تونس - فرح سليم - " وكالة أخبار المرأة "

منذ ساعات الصباح الأولى ترى جحافل الفتيات والنساء فرادى وجماعات متجهات نحو مصانع النسيج المنتشرة على مداخل أغلب المدن الساحلية التونسية، للعمل أمام آلات النسيج والخياطة مقابل أجور زهيدة وغياب التغطية الصحية والاجتماعية، رغم أنهن يمثلن منذ سبعينات القرن الماضي ركيزة أساسية في هذه الصناعة.
ورغم أن الدستور التونسي الجديد لعام 2014، أقر المساواة بين المرأة التونسية والرجل في الحقوق والواجبات والمرجعيات التشريعية، بما يضمن حداً أدنى للأجر يحفظ كرامة النساء ويحول دون استغلالهن اقتصادياً، إلا أن هذه الإجراءات لم يتم ترجمتها على أرض الواقع، ولم تحل دون تهميش "نساء النسيج" واستغلالهن اقتصادياً.
أكثر من ثماني ساعات يومياً تقضيها النساء في العمل مقابل أجور لا تتعدى 450 ديناراً شهرياً (236 دولاراً). وتقول فتيحة وهي عاملة بمصنع النسيج بمعتمدية خنيس من محافظة المنستير شرق العاصمة التونسية لـ"العربي الجديد"، إنها تتنقل بين مصانع النسيج منذ أكثر من 15 عاماً، بحثاً عن الاستقرار الاجتماعي وظروف عمل أفضل، لكنها اكتشفت في نهاية المطاف أن الظروف في كل المصانع تتشابه.
وتؤكد فتيحة أنها لم تتمتع بالتغطية الصحية والاجتماعية، إلا بعد أن خسرت 10 سنوات من مسارها المهني، تجرعت خلالها كل أشكال الاستغلال.
وتبرز دراسة قام بها المرصد التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية لقطاع النسيج مؤخراً، أن التساهل وغض النظر عما تمارسه الإدارات المعنية بتطبيق القانون في قطاع النسيج كانت له انعكاسات كبيرة على ضياع حقوق الآلاف من العمال، خاصة عند غلق المؤسسات.
ويضم قطاع النسيج نحو ثلث المؤسسات الصناعية في البلاد ويشغل حوالى 185 ألف عامل أي ما يعادل 35.7% من اجمالي اليد العاملة في قطاع الصناعة.
وتؤكد الدراسة، أن هناك تهميشاً واستغلالاً تتعرض له المرأة التونسية العاملة، والتي تمثل أكثر من 86% من جملة المشتغلين خاصة في قطاع النسيج.
وتشير إلى أن قطاع النسيج يتميز عموماً بعلاقات إنتاج هشة رسخها في الأصل إطار قانوني يخدم أساساً مصالح المستثمرين على حساب اليد العاملة في إطار منوال تنمية غير عادل، حيث يتعامل أرباب العمل مع قوة العمل كبضاعة تخضع لآليات اقتصاد السوق دون مراعاة الاحتياجات الأساسيات والضرورية، التي تضمنها كل العهود الدولية وخاصة العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية.
ورغم ما تساهم فيه هذه الشريحة من العاملات من مداخيل هامة للدولة تعادل 25% من قيمة الصادرات التونسية و20.3% من إجمالي الناتج الداخلي الخام للصناعات وفق البيانات الرسمية، تكاد تكون المرأة العاملة في قطاع النسيج شبه غائبة في السياسات الاجتماعية للدولة رغم ما تعانيه هذه الفئة العريضة من اليد العاملة من مستوى أجر متدن وتآكل قدرتها الشرائية.
ويشير عبد الرحمن الهذيلي، المدير التنفيذي لمرصد الحقوق الاقتصادية والاجتماعية في تصريح لـ"العربي الجديد"، إلى أن التشريعات التونسية منذ منتصف ثمانينات القرن الماضي، جاءت على حساب الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للعاملات في هذا القطاع، مقابل تشجيع استقطاب المستثمرين.
بدورها تقر وزيرة المرأة، سميرة مرعي فريعة، بضعف التشريعات التي تحمي المرأة من التشغيل الهش والاستغلال الاقتصادي، مشيرة إلى أن الوزارة تسعى إلى استصدار قوانين جديدة تتماشى وروح الدستور، الذي يحمي المرأة من كل أشكال الاستغلال ويمنحها حقوقها الاجتماعية والاقتصادية.
وتؤكد وزير المرأة لـ"العربي الجديد"، أن ربع العاملات في قطاع النسيج لا يتمتعن بالتغطية الصحية والاجتماعية في انتهاك واضح للقوانين المعمول بها، مشيرة إلى أن غالبية العاملات يفاجأن بعدم انخراطهنّ في أنظمة الضمان الاجتماعي بعد انقطاع العلاقة مع العمل.
وقادت نساء النسيج في العشر سنوات الأخيرة من حكم الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي، العديد من التحركات الاحتجاجية تعبيراً عن رفضهن للاستغلال الاقتصادي، وكنّ أول من قاد الاحتجاجات في قطاع النسيج وقمن بتنظيم الاعتصامات في التحركات بمحافظة قفصة جنوب غرب تونس، التي أشعلت في خريف 2008 الشرارة الأولى للتحركات الاجتماعية في البلاد، والتي انتهت بالإطاحة بحكم بن علي بعد 24 عاماً من الحكم.