقية أو إنسانية حيث تستفيد الشركات أو المنظمات الدولية من سمعته كرئيس دولة أو رئيس حكومة سابق ، وبهذا يكون قد بنى "جزيرته" لقضاء بقية عمره فاعلاً ومنتجاً ومؤثراً في بلده أو على المستوى العالمي، والدلالة الأخرى لحكام دول العالم المسماه مجازا بالدول النامية أو المتخلفة ،فالحاكم يصير وفق مقولة "أحكم من المهد إلى اللحد" ،ويسعى لتوريث الحكم إلى ابناءه وأحفاده ولا يقتصر ذلك على الدول الملكية الوراثية ،بل طال ذلك الدول الجمهورية التي تدعي بممارسات ديمقراطية ، فهؤلاء لا يفكرون ببناء "جزر" مستقبل ما بعد الحكم ، ولا ببناء أوطانهم البناء المطلوب والمنشود ،إلا من رحم ربي ، فهؤلا يمعنون بشكل أكبر في توسيع أملاكهم وثرواتهم بأشكال مخيفة لاعتقادهم بأن البلد بما فيها هي جزر أبدية لهم ، وحين ترغب شعوبهم في ازالتهم لكثرة زلاتهم يمعنون في التشبث بكراسي حكمهم حتى لو أدى ذلك لحرق تلك الأرض وما عليها ،والشواهد على ذلك منظورة في حاضر وقتنا ، في بلدان ما يسمى بثورات الربيع العربي، فكن من حكمة التصرف المطلوبة من قبل هؤلاء الحكام بعد ان امتصوا خيرات شعوبهم أن يستغلوا طيبة وسذاجة وتسامح شعوبهم ويرحلوا إلى جزر عده في كوكبنا لينعموا بتلك الأموال والثرواتهم واولادهم وأحفادهم ،إلا أنهم ابوا أن يفعلوا ذلك فانظروا لما حل ببلدانهم وشعوبهم.
وينطبق على المسؤولين في مختلف المؤسسات الحكومية والخاصة ما ينطبق على الحكام ، فمن تحمل أي مسؤولية ، فمن الحكمة أن يسعى لبناء مؤسسته لينعم بخيرات إنجازاتها في لحظات مسؤولياته وأيام العيش في "جزيرة تقاعده" أو انهاء خدماته .
أما حكمتها تجاه الفرد فعليه أن يفكر في "جزيرة الغد المشرق" ببناء الذات علمياً وثقافياً ومهارياً لينعم بفرص عمل تدر له دخلاً مريحاً ينعم بها واولاده ، وتكون له بصمة البناء والتغيير والتطوير في "جزيرة حياته".