كابول ــ صبغة الله صابر - " وكالة أخبار المرأة "

نجحت المرأة الأفغانية في اختراق ميادين مختلفة. حجزت مكاناً لها في البرلمان ومجلس الشيوخ، وشغلت مناصب عدة في الدوائر الحكومية. وبرزت بعض النساء في مجال الأعمال، على الرغم من العقبات الاجتماعية الكثيرة. إلا أن دخولهن المؤسسة الأمنية في بلد يعاني من واقع أمني صعب، يبدو لافتاً، بل إنه يثير استغراب كثيرين.
خلال الأشهر الماضية، تزايدت أعداد النساء والفتيات اللواتي انضممن إلى عناصر الأمن والشرطة في البلاد بصورة غير مسبوقة، على الرغم من تدهور الأوضاع الأمنية، وتعرّض عناصر الشرطة إلى مخاطر عدة، أدت إلى مقتل العديد من الفتيات خلال أدائهن أعمالهن.
وتعطي الحكومة الأفغانية أولوية لدور المرأة في الأمن والشرطة، وقد أرسلت عشرات النساء أخيراً إلى تركيا للتدرّب في مجالات عسكرية وأمنية مختلفة. وخلال الأيام الماضية، تخرّجت عشرات الفتيات من أكاديمية سيواس التركية. وبعد عودتهن إلى البلاد، باشرت المتخرجات من الأكاديمية العمل بهدف خدمة البلاد. كذلك، أعلنت وزارة الداخلية إرسال فتيات أخريات إلى تركيا بهدف تلقي التدريبات.
في المقابل، لا تكتفي الجماعات المسلحة بتهديد تلك الفتيات وأسرهن، بل تقدِم في بعض الأحيان على قتلهن وخطف أفراد أسرهن. نجيبة، وهي من إقليم جوزجان في شمال البلاد، انضمت أخيراً إلى الشرطة الأفغانية ووقعت في قبضة المسلحين. وبعد أيام عصيبة قضتها في قبضة حركة "طالبان"، خرجت بوساطة قبلية. وما زالت مصرّة على المضيّ قدماً في العمل في صفوف الشرطة الأفغانية.
لا تنكر هذه الفتاة وجود عقبات اجتماعية وأمنية كثيرة، إلا أنها تصر على مواصلة العمل في صفوف الشرطة لدواعٍ اقتصادية، علماً أنها خاضت معارك كثيرة ضد المسلحين أثناء عملها. تقول إن "عملها خطر. لكن وضع البلد يستدعي العمل المتواصل من الرجال والنساء. كما أن حالة أسرتي الاقتصادية لا تسمح لي بترك العمل".
وبسبب التهديدات الأمنية والخوف من "طالبان"، انتقلت أسرة نجيبة من مديرية قوشتبه في إقليم جوزجان إلى مدينة شبرغان. وتعتبر الفتاة، التي تحب العمل في الشرطة وتجده أساسياً، عملها هذا أفضل وسيلة لمساعدة أسرتها الفقيرة المكونة من خمسة أفراد. وتجدر الإشارة إلى أن والدها نور الحي (55 عاماً)، كان يقاتل في صفوف الحركة أثناء اعتقالها. وعلى الرغم من الفقر، كان مصراً على مواصلة عمله "الجهادي" ضد المحتل.
بعد الإفراج عنها، فرّت إلى مدنية شبرغان لتواصل عملها هناك. وبعدما انتقلت الأسرة إلى شبرغان، حاولت، من خلال أقاربها، إقناع والدها بترك الحركة والالتحاق بعائلته. بداية، رفض ذلك، قبل أن يعود ويقتنع بالأمر، وها هو يعيش مع أسرته اليوم. ولم يكتفِ بترك "طالبان"، بل شارك في عملية المصالحة، وصار أحد عناصر الجيش القبلي الموالي للحكومة. في السياق، يقول إن عائلته عانت كثيراً خلال مشاركته في عمليات "طالبان"، "لكنني تركت الحركة بفعل إصرار ابنتي وزوجتي. وعدت إلى حياتي الطبيعية".
لكن يبدو أن الوالد ما زال غير راضٍ عن عمل ابنته في المؤسسة الأمنية، ودائماً ما يطلب منها ترك العمل، بحجة أن المجتمع الأفغاني محافظ، ولا يليق بالنساء العمل في بعض المجالات على غرار الشرطة والأمن. وكثيراً ما يحاول إقناع ابنته باختيار عمل آخر يتناسب مع العادات والتقاليد.
وهناك مشكلة أخرى، وهي أن نجيبة كانت قد تركت الدراسة في الصف الخامس الابتدائي، وبالتالي لا يمكنها العمل في مجال آخر، وهي مضطرة إلى العمل في المؤسسة الأمنية، وخصوصاً أن شقيقها ما زال صغيراً وغير قادر على إعالة الأسرة. أما عمل والدها كجندي في الجيش القبلي فلا يكفي لسد احتياجات الأسرة.
الفقر والعوز، بالإضافة إلى الرغبة الشخصية، دفعتا الكثير من الفتيات في أفغانستان إلى العمل في المؤسسة الأمنية. يضاف إلى ذلك تشجيع الحكومة النساء على الانضمام إليها. وتجدر الإشارة إلى أن الحكومة تنظّم دورات تدريبية داخل البلاد لتطوير قدرات ومهارات النساء في الأمن والشرطة. ويوضح أحد المسؤولين في وزارة الداخلية، محمد نجيب، أن تطوير قطاعات الأمن هو من أولويات الحكومة التي تبذل قصارى جهدها لتطوير مهارات عناصر الشرطة، وخصوصاً النساء، بالإضافة إلى المشاركة في دورات تدريبية خارج البلاد. جميع هذه الدورات تساهم في تعزيز قدرات عناصرها لمواجهة التحديات الأمنية الكبيرة.