حمّاد السالمي - السعودية - " وكالة أخبار المرأة "

في أزمنة غابرة من حياة العرب؛ كانت المرأة مادة دسمة لشعراء الغزل العفيف منهم وغير العفيف. لم يكن قيس بن الملوّح، ولا حتى جميل بثينة وعنترة العبسي أو نزار قباني في زمننا القريب.. لم يكن أحد منهم ولا من غيرهم ممن تناول المرأة في شعره؛ إلا ضارباً عصفورين بشعر:
عصفور الحب والغرام، وعصفور الشهرة التي لا تتحقق للشاعر إلا بوسيلة وحيدة أوان ذاك، هي شعره الغزلي الذي يوغل في الوصف أحياناً؛ حتى لكأنه (كاميرا) مصوِّر قبل ظهور (الكاميرات)..!
في حاضرنا العربي؛ أصبحت المرأة شاغلة لكثير من الناس؛ حتى من غير الشعراء الذين كانوا فبانوا. فريق منهم يتطوع للدفاع عنها وكأنها قاصرة كليلة لا تعرف كيف تعبِّر عن نفسها، ومن هذا المنطلق؛ يسعى هذا الفريق لتجاوز كل الأعراف والقيم الاجتماعية السائدة؛ التي تواطأ عليها الناس فيما بينهم، بحيث يكون للمرأة مكانة تحفظ لها كرامتها وحشمتها من دون تهتك أو تبذل.
وفريق آخر يتطوع هو الآخر لفرض وصاية خاصة من عنده على كل نساء بلده عوضاً عن نسائه هو، فلا هي جديرة في نظره بالتعليم، ولا الابتعاث لتحصيل أعلى الدرجات، ولا التوظيف والعمل، ولا الظهور في وسائل الإعلام، ولا المشاركات الاجتماعية، ولا حتى أخذ حقها في بناء وطنها من خلال الدخول في مؤسسات اجتماعية وثقافية وبلدية وخلافها مرشحة وناخبة..!
هل هو قدر المرأة (في بلادنا)؛ أن تظل كرة يتراشق بها الفرقاء، وهي إنسان له كيان وله حقوق وعليه واجبات..؟! ولماذا إذن لا تتصدى هي بنفسها لهذا الفريق وهذا الفريق في الدفاع عن نفسها، وبيان حقها في ممارسة حياتها وفق تعاليم الدين الحنيف ونظم الدولة التي سنتها من هذا المنطلق، فلا ذاك الفريق على حق، ولا هذا الفريق على حق، لأن الأول يتخذ من الكلام على المرأة وسيلة لتصفية حساباته مع الفريق الآخر، ولأن هذا الآخر حتى وهو ينطلق من منابر دعوية ودينية، فهو يردد ما يتمناه هو لا ما تقره الشريعة المحمدية؛ التي لم تأمر بحبس المرأة في دارها، ولم تمنعها من ممارسة حقها في التعليم والعمل الشريف الذي يحميها من التكفف، ويجنبها مزالق كثيرة الله بها عليم.
ما إن بدأت الترتيبات للانتخابات البلدية، حتى شرع الفرقاء في التهاجي باسم المرأة التي رأى بعضهم أن في مشاركتها مفسدة عظيمة..! بل استمعت إلى خطيب جمعة راح يضرب على المنبر بيديه ورجليه، وجعل من قضية دخول المرأة في الانتخابات البلدية مناسبة للكلام من جديد على مفاسد أخر كما قال؛ وهي الابتعاث للدراسة، وعملها في المستشفيات والمؤسسات والأسواق، ثم خروجها من دارها..!
يا له من إكسير..! هذا الكلام على المرأة الذي يجعل اسم هذا الخطيب وهذا الكاتب؛ يتردد بين الناس أياماً عدة وأشهراً عدة..!
لم يفكر هذا الكاتب؛ ولا هذا الخطيب وهذا المتحدث؛ أن للمرأة كياناً، وأن لها عقلاً وفكراً ومهاماً اجتماعية ووطنية تؤديها في حياتها، وأنها تمثل اليوم نصف المجتمع، وأن أخوات وأمهات لنا نراهن على الأرصفة في المدن تحت الشمس، يبعن ويشترين ويربين أولاداً وبنات، ويعن أزواجاً ومعاقين، ومع ذلك يأتي من يضايقهن من جهات بلدية وهيئية، ومن أشخاص ينصبون أنفسهم محتسبين، وتُسرق ممتلكاتهن إذا لم تتلفها الأمطار، ومثلهن موظفات في مؤسسات حكومية وأخر أهلية، ظروفهن المعيشية تفرض عليهن العمل والتكسب في وطنهن وبين أفراد مجتمعهن، فيأتي من يعمل لقطع أرزاقهن وحبسهن بحجج واهية، لا تسندها عبادات وإنما عادات في الغالب.
أتذكر أني كنت داخل مكتب الأمير نايف بن عبد العزيز - رحمه الله - في الطائف أيام نيابته في وزارة الداخلية ذات صائفة من عام 1391هـ، فجأة.. دخل مجموعة ممن يسمونهم طلاب علم من أهل القصيم في حدود الثلاثين.. دخلوا مكتب الأمير ثم خرجوا يتدافعون بعد أصوات وجلبة، وفهمت أنهم كانوا يعترضون على فتح مدارس للبنات في بلداتهم، فأفهمهم الأمير أن هذه رغبة الدولة والمدارس لمن يريد فقط..!
بعد أعوام قليلة؛ أخبرني من أثق به؛ أن من أولئك الذين كانوا يرعدون ويزبدون في ذلك اليوم في مكتب نائب وزير الداخلية، من جاء إليه ثانية يطلب وساطته لفتح مدارس لبناتهم في بلدات لهم..! يا لسخرية القدر. ومنهم وممن هم على فكرهم، من راح يتوسط لفرصة ابتعاث لابنته، وهذا موقف جميل، ورجوع إلى الحق أجمل دون شك، ولكن غير الجميل حتماً؛ أن نشهد في عصر التنوير هذا أصواتاً نشازاً تنعق ضد المرأة وضد عملها وحياتها المكفولة شرعاً ونظاماً، وهي أطراف مثل غيرها من أطراف أخر، إنما تنتهز قضية ميتة، فتنال بهذا مصالح شخصية وشهرة لها، وتبني أمجاداً على أفهام العامة في المساجد والجوامع، وفي الملتقيات والمنتديات ووسائل التواصل المختلفة.
اتركوا المرأة وشأنها، فهي كفيلة بنفسها، ولها أب وأخ وعزوة وأسرة، ولها دولة تُشرِّع وتنظم وتكفل وتحمي، فلا وصاية ثقافية أو دينية أو مذهبية أو اجتماعية من أحد على أحد، حتى لو كانت المرأة التي يدّعون الحرص حقوقها، ويدعي آخرون الغيرة على دينها.
لقد صدق الشاعر في وصف حالة هؤلاء وهؤلاء حيث قال:
كل من في الوجود يطلب صيداً
غير أن الشباك مختلفات