إسطنبول ــ لبنى سالم - " وكالة أخبار المرأة "

بدأت القصة عندما توجهت الكاتبة ومخرجة الأفلام الوثائقية دارين حسن إلى أحد مراكز اللجوء لتصوير فيلم توثيقي عن المغتصبات خلال الحرب في سورية. ردود الفعل السلبية للنساء عن القضية كانت صادمة بالنسبة لدارين، فبعضهنّ قلن إنّ على المغتصبة أن تسكت فقط وأخريات اتهمنها بأنها السبب فيما تعرضت له.
الحادثة شكلت دافعاً قوياً لدارين لإطلاق مبادرة "النسوية" من خلال صفحة على "فيسبوك". المنصة التي وجدتها الكاتبة الأمثل لممارسة "نضالها الفكري النسوي وطرح مشاكل المرأة وهمومها والتوجه الى شرائح واسعة في المجتمع"، حسبما تقول. بدورها تشير مها حلواني، إحدى القائمات على الصفحة، إلى "وجود الكثير من مكنونات المرأة وآلامها لا يمكنها التعبير عنها إلا من خلال صفحة فيسبوك".
"النسوية"، لاقت رواجاً كبيراً واجتذبت الكثير من المتفاعلين معها من السوريين وغير السوريين. ترجع دارين الأمر إلى "وجود ما يشبه البركان في قلوب الكثير من النساء اللواتي يحتجن لمنبر لهن، يتحدثن عن مشاكلهن وأوجاعهن بعيداً عن التخويف والوعيد"، وتضيف: "المطروح يمس شريحة واسعة من المجتمع، إذ لا توجد امرأة بيننا إلا تعرضت لانتهاك ما. السبب أيضاً هو فتح النسوية لحوار كان مغيباً مع الرجال".
بجرأة لافتة، تطرح "النسوية" أبرز مشاكل المرأة وقضاياها المثيرة للجدل في المجتمع العربي كالعنف الأسري والإجهاض وزواج القاصرات والاغتصاب. فتتناول تارةً قصص الناجحات ممن يساهمن بنهوض المجتمع. وفي أخرى قصص ضحايا التسلط الاجتماعي أو السياسي أو الديني. وتسجل هذه المواضيع تفاعلاً كبيراً من قبل القراء الذين تذهب آراؤهم في اتجاهات "
إعادة طرح لأبرز مشاكل المرأة وقضاياها المثيرة للجدل في المجتمع العربي كالعنف الأسري والإجهاض وزواج القاصرات والاغتصاب
" مختلفة. وتشير دارين إلى أنّ هذه الطروحات تهدف "لتثقيف المرأة وإعادة منهجة الفكر النسوي ليكون بديلاً للسلطة القمعية ويؤهل المرأة لتكون شريكاً حقيقياً للرجل في المجتمع".
وتلفت إلى أن "التفاعل الكبير مع بعض المواضيع المطروحة، ومنها التحرش، يعكس غضب النساء من هذا الواقع الذي يعشنه يومياً، فيما يعود التفاعل الكبير مع مواضيع الثقافة الجنسية لوجود فجوة في النقاشات الجنسية البعيدة عن الإباحية".
بموازاة ذلك، تتعرض دارين وعدد من المساهمين في هذه الطروحات للهجوم الذي يصل إلى التهديد وللمضايقات التي تصل إلى حدّ التحرش الجنسي في الرسائل الخاصة، عدا عن كيل الاتهامات التي تتناول شخصهم بعيداً عن الخوض في المحتوى. وعن ذلك، تقول دارين: "كنا نتوقع هذا قبل حدوثه، تعاملنا مع المضايقات والاتهامات بإهمالها، ردود الأفعال بدأت تتغير اليوم وتأخذ منحى النقاش أكثر، ندرك أنّ هدف الاتهامات هو تفريغ النضال النسوي من محتواه، وتشخيص المشكلة على أنها عيوب شخصية لتفقدها أحقيتها كقضية عادلة".
حرية ارتداء المرأة للحجاب أو عدمه كانت حاضرة في طروحات "النسوية"، فتنتقد في إحداها تشبيه المرأة المحجبة وغير المحجبة بالحلوى المغلفة والمكشوفة من خلال بعض الأقاويل والصور الشائعة على مواقع التواصل وتعتبره سطحياً. وتشير إلى أن المرأة ليست سلعة مغرية قابلة للعرض وأن الزواج لا يشبه بشيء من خواصه عملية البيع والشراء. كما تدعو لأن يكون وضع الحجاب أو عدمه في إطار الحريات الشخصية. هنا، أشار أحد المتفاعلين إلى أن المنقبات أيضاً لا يسلمن من التحرش. ووصفت أمل التشبيه بأنه يقلل من قيمة المرأة وقالت إن "المرأة لا تحتشم ليحبها الرجال إنما تنفيذاً لأوامر الله". أما غفران فقالت إنها "لن تقبل تشبيه المرأة بالحلوى حتى يرضى الرجل تشبيهه بالحشرة الموجودة في الصورة".
وتتعمد "النسوية" في طروحات أخرى استخدام تعبيرات صادمة لإشعار القارئ بفداحة الأحكام السهلة التي يطلقها المجتمع على الفتيات، وتقول في إحداها إنه "كيف يمكن لأحد أن يعطي لنفسه الحق في إطلاق أحكام أو توزيع نصائح في شيء لايخصه على الإطلاق؟" وتعليقاً على الموضوع تحكي أناهيتا أنها "تتعرض للانتقاد أيضاً لأنها تدخن"، فترد عليه بأن التبغ لم يتم اختراعه للرجال فقط وبأنه مضر لكلا الجنسين على حد سواء، فيما ترى فاطمة أن "هذا الحكم صنيعة الأفلام التي تصوّر المرأة التي تدخن وتشرب في الكباريهات فقط".
في سياق آخر، تسرد "النسوية" قصصاً عن لسان من تصفهن "ببائعات الهوى الحزينات"
" منهن (م ت) التي قالت إنها "ليست سعيدة في طريقة حياتها لكنها اضطرت إليها بعدما انقطعت بها السبل"، وتشير إلى أن "روادها من الرجال متنوعون من أستاذ الجامعة إلى بائع الحمص". أما (س.ق) فتصف في روايتها المكان الذي تعمل بتعبير "إنه أصدق منكم جميعاً"، فيما تبرر (ح.ر) عملها في الدعارة بأنه جاء نكاية بأمها وأهلها الذين "ظلموها وتقول إنها ستسعى حثيثة لجعل رؤوسهم غارقة في الوحل". وتصف "النسوية" عاملات الجنس بأنهنّ نتاج ندبة عميقة في انسانيتنا وضحايا للمجتمع الذكوري. وتعقيباً على رواياتهن تجد شيماء أن "العار ليس فيهن إنما بالظلم الذي مورس ضدهن، وأن ضعف شخصيتهن وجهلهن هو غالباً نتيجة غياب الاحتواء العائلي والسند الأسري"، في حين تجد عفراء أنهن لسن ضحية في حال من الأحوال.
في قصة أخرى تقارن "النسوية" بين الاغتصاب ومحاولة الاستعباد الذي تتعرض له نساء في سورية، كالإيزيديات على يد "داعش" والمعتقلات على يد قوات النظام، بقصص سجلها التاريخ كقصة "سارة بارتمان" التي تعرضت للتمييز الجنسي والعرقي، إذ عُرضت في السيرك للفرجة كسائر الحيوانات، كما أخضعت لدراسات بسبب شكل جسمها، وتعرضت جثتها للتحنيط بعد وفاتها. وترى شذى أنّ هذا النوع من الظلم والاضطهاد لايزال موجوداً بأشكال وأنواع مختلفة وأن المشكلة دائماً تكمن في السكوت عنه والتعود على انتهاك جسد المرأة وكأنه شيء طبيعي.
بدورها ترى زين أن المرأة اليوم تتعرض للتعرية من فكرة كونها إنساناً له أهواؤه وأحلامه الجامحة وتقول "لسنا ولايا ولا ضلع قاصر ولا حتى ذوات عقل ناقص، لسنا بحاجة إلى العصا الآتية من الجنة لنسلك الطريق الذي رسمه المجتمع لنا".
من جهتها تقول ابتهال محمود، عضو اتحاد المترجمين الأدبيين الأميركيين إنها تابعت طروحات النسوية لفترة وهو ما دفعها لاحقاً للمشاركة في المحتوى، وتضيف "أسعى من خلال مشاركاتي إلى إيضاح أن النسوية ليست حكراً على فئة اجتماعية معينة، وأنها لا تقتضي المساومة على حرية الرأي والاعتقاد، أسعى أيضاً إلى تفنيد الادعاء أن أفكار النسوية غربية أو أنها دعوة للتماهي مع الغرب وأن لا مكان لها بين الشرقيين. كما أحرص على تقريب وجهات النظر في القضايا المطروحة".
وتكشف دارين عن خطة لتوسيع نشاطات النسوية في الفترة المقبلة، والتي ستتضمن إنتاج الأفلام القصيرة ودعايات ضد العنف الأسري، وتقول: "نأمل بالتحول لمنظمة تتحدث باسم المرأة في العالم العربي، تدافع عن المعنفات وتساهم في محاسبة المجرمين، وتنتج أجندة تربوية وتوعوية تتوجه بها للمجتمع".