نائلة السليني - تونس - " وكالة أخبار المرأة "

نعيش اليوم خامس احتفال بعيد المرأة بعد جانفي 2011، ويقتضي منّا هذا اليوم أن نتحلّى بالصراحة والجرأة في تقييم ما أضافته امرأة الثورة إلى مكتسباتها في فترة تميّزت بتغييرات جذرية على مستوى الدستور وحرية التعبير.
صراحة قد تقلق الكثيرين، بل قد تنقص من الطابع الاحتفالي لهذا اليوم؛ لكن طبع التونسية الواقعيةُ وفتح الجراح لمداواتها من الجذور.
تعلم المرأة التونسية جيدا أنّها محلّ غبطة من بعض العربيات وحسد من الكثيرات اللائي يرزحن تحت قيود من العبودية تتنكّر لإنسانيتها وتكرّس سيادة الرجل " الذكر" عليهنّ. وتعلم التونسية أيضا أنّ مسافة تاريخية تفصلها عنهنّ وكذلك مسافة تشريعية، وأنّ من العربيات من تعجز عن استيعاب بعض من القوانين مثل حريّتها في السفر دون إذن الولي، ودون " محرم" كما تفرض أحكام بلدانهنّ:
أبا كان أو أخا أو زوجا أو حتى ابنا.. فأنّى لها بالمطالبة بمنع تعدّد الزوجات، وأنّى لها بالنضال لمنع زواج البنات الصغيرات. باختصار فإنّ التونسية واعية جيدا بما تملكه يداها من قوانين. ولهذا السبب فهي دائمة القلق. وقد يبلغ بها القلق درجة من الحيرة إن لم أقل الجزع من احتمال أن تضيع بعض هذه المكتسبات ، لأنّها تدرك أنّ ضياع قانون واحد يجرّ وراءه البقية. يكفي أن نقف عند بعض ممّا يشغل امرأة اليوم، أي امرأة 2015 حتى نلمس جميعا أنّ وضعية التونسية بهذه الكيفية تجعلها في تقلّب، إن لم أقل في وضع من يتوجّس شرّا في كلّ حين وكلّ لحظة:
• المرأة التونسية تَقلق عندما تضع في الميزان كافّة القوانين التي وضعت لصالحها منذ مجلّة الأحوال الشخصية في 1956 إلى ما قبل الثورة في كفّة ، وتقارنها بما أقرّته الإرادة السياسية بعد الثورة وإلى اليوم. والنتيجة ، أنّ جلّ ما غنمته المرأة إنّما كان في العهد البورقيبي والعهد النوفمبري. أي في حقبتين اقتنعت الإرادة السياسية فيهما بوجوب النهوض بالمرأة، هذا بقطع النظر عن وصفهما بالاستبداد والظلم والعنف... وبالمقابل عندما صارت المرأة التونسية حاضرة في جميع المجالات لم تقدر على افتكاك أيّ قانون يدعّم مكانتها ويقدّم إضافة في سجلّ القوانين التي وهبتها الحكومتان السابقتان. حقيقة مرّة، وحقيقة قد تثير في وجهي نقدا، لكن أنا أقرأ التاريخ مقطوعا عن العوامل الذاتية. وهذا ما حفظه التاريخ في سيرة المرأة التونسية. بل أزيد، لأقول إنّ الصندوق
الأسود في قضيتنا سَجّل أنّ الإسلام السياسي بعد أن افتكّ الحكم ، أي منذ 2012 كان حريصا على سجن إرادتنا في التغيير والنضال. ولا أتجنّى، بل كم كان بودّي وأنا أخطّ هذا الكلمات أن أعثر ولو على نفحة إيجابية لصالح المرأة أهشّ بها كلّ فكرة تدعّم الموقف السلبي للإرادة السياسية لإخوان تونس. يكفي أن أذكّر بحرصهم في المسودّة الأولى في الدستور على اعتبار المرأة عنصرا مكمّلا للرجل، ولولا انتفاضة المرأة آنذاك لاحتفظ بالمصطلح. وبهذه المناسبة أشكر الإخوان على هذه التجربة الفريدة التي قرّبت المرأة من المراة، ونشأت حركة نسوية سرعان ما تحوّلت إلى قوّة
ضاربة في البلاد وإلى يومنا هذا. أذكّر أيضا باستماتتهم في اعتبار "المساواة بين المواطنين والمواطنات"، وكأنّما في الحديث عن مساواة بين الرجل والمرأة زيغا وضلالا، ولهذا السبب قلت إنّ الدستور عاجز عن الارتقاء إلى مستوى طموحاتنا، وستظلّ مثل هذه العبارات عائقا يحول دون انعتاقنا وكابحا دون تقدّمنا. قضية أخرى في صندوقنا الأسود وهي إلى يومنا هذا تنتظر جرأة قرار من الحكومة الحالية . وأعني رفع التحفظات عن اتفاقية السيداو، هذه التحفّظات بقيت رهينة موقف الإخوان في تونس، وهو موقف يعبّر صراحة عن أنّهم لم يغادروا خيمتهم، وإن كانوا فعلا، كما يقولون
قد تغيّروا ويعتمدون على مقولة" الإسلام المعتدل" فليبرهنوا عن صدق نواياهم وليرفعوا أيديهم وأيديهنّ عن اتفاقية السيداو، وليمزّقوا ثوب القرضاوي الذي يلتحفون به ، وهو الفارس الهمام وقد أشهر سيفه في وجه هذه الاتفاقية وسمح لنفسه بأن يتحدّث باسم الحكومات العربية وكذلك المجتمعات الإسلامية، وتقمّص بفضل عدائه لاتفاقية السيداو دور البابا الفاعل لا الصوري.
• وجه آخر من وجوه قلقي باعتباري امرأة تونسية. أورده على سبيل الذكر لا الحصر وأختصره في السؤال التالي: إن تغيّر وجه الحكومة اليوم فمتى يعلن عن الرغبة في تغيير القوانين بما يتلاءم مع بنود في الدستور نعتبرها داعمة لمكانة المراة؟ ويمكن أن أذكر بعضا من الأمثلة، لأنّ مثل هذه المراجعات تقتضي فريقا مختصّا من القانونيين والمختصّين في الإسلاميات، لا رجال دين. فإن كنّا فعلا مقتنعين أنّنا نبني جمهورية ثانية فيجب أن نتفق أوّلا عن سمات هذه الجمهورية، ولا أعتقد أن الأغلبية تحلم بجمهورية إسلامية لأنّ مثل هذا النموذج هو أشبه بمولود مشوّه يعاني إعاقة جسدية
مزمنة قد تؤدّي إلى وفاته في كلّ لحظة من حياته. وإن عدنا بالمراجعة لمختلف القوانين العامّة التي ميّزت الجمهورية الأولى لوجدنا العديد منها متقلّبا، وجامعا بين رافدين مختلفين، بين الإسلامي والسياسي. يقلقني عندما أفتح بوابة رئاسة الحكومة ، المجلس الإسلامي الأعلى، وأجد أنّ من مشمولات هذا المجلس: "النظر في كل المسائل والقضايا التي تعرضها عليه الحكومة وإبداء الرأي فيها في اتجاه تنفيذ أحكام الفصل الأول من الدستور الذي ينص على أن تونس جمهورية دينها الإسلام.
إبداء الرأي في ما يتعلق بالنواحي الاجتماعية والفقهية، خصوصا منها ما يهم الأحوال الشخصية وأحكام الأسرة حفاظا عليها من التفسخ والانغلاق وتمكينا لها من القيام بدورها في تربية الأبناء ورعايتهم وحسن إعدادهم على أكمل الوجوه."
فهل إنّنا نعيش تحت راية جمهورية إسلامية؟ وماهو الفرق بينها وبين خلافة إسلامية فيما عدا وراثة الحكم؟ ثمّ هل إنّ للأحكام الفقهية سلطانا على قوانيننا، وخاصّة منها تلك التي تتعلّق بمجلّة الأحوال الشخصية وبقوانين الأسرة. فهل يعني أنّنا نعيش تحت ظلال محاكم شرعية غير معلنة؟ وكيف لنا أن نتحكّم في إرادة قاض ومجلس يعتبر نفسه الأعلم بأمور دنيانا لصالح آخرتنا ونمنعه من تطبيق أحكام الشريعة التي بان للجميع أنّها وليدة فهم بشري محض؟ المرأة التونسية اليوم تدرك جيدا أنّ صكّ النجاة الذي منح إليها في 1956 افتكّ منها في 1989 أي في بدايات حكم بن علي عندما كان يجري وراء المصالحة مع الإخوان ، وطبعا كانت هي سلعة المقايضة بينهما، فتحولت مجلّة الأحوال الشخصية إلى رهينة في يد ثلّة من الأشخاص يعيشون على وهم أنّهم الأعلم والأقرب
إلى مكانة الله، والحال أنّهم أعضاء خضعت تركيبتهم منذ حكم علي العريض إلى خلطة عجيبة من الإخوان مع الوهابية. أقلق فعلا ، عندما أجد أنّ من مشمولات هذا المجلس التصرّفَ في صندوق الزكاة، وأتساءل إن كنّا ونحن نقف في وجه قانون الأوقاف وصندوق الزكاة نغرّد خارج السرب، وما قمنا به من حملات لم يكن سوى جعجعة دون طحن. والجماعة صامتون لأنّهم يعلمون جيدا أنّ هذه المؤسسات الدينية كان بن علي قد أقرّها منذ 89 لأجل عيون الإخوان. ولست بحاجة إلى التنبيه إلى خطورة مثل هذه المؤسسات سواء على المستوى الاقتصادي، إذ تكرّس حكومة داخل حكومة، نظرا لاستقلاليتها، أو على المستوى الاجتماعي لما لها من حريّة التصرّف في القوانين وخاصّة منها القوانين المتصلة بالمرأة والأسرة. وتأتون اليوم تلومون رئيس المجلس لأنّه أصدر قرارا بإيقاف حصّة إذاعية والحال أنّه تصرّف بمقتضى المسؤوليات التي فوضتها له الحكومة؟؟
أنا قلقة فعلا، لأنّ مصيري القانوني بيد هؤلاء وبرضى الحكومة التي اخترتها لتمثّلني. قلقة، لما أواجهه من نزوات مفتي الجمهورية، واعذروني إن قلت لكم إنّ هذه التسمية من المضحكات المبكيات، لأنّ الجمهورية التي تحتاج إلى مفتي ليست سوى ملكية /سلطانية. وكفانا مغالطة. تقلقني فتاواه وأنا أعيش في 2015، لأنّه ينطق بخطاب أهل الكهف. يكفي أن تفتحوا موقع دار الإفتاء، وستجدون الجماعة يعيشون في عهد سحنون، لكن بوجهه المظلم، ولم لا في عهد ابن الجوزي والقرطبي. لهم قدرة عجيبة على أن يجمعوا العصور المختلفة في واحد فإذا بهم في دوامة لا تحدث فيهم سوى الغثيان: فمفتي الجمهورية الثانية لا يتحرّج عندما يقدّم فتوى قبول حجاب الطفلة الصبية على سبيل تحبيبها في الحجاب وتعويدها. ويكون قد رمى عرض الحائط بقوانين الطفولة وبرمزية حجاب الطفلة وانعكاسه على نفسيتها.. مفتي الجمهورية الثانية مازال يتحدّث عن الرجل إذا غضب ورمى يمين الطلاق على زوجته ، فإذا هي قد بانت عنه، ويكون قد داس بقدميه قوانين الطلاق.. مفتي
الجمهورية الثانية مازال يعيش يا سادتي في عصر يعتبر المرأة إنسانا ناقصا جسما وعقلا ودينا فصلاتها مع الرجل لا تكمل العدد في صلاة الجماعة الخ... من الفتاوى التي تعبّر عن انفصام في الشخصية أو التزام بالفكر الظلامي ، وعن وعي، لا حدود له. ترقّبا لغد ذكوري يدخل فيه المرأة خيمة الطاعة قسرا.
هذه مشاكلي بعد أربع سنوات، وهذه حالي "وأنا المنعّمة بأفضل القوانين"؟؟؟، وذاك واقعي و مصيري وأنا أعيش حال الثورة. فنحن النساء، في حاجة إلى مؤسسات تحمي مكتسباتنا وتسهر على سلامة القوانين وإثرائها حتى تسمو بالمرأة فتصير إنسانا ينعم بإنسانيته لا أن نظلّ رهينة إرادة أشخاص وإيديولوجيات ورهينة أمزجة قلّب تعصف بنا وبمكتسباتنا في كلّ لحظة وكلّ حين.
كوني يا سيدتي كما أنت واعية بدورك التاريخي في بلد لا يقدر أن يعيش سوى بأنفاس المرأة وعبقها. وكلّ عام وأنت بخير.