الكاتبة الصحفية: فاطمة المزروعي -الإمارات العربية المتحدة- خاص بـ "وكالة أخبار المرأة"

ببساطة وبراءة الطفولة، انجذبت نحو الأحلام التي كانت ترويها جدتي على شكل حكايات، كنتُ تلك الطفلة ذات السبعة أعوام التي تتراكض في أرجاء الحارة، بشعرها الطويل، وثوبها الفضفاض ذي الألوان الزاهية، أصدر الضحكات العالية، وأنا أمسك بأصابع جدتي، أستمتع بفرح للقصص الشفاهية على لسانها، تلك الحكايات التي تسربت إلى روحي وانتقلت شيئاً فشيئاً إلى أحلامي، فصارت تتبدل في صدري مثل الألوان الزاهية، ماجد وميكي وغيرهما من مجلات الطفل التي لازمتني طوال تلك الفترة، كنت لا أنام إلا على دفتي صفحاتها، ولا أغفو إلا وقد أنهيت قصص المغامرات وحفظتها عن ظهر قلب.
كنت أنا تلك الطفلة التي تتقافز بين المقاعد الصغيرة في المدرسة، وألعب مع صديقاتي لعبة الغمّيضة، اختبئ بكل فرح خلف جدران المدرسة وفي الخزائن، وخلف المعلمات وتحت درجات السلالم، أتراكض بكل سعادة، وأسجل تلك اللحظات في دفتر مذكراتي، وأخبئها بسعادة تحت وسادتي، وأحياناً أجلس فوق سطح البيت وأنظر إلى العالم، بكل تفاؤل وأمل، أتخيل بكل عفوية بأن أسرتي فقط في هذا الكون الفسيح، وأن النجوم التي تتلألأ في السماء هي ملكنا، وأن الكواكب التي تملأ الفضاء سوف تهبط علينا في يوم من الأيام، أصعد فوقها إلى عالم أوسع وكون أرحب وألعب الغمّيضة مع كائنات تلك الكواكب.
هكذا أطير بلا أجنحة، حتى تبسط الشمس خيوطها، وأسقط من عليائي الذي وصلته إلى قمة سريري، وأصارع حتى أخرج من تحت اللحاف، أصل إلى عروستي منزوعة الكتف التي تغفو بجواري في السرير، بكل بساطة هذا هو كوكبي الذي أسكنه، أقف فوق سريري وأبني الحواجز من الشراشف واثبتها بمشابك الغسيل حتى تفصلني عن العالم، تفصلني عن الحياة الخارجية، ولطالما تمنيت لو أن تلك الطفلة التي تسكنني تظل طفلة ولا تكبر، وأظل أحكي قصصي للنجوم وإلى ما فوق النجوم، أكتب أمنياتي وأقذفها للسماء، وخيل إليَّ أنها تصل وتبرق وتغمز نجمة بابتسامة وأظل أحكي وأحكي.
***
كان يا ما كان في قديم الزمان:
هذه الفتاة كانت تحب التجول في حديقة منزلها، وتعشق الجلوس بين الأشجار، كانت تحتفظ بأشيائها داخل صندوق صغير، وتخبئه تحت شجرة الليمون.. تجلس تحرسها فتأتي جدتها وتمشط لها شعرها وتحاكيها، حتى يحل الظلام، تغادر المكان وعينها لا تترك الصندوق.. تضيع الشجرة في زحمة الأبواب والممرات، تدخل غرفتها ولكنها لا تنام، تنتظر الجميع ليغفو كل في سباته حتى تفتح النافذة وتحرس شجر الليمون.
جدتي رحمها الله؛ ما زلت أسمع صوتها حتى الآن رغم مضي أكثر عن عشرين عاماً، وما زالت تفاصيل القصص التي كنت أسمعها منها في طفولتي تصل إلى أذني، أُسمعني قصصها وحكاياتها الجميلة عندما أخلد إلى النوم، تلك القصص التي اعتدت أن أنهيها بطريقتي قبل أن أغفو في سبات عميق.
كنتُ أعد الأيام على أصابع يدي وأتمنى أن تمر بسرعة حتى أكبر، وتصبح أحلامي حقيقية، صارت القصص والحكايات عالمي، وصرت أجيد العبث بالتفاصيل، وانظر إلى مجريات العالم من حولي وأعالج الفرح والحزن بطريقتي الخاصة، وأحولها إلى فكرة مقتنصة، وكثيراً ما كنت أقرأ قصصي وخواطري على صديقاتي وزميلاتي في ساحة المدرسة، وكن يستمعن لي بكل سعادة وفخر.
البداية كانت عبر الإنترنت، المواقع والمنتديات الاجتماعية هي بداياتي في نشر خواطري، وكانت تسعدني مداخلات القراء وتزيدني حماسة، وفي عام 2003 كانت مجموعتي القصصية الأولى «ليلة عيد» التي نشرتها دائرة الثقافة والإعلام بالشارقة ضمن سلسلة «إشراقات»، حيث عوالم السرد التي أصبحت محوراً ومنطلقاً لتسليط الضوء على تفاصيل الحياة التي تحياها المرأة والعلاقات التي ترتبط بها وتقيمها مع من حولها.
ورغم انشغالي بالدراسة والامتحانات، والانتقال بين مقاعد الثانوية والجامعة إلا أن الكتابة كانت تداعب خيالي، وتنقلني بكل افتتان بين تلك العوالم، وما بين أحاديث النسوة خلف الأبواب، وأصوات الأطفال الذاهبين إلى مدارسهم، تلك القصص التي أنقلها بكل صدق إلى أوراقي، لتصبح قصصاً من لحم ودم، فتخرج مجموعتي القصصية الثانية «وجه أرملة فاتنة» إلى النور في عام 2008.
ومن القصة إلى الشعر والمسرح وقصص الأطفال مروراً بعالم المقال، إلى الرواية التي أخذتني إلى عوالمها المتشابكة، فكانت فضاء واسعاً رحباً، فأصبحت القضايا التي أسمعها وأشاهدها يومياً من خلال أي نافذة في هذه الحياة هي مفرداتي التي تعلمت كيف أوظفها بطريقتي، فكل حكاية وكل واقعة تمر علي، كنت أنقلها إلى قصصي ورواياتي..
لقد كنت مشغولة بلملمة التفاصيل.
وإذا كانت القصة تجعلني أُلقي ما في جعبتي مرة واحدة، فالرواية هي فضاء واسع ومفتوح، هذه المتعة والغواية التي قلما تتاح للآخرين هي ما تضفي على حياة الكاتب طعم مغايرة وتفتح شهيته ليتذوق كل شيء حوله».
عبر روايتي «زاوية حادة» التي صدرت في عام 2008 تشعر بأنك قريب جداً، كأنك تعيش في الجوار القريب من شخصيات الرواية، وكأنك سبق أن رأيتها واحتككت بها، حيث النظر من ثقب في كراج المنزل إلى رحلة البحث عن الهوية والقلق، حيث الحارات الضيقة، وطالبات المدرسة يهرولن في استعجال لركوب حافلتهن، حيث النساء يتجمعن في مجالس الحارة، يتناولن كل الأمور اليومية، حيث الخادمات يعملن في ضجيج، والأزقة المملوءة بالمياه ورائحة طبيخ الأمهات، تلك التفاصيل التي نقلتها إليكم من قصص سمعتها من جداتنا أو من نساء عشن تلك التفاصيل أو من خيال تعوَّد على القراءة اليومية.
وفي عام 2012 أبصرت روايتي الثانية «كمائن العتمة» النور بعد عامين من القراءة والخوض في غمار أجناس أخرى، وجوائز أدبية مختلفة في السينما والمسرح وقصص الأطفال، فكانت تلك الرواية لها طابع مختلف، من مشكلات وتناقضات، كما اختزلت مجتمعاً بشخوص عدة وأفكار مختلفة فداخل عائلة سارة، رسمتُ شخصية أطّرتُها بالواقع، وأبعدتُها عن الشخصيات النموذجية، وجعلتُها حقيقية بكل ما فيها من تناقضات بين محوري الشر والخير وتأويلات أخرى، كما استفدت من جميع الأدوات الابداعية البسيطة في إعلاء شأن النص وإضافة بعد حقيقي، من مشاعر الأبطال وأحزانهم ومآسيهم في خلق عالم حقيقي يسوده الخوف والعتمة والمشكلات اليومية، لأتفاجأ بعدها وبكل سعادة حينما فازت روايتي في عام 2013 بأفضل عمل روائي وإبداعي، وما زلت حتى الآن أتنقل بكل صبر ورغبة في كتابة العمود اليومي الذي هو نافذتي على هذه الحياة.
لكن اليوم الحلم بات أكبر وأتسع، مع أن أساس هذا الحلم كان حكاية بسيطة متواضعة من فم جدتي، حكاية عن إنسان يحب الخير، ويأمل بغد أفضل، اختار السلام والهدوء طريقة لتحقيق هدفه.. لكن جدتي توفيت قبل أن تبلغني إن كان قد تحقق هدفه... وبت أنا اليوم على يقين تام، بأنه ليس من المهم أن نحقق أهدافنا ما دمنا نغمض أعيننا وهي تتراقص أمامنا، ولدينا رغبة قوية نحو الإنجاز.. وشغف الاستمرار.