رحمة حجة - فلسطين - " وكالة أخبار المرأة "

قبل عامين، ثارت ثائرة فيسبوكيين كُثُر لأن نساءً ضفاويّات، نزلن إلى بحر يافا وحيفا بجلابيبهنّ وعباءاتهن، وهي ملابسهنّ اليومية، التي لم يخلعنها من أجل عدد من ساعات السعادة في لقائهن بالبحر، الذي تراه معظمهن للمرة الأولى في الحياة.
رأيتُ بأمّ عيني صحفيات ومثقفات وصحفيين ومثقفين ينتقدون هذه الصور، ويتهكمون على النساء.
اليوم تعود صور نساء ورجال دخلوا البحر بكامل ملابسهم، بعضهم كان يرتدي بدلات رسمية، وامرأة تحمل حقيبة يدها وتقف في البحر، دون تحديد عنوان هذه الشواطئ.
وأينما كانت هذه الشواطئ، فلديّ ما أقوله للمستهزئين والمستهزئات، ولا أنكر أنني قبل التفكير بالصور المتتابعة أمامي على صفحات الأصدقاء، ابتَسمت. وأعتذر لأصحاب الصور.
بشكل عام، كل شخص يحمل ثقافته الشخصية بناء على التربية التي تلقاها والبيئة الاجتماعية التي نما فيها، ونحن نتعلّم تقبّل الاختلافات بيننا رويدًا رويدًا، ولا نُسلّم بها فجأة دون مُقدّمات.
سأتحدّث عن تجربتي الشخصية فقط.
ذات صيف، دَعَتني صديقتي الدنماركية وأمها إلى مسبح أحد فنادق أريحا. هما ارتدتا المايوه، وأنا ارتديت "فيزون" قطني مع قميص فضفاض يصل الركبتين. مكثنا المسبح ومحيطه نحو 6 ساعات.
كنتُ الوحيدة التي لا ترتدي مايوه. رأيتُ محجبات يرتدين ما يُسمّى "مايوهات شرعية". تنبّه لي أحد المشرفين على المسبح، وطلب إلي الخروج من البركة، لأنني "لا أرتدي المايوه" وقال إن قانون المسبح يقتضي ذلك.
بصراحة، تساقطت الدمعات من عينيّ يومها نتيجة المشادّة الكلامية بيننا. شعرتُ بأنني لا أستطيع الاحتفاظ بحقي في البقاء في البركة. وحين أوشكتُ مغادرتها، شدّت صديقتي يدي وظلّت تجادله بشراسة، وأذكر قولها "هي مسلمة لا ترتدي المايوه مثلنا لكن من حقها أن تسبح، ونحن دفعنا لكم المال لنتمتع بهذا الحق".
المهم، خرج كلانا من البركة، وذهبت أمها إلى مدير الفندق غاضبة للدفاع عنّي، كي يعتذر لها عن تصرّف المُشرف ويُبرر لها بأن "القماش غير المخصص للسباحة يسقطُ منه النسيج في الماء ما يمكنه أن يتجمع ويسد فتحات ضخ الماء للمسبح".
أرشدنا المشرف أيضًا لنقطة بيع "مايوهات شرعية" في الفندق سعر الواحد 100 شيكل، فردّت عليه صديقتي "يومنا انتهى تقريبًا في المسبح، لا نحتاجه".
قبل شهر تقريبًا، شعرت أني أملك مالًا إضافيًا أستطيع به شراء "مايوه إسلامي" لــ"الزنقات". درتُ بين المحال التجارية في رام الله وجنين، لأجد أرخص نوع يتراوح بين "100 و120 شيكل" بألوان "أسود/ بني/ كحلي"، وقماشته ثقيلة، وميزة ملابس البحر أساسًا أنها خفيفة.
في إحدى المرّات راق لي مايوه "ليس إسلاميا"، سألت عن ثمنه فكان 180 شيكلا، ولأنه ليس ملابس داخلية بل "مايوه" يحمل هذا السعر؛ وفق توضيح البائعة. وتساءلت إذا كان "البكيني" 180 شيكل، فما سعر الذي يغطي كامل الجسد؟
لكن "المايوه الشرعي" ليس شرعيًا أبدًا بالنسبة للنساء الملتزمات بالملابس المعروف أنها إسلامية "الواسعة الفضفاضة التي لا تشفّ ولا تصف".
رأيتُ عبر نقاط بيع إلكترونية ملابس سباحة تناسب المحجبات "الملتزمات" خاصة بالقطعة السفلية، وهي عبارة عن "فيزون" لدينا، بينما يمكن أن نرى بناطيل عادية بنوع قماش يمكن أن تكمشه بقبضة يدك لشدة خفّته، وهذه يتجاوز سعرها الـ 300 شيكل.
بالتالي، كيف يمكن لسيدة اعتادت لُبس الجلباب أو العباءة أن تخلعها فجأة لارتداء "المايوه الشرعي" وهي التي تُخفي قدَميها وشكل جسدها بها.
للتنويه، السخرية والتعليقات لا تطال الشابات فقط بل تتعداها إلى النساء الستينيات والسبعينيات، وهُنّ اللواتي أتى بهنّ الشوق إلى بحر حيفا وغيرها من مدننا في أراضي48، علمًا أن مرتادات البحر الميت بملابسهن الثقيلة أيضًا يتعرضن لذات النقد.
عدا عن أن هؤلاء النسوة لم يدخلن البحر للسباحة أساسًا، ومعظمهن لا يسبحن، إنما للمكوث فيه وخوض تجربة شعورية جديدة في ملامسة مياه البحر والسير على المسافة المحاذية منها للشاطئ.
أتذكر أيضًا، أنني استعرتُ جاكيت أختي "الجوخ" الطويل الذي يصل الركبة لأرتديه ذات شتاء قارس في سنتي الثانية بجامعة بيرزيت، لأني شعرتُ بالبرد لارتداء الجلباب وحده، حينها، شعرتُ بأنني أمشي عارية، وظللتُ طوال الطريق والمسافة بين الكُليّات أمسك بطرفي الجاكيت كي لا يطير ويظهر بنطالي، وتنفستُ الصعداء حين انقضى ذاك اليوم، لأعود إلى السَكن.
تغيّر ذوقي في الملابس تدريجيًا، وتغيّرَت مفاهيمي عن المستور والمفضوح، لكنّي لا أنسى هذا الشعور وأعرف أنه يُمكن أن يصيب أيّ امرأة سواي، يُطلَبُ منها فجأة أن ترتدي "المايوه" لأنها تبدو "مُتخلّفة" ولا تتصرّف بما يليق و"مجتمع المُتحضرّين" الذين يقفون مع الحرية الشخصية حين تكون "مايوه" وينسونها حين تكون "جلبابًا"!