علي عيسى الوباري - السعودية - " وكالة أخبار المرأة "

التطوع سمة تاريخية التصقت بالإنسان منذ أن خلقه الله على الأرض، لأنه صفة طبيعية لا يستغني الفرد عنها، لكن التطوع يأخذ عدة أشكال، منها الشكل البدائي النابع من الحاجة التي حكمت أفراد المجتمع أو المجموعات البدائية، لذا قد يكون بداية التطوع بحركة المرأة ونشاطها لطبيعتها الأنثوية التي تراعي الأسرة وتهتم بمحيطها الاجتماعي. طبيعة المرأة خدمة الآخر في أسرتها إلى مجتمعها، ومن خصائص المرأة التضحية، التي تؤدي إلى التطوع والتضحية بالوقت والجهد والإيثار، واستمر تطوع الإنسان بما فيه المرأة بشكل عشوائي وغير منظم، معتمداً على الحاجة والدوافع الذاتية والعواطف الإنسانية، حتى جاءت الأديان السماوية ونظمت التطوع وخدمة الناس بأعمال ونشاطات مرتبة ومنظمة نسبياً، ورسخ هذا المفهوم التطوعي الدين الإسلامي من خلال تأصيل العمل الاجتماعي الخيري بالأجر والثواب والمكافأة الدنيوية والأخروية (فمن تطوع خيراً فهو خير له) الآية 184 سورة البقرة.
التطوع بدأ بشكل منظم في صدر الإسلام، حسب ما أرساه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في البيئة الإسلامية للمسلم والمسلمة، وتجلى دور المرأة المسلمة في دورها غير التقليدي بالتطوع في الغزوات والمعارك، من خلال التطبيب والمساندة للقتال. ومع التطور الحضاري انتقل التطوع إلى مراحل متقدمة بالتنظيم والتخطيط والأطر الإدارية، سواء أكان على المستوى الفردي أو المجتمعي، ومنها المرأة التي تطوعت بشكل مثالي في بيتها، بخدمة تجلت في التربية والرعاية الأسرية وانتقلت إلى المحيط الخارجي حتى في بيئة المرأة الأمية المتفشية في العالم العربي والإسلامي، لم تترك المرأة دورها الاجتماعي. التطوع النسائي أخذ عدة أشكال من باب حب الآخر والاهتمام بالناس. في عصرنا الحالي المشبع بتقنية حديثة وأدوات اتصالية متعددة، لم تتأخر النساء عن ركب التطوع المنظم على أسس علمية وإدراية، وحملن شهادات عليا مما أهلهن إلى أن يتقلدن مناصب كبيرة في الحقل التطوعي، وزاد من تأهيل العنصر النسائي في العمل التطوعي عامل الأنوثة والحوافز الخاصة بالمرأة من حبها لخدمة الآخر في بيتها أولاً دون مقابل، وهو أساس العمل التطوعي والاجتماعي. وهنالك عاملان ساعدا المرأة في ملاءمة العمل التطوعي والاجتماعي هما: عامل الدقة والتفصيل بحكم طبيعتها واهتمامها بالتفاصيل كأنثى تدقق في كل صغيرة وكبيرة، مما ينفذ نشاطات ومشاريع على مستوى عالٍ من الجودة.
وأسهم وجود فراغ لدى عديد من النساء في إبداع المرأة في العمل التطوعي، حيث تم استثماره في المشاريع الاجتماعية، عندما تهيأت لها البيئة المناسبة للتطوع، فمحدودية النشاطات والبرامج للمرأة تخسر المجتمع طاقة بشرية وعنصراً مكملاً للرجل في دائرة القطاع الثالث. أكملت المرأة دورها الأساس في تربية الأجيال والرعاية الأسرية، ثم اتجهت إلى مرحلة الفضاء الاجتماعي الخارجي، الذي بقي فارغاً من عنصر مهم ومكمل للرجل، خصوصاً أن هناك أعمالاً تطوعية لا يستطيع الرجل تنفيذها بعيداً عن المرأة، مثل ذلك البحث الاجتماعي للأرامل واليتيمات والاهتمام بشأن العمل الصحي التطوعي والنهوض بمستوى النساء والأسرة.
يظل الأمر راجعاً للمرأة العربية التي بقيت متأخرة نسبياً في العمل التطوعي والاجتماعي، مقارنة بالدول الغربية، وإن عملت تبقى تحت إشراف الرجل وأنظمته وإشرافه، التي تبقى قاصرة في الشؤون الخاصة بالمرأة والأسرة. المؤمَّل من المرأة المتعلمة والمثقفة قيادة العمل الاجتماعي وأن تتبوأ مناصب قيادية في الساحة التطوعية والمنظمات الاجتماعية، ومواصلة التخطيط والعمل في هذا الجانب المهم والمزهر في الحياة، لتعكس صورة مشرقة للمرأة العربية المسلمة.