محاولة عزل المرأة عن تطور البشرية المعرفي !!

هل يمكن أن نتوقع أن مسيرة الإنسانية الغابرة نحو التعلم واكتساب مهارات الكتابة والإبداع كانت تحدث والمرأة في معزل وبعد أو في انفصال عنها وعن جوانب تطور تلك المجتمعات؟ تثبت كثير من الحضارات من خلال الكشوف والآثار ومن خلال النقوش والتي تمكن العلماء من فك رموزها وتحليل طلاسمها أن المرأة كان لها دور ريادي وفي أحيان كثيرة رئيسي في هذه الرحلة الإنسانية نحو تعلم الإنسان خاصة في مجال اللغة ومن ثم الكتابة.
في كتابها تاريخ النساء الفلاسفة في العصرين اليوناني والروماني تتحدث مؤلفته، السيدة ماري إيلين وبث، عن عدد من الشخصيات النسائية اللاتي تميزت كتاباتهم بالعمق والبعد الإنساني والفلسفي لدرجة تاثر كبار الفلاسفة بهن، حيث تقول: " إن المصادر القديمة تشير إلى أن النساء كن نشيطات، وإنهن لعبن دوراً جوهرياً في تطور الفلسفة المبكرة؛  إذ يخبرنا ديوجين لايرتوس بأن أرسطو كان دوماً يؤكد أن فيثاغورث قد استقى جزءاً كبيراً من آرائه الأخلاقية من السيدة ثيميستوكليا. أعطت أيضاً ماري إيلين في كتابها، نموذجاً آخر عن سيدة عاشت في تلك الحقبة التي يؤرخ لها بقبل الميلاد، فقدمت السيدة لثيانو الكروتونية، والتي كانت تلميذة لفيثاغورث، والتي عرف عنها تميزها بالعمق الفلسفي النسائي، ومن أقوالها المعروفة: " الحب الرومانسي ليس أكثر من الميل الطبيعي إلى نفس طاهرة ".
كان دوماً هناك تساؤل: لماذا تعرضت المرأة لمحاولة الإقصاء والإبعاد عن جملة من مجالات الحياة الإنسانية، ومنها الكتابة؟. السيدة ديل سبيندر، في كتابها الذي حمل عنوان: "لغة من صنع الرجال" قالت: " بينما ورثنا المعاني المتراكمة للتجربة الذكورية فإن معاني وتجارب جداتنا غالباً ما اختفت من على وجه الأرض". ومن المؤسف أن كلماتها تحمل الكثير من القبول، وكما يقال فإن التاريخ يكتبة الأقوياء، ويظهر أن الرجل كان هو المتمتع بالقوة في معظم فترات التاريخ الإنساني.
لم تكن المرأة تعاني من هذا التجني والتجاوز منذ ذلك الزمن السحيق، ففي التاريخ الحديث اذا صح التعبير ظهر نوع آخر من التجني على الأدب النسائي بعدم الاعتراف بأهليته ووصمه بإتهامات في أحيان كثيرة لا تصنف أكثر من كونها متواضعة في جانبها النقدي، وخير دليل في هذا السياق ما حدث مع الكاتبة والمؤلفة الإنجليزية الشهيرة ماري آن إيفانس ، والتي اختارت اسماً مستعاراً ذكورياً لأنها كانت تريد أن تأخذ أعمالها على محمل الجد ولا تتهم بأنها كاتبة رومانسية فقط بسبب أنها امرأة، فلا تجد القبول والانتشار الذي تستحقه ، فكانت مؤلفاتها تصدر باسم  جورج إليوت.
مع الأسف في الوطن العربي يلجأن للكتابة بأسماء مستعارة، تماماً كالسيدة ماري آن إيفانس التي توفيت في عام 1880م ؛ بمعنى أن إنجلترا تجاوزت تلك الحقبة المظلمة من تاريخها التي كانت كثير من قوانينها قد وضعت غير مراعية لحقوق المرأة، ونحن اليوم في منتصف عام 2015 في بعض البلدان العربية نساء يكتبن بأسماء مستعارة سواء في الشعر أو غيره، بمعنى أننا نرتكب الأخطاء نفسها التي ارتكبتها الأمم قبل أكثر من مئة وثلاثين عاماً. ليس هذا ما يؤلم وحسب، إنما هناك أخطاء تاريخية في المجال الأدبي ضد المرأة العربية لم يتم تصحيحها، أو إذا صح التعبير لم تتم إعادة دراستها والتحليل وتقديم دراسات تثبت الحقائق، من الأمثلة في هذا السياق ما يتم ترديده على نطاق واسع بأن أول رواية عربية تم تأليفها كانت لحسين هيكل والتي صدرت في عام 1914 وكان عنوانها "زينب" هناك من اكد أن أول رواية عربية صدرت كانت من تأليف السيدة زينب فواز، والتي صدرت عام 1899 بعنوان:" حسن العواقب"، بل يقال أيضا إن السيدة زينب أصدرت رواية أخرى بعنوان: " الملك قروش"، وكان ذلك في عام 1905م.
وهناك من يذهب للتأكيد أن الأديبة عفيفة كرم، كانت قد نشرت أربع روايات وتم نشرها تباعاً عندما حل عام 1914 الذي نشر خلاله الأديب حسين هيكل روايته.
أفهم أن المفكرين والعلماء أكثر انفتاحاً وتفهماً ومعرفة بأن تميز المرأة وتفوقها شيء طبيعي، ولا يعد تنافساً أو تجاوزاً لطقوس متعارف عليها أو مسلمات إنسانية، بل إن تميزها على الرجل وتفوقها – إذا تم - يأتي في سياق طبيعي وهو أن الأكثر علماً وموهبة هو الأقدر على التميز والوصول للإنجاز. المفكر الراحل إدوارد سعيد له كلمة جميلة في هذا السياق حيث قال: " إن المثقف، رجلاً كان أم امرأة هو إنسان صاحب رؤية استقلالية واضحة عن مراكز السلطة". وبحق، فإن كل رجل له رؤية واستقلال عن أي عوامل مؤثرة سيعرف الحقيقة، ثم يمنحها لمن يستحقها دون تمييز بسبب اللون أو المعتقد أو الجنس.