إيريك ديفز - معهد الشرق الأوسط الجديد - " وكالة أخبار المرأة "

المشكلة الأساسية في منع التطور السياسي و الاجتماعي و الاقتصادي في البلدان ذات الأغلبية المسلمة في الشرق الأوسط هي التعامل مع المرأة. إن عدم قدرة المرأة على استخدام طاقتها تمثّل عائقا كبيرا. من المؤسف ان يثير هذا الوضع – الموجود فقط في الشرق الأوسط – تساؤلا مهما : كيف يمكن ان يتحقق تغيير إيجابي في المنطقة مع تهميش نصف السكّان اقتصاديا و اجتماعيا و سياسياً و ثقافيا ؟
خلال العام الماضي، أخذ وضع المرأة في الشرق الأوسط بعداً جديداً حيث كانت المرأة في طليعة الأخبار التي سلّطت الضوء على سياسة الجنس المروعة المتّبعة من قبل التنظيمات الإرهابية مثل داعش.
اختطاف داعش للإيزيديات و المسيحيات و الكرديات و تأسيس شبكة واسعة لتهريب النساء و استعبادهن يثير السؤال الآتي: هل هناك علاقة بين مساعي المجاميع الإرهابية لتبرير الاستعباد الجنسي و الاغتصاب من خلال العقيدة الإسلامية و القيم الأبوية، و المؤسسات و الممارسات في الشرق الأوسط ؟ و هل تمثّل هذه المتغيرات علاقة سببية بتدهور أوضاع المرأة الذي نشهده في أجزاء كبيرة من الشرق الأوسط؟
قبل انتشار الحركات الإرهابية في شمال أفريقيا و مصر و سوريا و ظهورها في العراق، كانت مصالح المرأة متضررة بسبب بدء ما كان يسمى بالربيع العربي. السبب الرئيسي لانهيار وضع المرأة هو سوء طالعها في ارتباطها بدكتاتوريات علمانية كحزب البعث في العراق. دعم هذه الأنظمة المستبدة لحقوق المرأة لا ينبع من الميول الشخصية للدكتاتور، و إنما له علاقة برغبة هذه الأنظمة في عرض وجه متحضر أمام الغرب بهدف تجنّب انتقادات الغرب و الأمم المتحدة، كما انه كان جزءاً من ستراتيجية ذكية و ساخرة في استخدام ورقة الجنس ضد الحركات الإسلامية كالإخوان المسلمين في مصر.
حسب الأنظمة العلمانية ذات الحزب الواحد؛ اذا تم السماح للإسلاميين بتسلم السلطة من خلال منحهم حق المشاركة في الانتخابات الوطنية فربما يتسلمون السلطة و يفرضون حكماً مستبداً إضافةً الى تقييد حقوق المرأة. بهذا الشكل كان الاتحاد العام لنساء العراق - الذي كانت ترأسه منال يونس - و مؤسسة أسماء الأسد التي تعمل نيابةً عن المرأة السورية ، يشكلان تمثيليات متقنة الغرض منهما الترويج للأجندة السياسية لدولة الحزب الواحد، و ليس لتقدّم المرأة في العراق أو سوريا.
كما أظهرت أحداث ميدان التحرير، خلال الربيع العربي، تعرّض الكثير من النساء للاغتصاب و التحرش الجنسي، فهناك مشاكل كبيرة تواجه المرأة التي تحاول إثبات ذاتها في المجال العام. إن مشاعر الرجال المصريين الذين كانوا يقتربون من النساء تسلط الضوء على الثغرة الأساسية في البلدان ذات الأغلبية المسلمة، وهي عدم وجود منهج مكتمل قائم على أساس نوع الجنس في أي من الأنظمة التعليمية في المنطقة. اذا أضفنا الى جهود الحركات الإرهابية التي تقيّد تشغيل المرأة و تعليمها و رعايتها الصحية و تواجدها في القطاع العام عموما، و المشاكل التي تواجهها المرأة الآن نتيجة اتهامها بالارتباط بالأنظمة العلمانية الاستبدادية، عندها نرى ان المشكلة الرئيسية التي تواجه الشرق الأوسط – عدم المساواة بين الجنسين – تزداد سوءاً. ما هي السبل التي يتطلبها التغيير لتحسين وضع المرأة ؟
التعليم - أي مراجعة للمنهج الدراسي في المدارس الثانوية في أغلب بلدان الشرق الأوسط تبيّن إما ان قضايا العلاقات بين الجنسين و حقوق المرأة يتم تجاهلها تماما، أو ان دور المرأة في المجتمع و المجال العام يتم تحديده من خلال مراجع دينية مختارة تدعو الى تقييد مثل هذا الدور. المراجع الدينية هي عبارة عن قواعد تمت صياغتها بعبارات دينية زائفة، علاوةً على ذلك فإنها تصوّر دور المرأة بأنه محصور بالأمومة و بأداء الأعمال المنزلية.
من بين الدول ذات الأغلبية المسلمة، فقط تركيا و تونس و لبنان هي التي واجهت قضايا الجنس في مناهجها الدراسية بأسلوب واسع. بهذا فليس من المستغرب ان تكون المرأة في الشرق الأوسط محجوبة و معرّضة للتهميش بل و أسوأ من ذلك. هناك حاجة أساسية لتنقيح المناهج الدراسية الحالية كي تواجه غياب المرأة كموضوع له قيمة للذكور و الإناث في أنظمة التعليم الابتدائي و الثانوي في الشرق الأوسط.
تعزيز قوانين الأحوال الشخصية و حقوق المرأة – منذ إسقاط الدكتاتوريات العلمانية كانت هناك جهود كبيرة لتطويق حقوق المرأة. مثال على ذلك، الجهود الرامية لإلغاء الحماية التي منحها قانون الأحوال الشخصية التقدمي لعام 1959 ( الذي تم تمريره في ظل حكم الزعيم عبدالكريم قاسم )، حيث سعى مجلس الحكم المحلي – الذي أسسته سلطة الائتلاف المؤقتة ( إدارة الاحتلال الأميركي ) في تموز 2003 – الى إلغاء هذا القانون في ك1 من ذلك العام عن طريق القانون رقم 137 . لكن لحسن الحظ فقد قامت المنظمات النسائية و جمعيات المجتمع المدني العلمانية و الحزب الشيوعي العراق إضافةً الى المقالات الكثيرة، التي تدعو لتنظيم تظاهرات جماهيرية واسعة ضد إلغاء القانون، و على إثر ذلك تم سحب القانون 137 عندما رأى رئيس سلطة الائتلاف بول بريمر الاضطرابات التي سبّبها. يمكن ملاحظة زيادة تسييس الجنس – بعد فشل الربيع العربي باستثناء تونس – في الجهود الرجعية لوضع المرأة تحت سيطرة زوجها أو أبيها أو أحد أقربائها من الذكور.
في العراق يمكن ملاحظة ذلك في قانون الأحوال الشخصية الجعفري الذي حاول رئيس الوزراء السابق نوري المالكي تطبيقه قبل الانتخابات البرلمانية في نيسان 2014 ؛ فقد كانت تلك محاولة سافرة من المالكي لكسب أصوات الذكور من الطبقة الوسطى والدنيا من خلال السعي للحدّ من حقوق المرأة مثل تخفيض سن الزواج من 18 الى تسعة أعوام ! و مطالبة المرأة باستحصال إذن الزوج أو أحد الأقرباء من الذكور في اتخاذ كل القرارات المهمة ،مثل السفر أو البحث عن عمل.
أما في مصر و خلال الربيع العربي، فقد جرت معاملة المتظاهرات – العلمانيات و الإسلاميات – معاملة سيئة، و ليس هذا فحسب وإنما تم حبسهن أيضاً حيث تعرّضت بعض النساء الى " فحص العذرية " المهين الذي لم يكن له أي مبرر. هذا السلوك من قبل رجال الشرطة و القوات الأمنية أصبح عائقا أمام النساء اللواتي يبلغن عن الجرائم الجنسية لأن المرأة كانت تخشى رجال الشرطة بقدر خشيتها من الرجال الذين هاجموها. ما يحسب لحاكم مصر عبدالفتاح السيسي انه دان الاغتصاب والاعتداء الجنسي خلال التظاهرات، لكن حكومته لم تبذل الكثير من الجهد لمعالجة الأوضاع القانونية و الهيكلية التي مازالت تضع المرأة في الدرجة الثانية و مازال الكبت الجنسي، كشكل من أشكال السيطرة على المرأة، يزداد حسب تقرير الاتحاد الدولي لحقوق الإنسان منذ استيلاء الجيش على السلطة في مصر في حزيران 2013 .
في تركيا – التي كانت يوما ما تعتبر واحدة من البلدان التقدمية بين البلدان ذات الأغلبية المسلمة في الشرق الأوسط – فقد طلب الرئيس أردوغان من المرأة البقاء في البيت و "التفرّغ لإنجاب الأطفال"!
حتى في تونس فقد منح الرئيس الحبيب بورقيبة، ذو الميول الفرنسية، المرأة أواخر الخمسينات الحق في تنظيم الأسرة و تأسيس منظمات المجتمع المدني و ان تلعب دوراً رئيسياً في مؤسسات الدولة، إلّا ان حزب النهضة – بعد فوزه في انتخابات 2012 – أعاد تعريف المرأة في مسودة الدستور التونسي الجديد بأنها لم تعد "مساوية" للرجل و إنما " مكمّلة " له.
بالطبع حاول الإسلاميون تغليف سياسات قمع المرأة بغلاف ديني. للأسف أخذ الكثير من المحللين في الغرب بكلام هؤلاء الإسلاميين بدلاً من ان ينظروا الى هذه المزاعم كشكل من أشكال الدين المبتكر المسيّس. في ضوء نزع الشرعية من القومية العلمانية، استفاد الإسلاميون من الفراغ السياسي الذي نشأ بعد انهيار الحكم الاستبدادي خلال انتفاضات الربيع العربي.
إعادة فرض الإسلام – بعكس مزاعم الإسلاميين ( من الرجال ) في ان الإسلام يقيّد مشاركة المرأة في المجال العام و يوصي بضرورة بقائها تحت وصاية الرجل، نقول ان هذه السياسة تجد جذورها في التقاليد القبلية و ليس في الإسلام. فمن المعروف ان النبي محمد (ص ) قد أكّد على تحسين الأوضاع الاجتماعية للمرأة في الحجاز خلال ظهور و انتشار الإسلام في القرن السابع الهجري. في الواقع كان أول المسلمين امرأة – زوجته خديجة – التي كانت تعمل بالتجارة و تكبره بخمسة عشر عاماً. و هناك دراسات حديثة تبيّن ان المرأة لعبت دوراً كبيرا في بداية الإسلام و كانت منهن داعيات جوالات للإسلام. لكن في أواخر الخلافة العباسية بدأ تقييد دور المرأة في المجتمع بحجج دينية لشرعنة قمعها. لا ينبغي لأحد إلقاء اللوم على الإسلام في الأهوال التي تتعرّض لها المرأة في الدول الإسلامية. مع ذلك، فان جهود النخب السياسية بعد الربيع العربي لمعالجة المرأة ضمن سياق جهود أكبر لمعالجة الهويات الطائفية ، يمكن النظر اليها على أنها تتأثر بعملية التهميش الأكبر و ازدراء المرأة من قبل أغلب بلدان الشرق الأوسط. حتى في العراق الذي يحاول رئيس وزرائه حيدر العبادي اقتلاع الفساد من خلال تقليص المناصب الحكومية التي لا عمل لها سوى تسلم الرواتب، فمن غير المريح ان نرى وزارة شؤون المرأة كانت من بين ثلث الوزارات التي تم إلغاؤها. لم تكن المرأة، التي تشكّل أكثر من 60 % من سكّان العراق، في الغالب تتلقى التعليم الكافي خلال سنوات التسعينات. بالنظر لفقدان الأزواج أو أفراد الأسرة من الذكور، بسبب العنف الطائفي الذي ضرب البلاد من أواخر 2003 حتى 2008 ، فان المرأة العراقية – من العرب و الكرد – تحتاج الى زيادة الدعم الحكومي و ليس تقليصه.
من الأمور الضارة، جرى افتراض قمع حقوق المرأة على أنه شكل من أشكال " الأصالة الثقافية " التي هي جزء من جهود محاربة الاستعمار الثقافي الغربي. بعبارة أخرى، فان إعادة المرأة الى مكانها " الحقيقي " في الإسلام – أي البيت – أصبح الخطوة الأخيرة في إلقاء الظل على " سطحية " الأنظمة الغربية القمعية التي تسميها داعش و غيرها من التنظيمات الإرهابية بـ " الصليبية المرتدة" .
في العراق، يصر المرجع الأعلى السيد علي السيستاني على حق المرأة في التصويت والعمل وعلى ضرورة مساهمتها في المجال العام – بعكس بعض الأعيان البارزين في البلد الذين يدّعون أن الإسلام يمنع المرأة من العمل. كما أوضح سماحته ان المرأة لها نفس حقوق الرجل في التعليم و الرعاية الصحية. هذا يبيّن بوضوح ان علماء الدين لا يدّعون بأن الإسلام يمنع المرأة من العمل في المجال العام. على علماء الدين من الذكور تقديم حجج أقوى على ضرورة منح المرأة المساواة في الحقوق السياسية و القانونية و حصولها على كافة الخدمات الاجتماعية، و عليهم كشف الانحياز للثقافة الذكورية التي تنتهي بتدمير نفسها نتيجة استبعاد المرأة.
التنظيم – المفتاح لحقوق المرأة هو قدرتها على إدارة منظمات يمكنها من خلالها التأكيد على حقوقها واحتياجاتها. في القليل من بلدان الشرق الأوسط ذات الأغلبية المسلمة نرى المرأة تدير فعلاً المنظمات التي من المفترض ان تعمل باسمها. حتى يتغير هذا الوضع، ستظل المرأة تعتمد على الحكام و الشيوخ الذكور في نيل حقوقها.
بعد الاندحار الكارثي خلال حرب الخليج الأولى عام 1991 و قرب سقوط نظامه خلال انتفاضة آذار، أجبر صدام المرأة على العودة الى البيت ، و مع انهيار الاقتصاد خسرت وظيفتها و لم تعد تحضر للمدرسة و صار الزوج و القريب يتحكم بسلوكها، و سلبها حقوقها في محاولة لزيادة دعم الرجال من أجل تعزيز قبضته على السلطة التي كاد يفقدها. ما تعطيه الدولة مجاناً يمكن ان يؤخذ بسهولة.
يتجلى هذا المبدأ بوضوح من خلال التغيير الجذري في وضع المرأة ( حيث كانت النساء تشكّل أغلبية الأطباء في بغداد في مايس و حزيران 1980 ) عما كانت تشغله من وظائف وفيرة و فرص تعليم في السبعينات و الثمانينات حيث انزوت الى البيت خلال التسعينات و حتى بعد 2003 .
المرأة و محاربة الإرهاب - إن كان الشرق الأوسط سيشهد تقدّماً ملموساً، فيجب ان تتحرر المرأة من الأغلال التي تقيّدها حالياً. في الوقت الذي تمارس فيه نساء الطبقة العليا في عدة بلدان شرق أوسطية شيئاً من سلطة الدولة خلال حياتهن، فان نساء الطبقة الوسطى و الدنيا و العاملات و الفلاحات ما زلن مواطنات من الدرجة الثانية.
عندما تمتلك المرأة السلطة و تتمكن من إثبات نفسها فالرجال لا يأخذون ذلك على محمل الجدّ و ينظرون اليها على أنها " ملكية" أو سلعة مخلوقة لخدمة الاحتياجات المادية و العاطفية . في الواقع، هذا هو الأسلوب الذي حاول تنظيم داعش من خلاله شرعنة سيطرته على المرأة و معاملته لها، ففي رأيه ان المرأة مجرد ملكية وليست من البشر، أما اذا كانت المرأة غير مسلمة فعندها تصبح من غنائم الحرب.
تشكّل حقوق المرأة مكوّناً أساسياً في الحرب على الإرهاب في المنطقة. الشباب يقبلون على القتال الى جانب داعش من أجل المال و لعدم امتلاكهم شعوراً بالانتماء الى المناطق التي يأتون منها، و كذلك للحصول على المتعة الجنسية من خلال نظام الإستعباد الجنسي الذي يطبّقه الطاغية و المغتصب الجنسي " الخليفة إبراهيم ".
هكذا فان مكافحة الإرهاب في الشرق الأوسط – بما فيه التطرّف الراديكالي و العنف و الوحشية – تبدأ بالمساواة بين المرأة و الرجل، و إجبار الرجال على إعادة تفكيرهم و هيكلة معاييرهم و أنماط سلوكهم. ما يراه الكثير من الذكور في الشرق الأوسط على انه قضية هامشية هو في الواقع جوهر الأمر ليس فقط في المنطقة و انما ايضا في كل المجتمعات .