حاورتها: هاجر محمد - إمستردام - خاص بـ " وكالة أخبار المرأة "

في فضاء هولندا، البلد التي اشتهرت بصفة الاراضي المنخفضة، وبأرتفاع أصوات المتطرفين المعادين للإسلام، الذين ما فتئوا يشنون الهجوم بعد الهجوم ضد الحضور العربي الإسلامي ورموزه في المنطقة، كان لنجم هذه المبدعة المغربية الأصل أن يلمع شاهقا في عالم الأزياء والموضة الهولندي/ والعالمي، وذلك وفق إرتكازة إستثنائية إلى جدور ثقافتها الأم.
حيث أختارت هدى الفشكة الديوان أن تحفر باتجاه الهوية العربية والإسلامية في تصميماتها، وأن تروج لثقافة "القفطان المغربي" باعتباره جوهرة إبداعية من شأنها أن تتربع على عرش الموضة العالمي، وتنافس أكثر الازياء عالمية.
في دار الأزياء العالمية التي تحمل أسم والدتها "الزهراء" بالعاصمة الهولندية إمستردام كان لـ " وكالة أخبار المرأة "معها هذا الحوار:
* لقد أشتهرت في أوربا/ وعلى مستوى العالم، بإعتبارك الرمز المناضل الذي قاوم هجوم المتطرف بالمزيد من الإبداع. كيف كانت بداية هذه المواجهة؟
- على الرغم من إستناد تصاميمي للأزياء في مجملها إلى المفردة الثراتية المعربية، التي أعرفها وأثقنها، وإنتمي إليها، وذلك وفق أيماني بجدوى التثاقف الحضاري، والتبادل الخلاق بين معطيات الموروث الإنساني عبر مختلف الحضارات. بحيث كنت حريصة على المزاوجة بين ما يطوره الغرب المعاصر من لمسات ابداعية وبين ما يزخر به موروثنا الحضاري المغربي والعربي الإسلامي من كنوز في هذا المجال، إلا أنني أكتسبت شهرة واسعة في هولندا وفق هذا التميز. وصارت العديد من رموز السينما والتلفزيون الهولندي يرتدين من عندي بحثا عن تلك اللمسة الشرقية الساحرة.
وقد تتوج هذا النجاح بأن طلبت مني السيدة إلا فوخلار وزيرة الثقافة الهولندية أن اصمم لها زيا خاصا يترجم هذا التثاقف المعني والخلاق بين الحضارات، وبما يعكس أنسجام الوجود العربي الإسلامي في هولندا مع أنتمائه الوطني للدولة الوطنية الحاضنة.
إلا إن أرتداء السيدة الوزيرة لهذا الزي، ومن تصميم مبدعة من أصول مغربية قد اقام الدنيا ولم يقعدها في صفوف اليمين المتطرف في هولندا. بل نهض زعيم هذا التيار، النائب في البرلمان الهولندي  خيرت فيلدرز الذي عُرف بعدائه المعلن للاسلام، ومطالبته بترحيل المهاجرين المسلمين خارج هولندا، بالهجوم على السيدة الوزيرة، ونعتها بالتحالف مع الإسلام الذي يهدد سلامة هولندا... وما إلى ذلك من خطاباته المتطرفة.
في واقع الأمر كان لهذا الهجوم بالذات مردوداته الإيجابية على مشروعي الحضاري عكس ما تصور هذا النائب. فلقد لفت خطابه الإنظار إلى ما أقوم به، وأخذت مختلف وسائل الأعلام في هولندا تدعوني للنقاش حول مشروعي من جهة وحول ما ذهب اليه هذا خطاب فيلدرز. بطبيعة الحال لاحظ الجمهور الهولندي الواسع حجم المسافة بين التطرف الحاقد، وبين الرغبة الخلاقة في التقارب والسلام بين الحضارات والشعوب عبر الرسالة الرئيسية التي أحملها من طرفي، والتي اخترت أن أرد على الهجوم المجحف الذي شنه ضدي هذا النائب من خلالها.
* وما هي هذه الرسالة؟
- أنا أشدد على أنه في فضاء الحرية الفكرية لا يجب الرد على التطرف بالتطرف. بل يجب الرد على كل تطرف بمزيد من الأبداع. لأن حصيلة الأبداع هو ما  يؤسس للغة عالمية مشتركة وموحدة وعابرة للقارات والحدود. والتي لا تحتاج في هذا السياق لأي واسطة أو لأي مترجم. أنها صادقة وعالمية وتتجه للقلب مباشرة.
 فإذا كانت التصاميم الشرقية تعجب النساء أو الرجال عبر العالم، فلن يتمكن أي حاقد أو متطرف من نصب إي حاجز بين هذا المنتوج وقلوب الناس. وأستطيع أن اقول أننا قد أنتصرنا على التطرف في هولندا بحيث أشتهرت التصاميم الشرقية وصارت مطلب للشارع الهولندي، حتى أننا صرنا الآن نفكر في أنتاج "القفطان المغربي" على مستوى تجاري واسع يصل بالسعر المناسب لكل بيت.
* لقد عُرفت في العالم بإعتبارك هولندية من أصل مغربي. كيف وصلت لهولندا، وكيف ترتبين إنتمائك للبلدين، خاصة وأنك اشتهرت بالمدافع عن الثوب المغربي في محافل الأزياء العالمية؟
- لقد ولدت في واقع الأمر بهولندا، عن أبوين مهاجرين. لكن والدتي فضلت أن تعود بي للمغرب من أجل أن أتعلم اللغة العربية وأصول ديننا في فضاء الثقافة الأم، الأمر الذي كان يمثل بالنسبة لها أهمية كبيرة. ولم أعد لهولندا إلا في سن السابعة عشر، لكي أتمم دراستي الجامعية. هذا الإنتماء المزدوج خلق في أعماقي بعدا حضاريا مُضافا. وهو يؤسس لعامل ايجابي نوعي. ولكن يظل إنتمائي الأقوى هو لثقافتي الأصل ولجذوري العربية الإسلامية. هذا الإنتماء في الواقع يأتي  في المرتبة الأولى، ويأتي بعده إنتمائي لهولندا قويا وصادقا ايضا. على أنه ليس ثمة إي تنازع أو صراع داخل هذا الإنتماء المزدوج، على العكس هناك كما أخبرتكم تكاملا خلاقا في هذا السياق.
* هل درست تصميم الأزياء في هولندا؟
- في الواقع أنا درست الهندسة الإلكترونية، واشتغلت بعد تخرجي من الجامعة اربع سنوات كمهندسة إتصالات، أشرف على تركيب كوابل الإتصال في أكبر شركة للإتصالات في هولندا. إلا أنني فضلت بعد ولادة طفلي الأول (وأنا الأن ام لثلاثة أولاد) أن أتفرغ لتربيتهم..... كان هذا القرار وفق أيمان عميق بدوري كأم، لكنه بالمقابل كان تقييدا حقيقيا لذلك الزخم الجارف من العطاء ومن الطاقة والطموح ....مما كان يشتعل في اعماقي. لذلك ألتفت لتوظيف ذلك في مجال عزيز وقريب إلى قلبي كنت قد ورثته من والدتي وهو مجال الحياكة. حيث كانت أمي وأن لم تمتهن ذلك، على قدرة خلاقة في هذا المجال. وعلى يديها تعلمت فنون وأسرار التطريز المغربي، وحياكة القفطان المغربي.... وفكرت معها في فتح دار لأزياء أمنحها قدراتي في مجال الأتصالات، وتمنحها قدراتها في مجال تصميم وتطريز وحياكة الأزياء. هكذا ولدت "دار زهراء للأزياء" التي صارت اليوم علامة معرفة على مستوى العالم. كانت تلك البداية، وبعدها اختلط دورينا.. وأصبحت بنفسي مصممة مشهورة، وتفرغت كليا لهذا المجال. وعبر هذا المنبر بالذات أخترت أن ألعب دوري في التعريف بثقافتي والسعي لنقل منتوجنا في هذا المجال إلى مصاف العالمية.
* هل استمرت علاقتك ببلدك المغرب بعد شهرتك العالمية؟
- في حقيقة الأمر أنا أستمد قوتي وإلهامي من ثقافتي المغربية كما أخبرتكم، لذلك فأن علاقتي ببلدي الأصل ليست مستمرة بالقياس إلى الزمان والمكان فقط، بل هي علاقة وجودية متجدرة. لذلك فأنا حريصة للذهاب دوريا للمغرب والغوص في فضاء الهوية، وعلى المشاركة في مختلف التظاهرات والعروض التي تقام هناك من جهة، ولكن أيضا لأشراك زميلاتي وزملائي المبدعين المغاربة فيما أنظمه هنا في هولندا من تظاهرات. بحيث كنت وراء دعوة العشرات منهم سنويا للمشاركة في اهم العروض التي يحضرها رموز المهنة ورموز السياسية في البلد. وكانت فكرتي لأنشاء تظاهرة "قفطان بلادي" تذهب بالدرجة الأولى في هذا الإتجاه.
* كيف ولدت هذه التظاهرة المغربية في فضاء إمستردام؟
- جاء هذا الموعد الفني لعرض الأزياء المغربية التقليدية في هولندا في حضن مشروعي الأوسع لمجلة بلادي مود "أي الموضة الشرقية القادمة من بلادي الأم"، والتي تعني بنشر والترويج لهذا المشروع الحضاري الذي يدعو لتلاقح الحضارات والثقافات عبر لغة الأبداع في مجال الموضة والأزياء. وخلال عروض الأزياء السنوية التي تحتضنها هذه التظاهرة نقوم بدعوة ثلاثين عارضا من أهم مصممي الأزياء المغاربة للخوض في التجربة العالمية. ونحن ندعوا كل مرة شخصية هولندية مهمة كضيف شرف لرعاية الحدث.
* في زحة الخطابات المعادية لمثل هذ المشاريع كيف تواكب الصحافة الهولندية هذه اللقاءات؟
- لا استطيع القول إن الأعلام الهولندي يسارع بتغطية ابداعات المغاربة في هولندا، وأود بهذه المناسبة أن أحي ملاحظة السيدة وزيرة الثقافة التي كانت ضيفة الشرف والراعية لعروض عام 2007، لتظاهرة "قفطان بلادي"، عندما أخذت الكلمة وقالت: "لو أن هناك متطرف مغربي واحد قام بعمل اجرامي في هولندا، لوجدنا كافة أجهزة الأعلام تتسارع لنقل الخبر، ولأحتلت التحليلات الصفحات الأولى من جرائد البلد. ولكن عندما يكون هناك أبداع العشرات من المغاربة في رسالة تذهب بالأحرى لنشر ثقافة السلام وحوار الحضارات والتعاون الخلاق بين شعوب الأرض، لا نجد هؤلاء الأعلاميين ...". لقد كانت شهادة قوية وموثرة.
* ما هي مشاريعك المستقبلية؟
- إن ما أسعى له بشأن نشر الثقافة العربية في النطاق العالمي لن يتحقق أن لم يستند إلى مشروع عربي إسلامي موحد، يجمع ين مختلف المحاولات الجادة التي صارت تنهض هنا وهناك. وذلك سواء داخل الفضاء العربي نفسه في دبي او الدوحة أو غيرها من عواصم المشرق أو في المغرب وبلدان الشمال الأفريقي بشكل عام، أو عبر مختلف عواسم العالم. لذلك فأنا اسعى مع عدد من زملاء المهنة لتطوير أليات عمل عالمية جديدية تسمح لنا بأن نشتغل اليد في اليد من أجل خلق قوة عربية فاعلة في هذا المجال. لأن المفردة الثقافية العربية قد دخلت بقوة لعالم الأزياء، حيث أثمرت هذه الجهود في لفت النظر الى أهمية وقيمة الموروث الحضاري العربي في هذا المجال. أن اخر عرض لفالنتينو على سبيل المثال استند الى التطريز المغربي وزاوج بين ابداعاته المعروفة وما استوحاه من التقليد المغربي...
وبقدر ما يسعدنا هذا الاعتراف العالمي، ويلفت النظر الى القيمة المضافة لهذا المنتوج، بقدر ما يجعلنا نفكر بعمق في ضرورة توحيد جهودنا لخلق قوة منظمة وفاعلة. في هذا الصدد وضعت شخصيا اليد في يد السيدة زبيدة شرقي مديرة مهرجان العرس الشرقي في باريس لكي نشتغل على تطوير موعد عالمي يحتفل بثقافة الأزياء الشرقية، ويجمع بين عروض العرب وعروض المسلمين في مختلف اصقاع الأرض للإحتفال بالموضة الإسلامية.
* هل تقصدين "إسلامك فشن أوارد" الذي سيحتضنه مهرجان العرس الشرقي في باريس في دورته الثامنة؟
- نعم، وأنا جد معتزة بتوحيد جهودي مع السيدة زبيدة شرقي لإنجاح هذه التظاهرة العالمية، والتي تجمع بين جهودنا في هولندا وجهود زميلاتنا في باريس، ونحن بصدد توسيع الشراكة مع الزميلات المبدعات في لندن.
* ما الذي ننتظره من هدى الفشكة الديوان في هذا الموعد المهم "لأسلامك فشن أوارد" بباريس؟
- بطبيعة الحال أنا سأعرض للفستان المغربي المطور برؤية غربية، فكما هم يستلهموا منا، نحن نستلهم منهم أيضا. هذه حقيقة وهذا هو المعنى الأصلي للتثاقف. لكنني سأقدم عروضا عصرية سأستخدم فيها مواد اشتهرت في اوربا مثل الجلد والشامواه لتصميم ملابس عصرية جميلة ذات بعد أسلامي. والتي يمكن للسيدة المتحجبة أن ترتديها بنفس الأناقة والجمالية التي ترتدي به أمرأة أوربية هذه الملابس. ففكرة التظاهرة أن نقدم للملابس المحتشمة الراقية التي تضيف للمرأة المسلمة جمالا على جمالها وأناقة ترفعها إلى مصاف أرقى الأناقات، دون أن تحتاج لنزع حجابها أو التخلي عن ملابسها المحتشمة. بكلمة أخرى فكرة التظاهرة هو الإحتفال باجمل الملابس والتصميمات الإسلامية في أرقى الصور العالمية، والتي من شأنها أن تقفز على الصور النمطية التي تحاول بعض الأبواق المغرضة إلصاقها بالمرأة المسلمة.

 
 

السيدة هدى تتوسط العارضات

من تصاميم السيدة هدى