تحدثت فى مقالى الأول عن الأختيارات المطروحة على ساحة الثورات العربية التى كسب فيها الاسلام السياسى الأغلبية فى صناديق الاقتراع  وأنواع الدساتير التى سوف تشكل نوعية الدولة
و الاختيارات المطروحة للدساتير هى:
أ – دستور مدنى يفصل الدين عن الدولة ويساوى بين جميع المواطنين كأفراد, رجال ونساء, بغض النظر عن انتمائهم  للأقلية أوالأغلبية  الدينية أو العرقية أو اللغوية
ب – دستور يكون المصدر الأساسى فيه الشريعة الأسلامية يتعامل مع الأقليات بشكل "شبه" متساوى ومع المرأه بشكل لم يحدد بعد.
ت – دستور أسلامى لدولة دينية تكون للأقليات فيه حق الحماية لكن بدون التساوى مع حقوق الأغلبية المسلمة و تحكم المرأة فيه بقوانين الشريعة حسبما يقررها فقهاء ذلك البلد.
و السودان أيضا له مشروع أنجاز مهمة كتابة دستور البلاد الدائم بعد أكثر من عشرون عاما من حكم حزب اسلامى سياسى اتى عن طريق الانقلاب العسكرى. و مهمة الدستور الأساسية هى تعريف نوعية الدولة (تعددية أو حزب واحد, فيدرالية أم مركزية, برلمانية أم رئاسية او خليط الخ) وكيفية تداول السلطة. أيضا من أهم مهام الدستور هو ارساء الأسس القانونية للمواطنة.
والفكرة ببساطة انه لو لم تكن هناك دولة أو وطن لبقينا مجموعة من القبائل المتجاورة و لما احتجنا الى دستور ولا قوانين موحدة. و دولة المواطنة لها رقعة جغرافية محددة و حكومة وشعب واقتصاد موحد وخطط تنمية و اعتراف من الدول الأخرى. وفى هذه المقالات الثلاث أحاول القاء الضوء على مكونات و معوقات المواطنة لبلادنا السودان.
والأسئلة المطروحة فى هذا الجهد المتواضع هى:
مامعنى المواطنة السودانية وكيف تكونت تاريخيا؟ (المقال 1)
ماهى الهوية النفسية و الثقافية فى للسودان و هل هى ثابته أم متغيره؟
ماهى القيم التى يرتكز عليها المجتمع السوداتى فى أختياراته للد ستور والقوانين؟
ودائما, أين وضع المرأه السودانية من كل ذلك؟
تناولت فى المقال الأول الأبعاد التاريخية للمواطنة فى السودان وأتناول فى هذا المقال الثانى المعطيات النفسية والثقافية للهوية.
طال وكثر الحديث عن "أشكالية" أو "مأزق" أو "امكانيات" أو "أبداعات" الهوية السودانية منذ الأستقلال: عربية أم افريقية, خليط أم جسر بين الثقافتين, أحتفاء بالتنوع أم انصهار و توحد. و الجدل وحده لن يوصلنا الى تعريف نهائى و لكن يمكننا الأتفاق على أن الهوية السودانية حقا مغلوب على أمرها وتستعمل من الجميع لآثبات نظرية أو أخرى.
ألهوية تبداء من الفرد و كيف يرى نفسه أو نفسها عندما ينظر فى المرآة أو حينما يغمض عينية قبل الخلود الى النوم. تلك اللحظات الخاصة جدا حين يتسائل كل منا "من أنا؟".
ألاجابات تتنوع بتنوع البشر على الأرض و مكونات الهوية قد تكون لا نهائية كما يفسر الباحث أمين معلوف فى كتابه "عن الهوية". فقد نبداء بالبديهيات كالوطن و الدين "أنا سودانى مسلم" أو القبيلة والدين "أنا شايقى مسلم" ثم قد نضيف المهنة "طبيب. مهندس, مزارع" ثم الأهتمامات الأخرى "قارىء للشعر , مدون على اللانترنت" ثم ما اريد ان اعكسه عن شخصيتى من خلال الملبس "جلابية أو عراقى أو جينز" او نوع الموسيقى التى افضلها. وهكذا وهكذا و كل ما ازدادت مساحات الاختيار و الاحتكاك بالآخرين داخل و خارج البلد كلما ازدادت و تنوعت مكونات الهوية.
فى أطار الحديث عن هوية " المواطنة" السودانية و التى لابد أن تكون المكون الأساسى الذى يجمعنا داخل وطن أو دولة واحدة فأن الهوية الموحدة كسودانين تتشكل بالقدر الذى نتفاعل فيه كافراد وكجماعات - ذوى صفات مميزه - مع بعضنا البعض. وهنا أود اضافة صوتى لصوت الدكتور منصور خالد لوصفه للسودان والسودانيين:
"...محشر أقوام أرادت لهم ظروف التاريخ وقضى عليهم واقع الجغرافيا, التعايش مع بعضهم البعض فى رقعة محدودة من الأرض على اختلاف أديانهم و تنوع ثقافاتهم, وتباين سحنهم, وبعد سنوات من التمازج و التصادم و التحارب و التصالح و التصاهر و التباين , بداءت تتخلق شخصية جديدة تتميز عن مكوناتها الأصلية"
ويقول أيضأ " فالحاضنة الثقافية للشخصية السودانية ليست هى العروبة و لا الزنوجة و انما "السودانوية". كما أن القناع الوطنى الاجتماعى للوطنية السودانية ليس الاستعراب أو التزنج .....السودانوية نتاج عروبة تنوبت و تزنجت, ونوبة تعربت, واسلام وشته على مستوى العادات,- لا العبادات - شيه من الوثنية".
آخذ على مفكرنا الجليل أنه ام يذكر تأثير المسيحية ماضيا و حاضرا على تكوين السودان.
ما علينا ... تلك "السودانوية" - اذا قبلنا التعبير – لا بد, بل و لا يمكن, أن تتكون بالجبر أو الفرض بل بالاختلاط والتمازج و بان يصب كل فرد -  أو جماعة -  بأثره و مكونات هويته الخاصة فيها. حدث ذلك فى الماضى و يحدث فى الحاضر – رغم الحجر و الفرض و الأستفراد بالاعلام و منابر المساجد – و سوف يحدث بشكل أكثر شدة وكثافة من أجيال الشباب من نساء و رجال.
 فالسودان بجميع مكوناته يتفاعل الآن و بشكل لم يحدث ابدا من قبل داخل مدن مكتظة متدافعة كالموج الصاخب يحدث فيها التفاعل و التمازج دون اختيار أو قصد. ,الحقيقة السكانية او الديمغرافية ان أعدادالسكان سوف يستمر فى الازدياد المتنامى و الهجرة الى المدن و الآختلاط حتمية يصعب ايقافها أو حجرها و الغالبية العظمى لهذه الأعداد لشباب دون سن الثلاثين. والهجرة الى المدن و الوجود فى المساحات العامة بحثا عن العيش أو التعليم أو الوظيفة لم يعد يقتصر على الرجال فالمرأة السودانية من كل لون و عمر و دين و طبقة موجودة فى كل مكان فاعلة و متفاعلة.
 نعرف جميعا أن الاسلام السياسى السودانى عامة - و حزب المؤتمر الوطنى خاصة - استغل يفاعة و هشاشة مشروع الهوية الوطنية السودانية بمحاولة دفنه واستبداله بالهوية العربية و الأممية الأسلامية التابعة للمنظومة الوهابية على وجه التحديد. و للحق فقد حالفه التوفيق لحد ما و الدلائل على ذلك نراها من حولنا, على الأقل فى الخرطوم. و لكنه فى تقديرى نجاح و هيمنة منقوصة ومؤقته رغم ما بذل فيها من مال و جهد  من الترغيب (وظائف و امتيازات ورشوة و توزيع سلطات الخ) و الترهيب (فصل تعسفى و حبس و تعذيب و جلد و تتضييق وسائل العيش وغياب قوانين منظمة للحقوق الأساسية للمواطن الخ) من ما يعرفه و يتحدث عنه الجميع بما فى ذلك أفراد الحزب الحاكم مؤخرا.
نعم, هناك أقلية متزايدة من النساء يلبسن النقاب أو الخمار السعودى و قد يكون ذلك فى بعض الأحيان عن قناعة و ذلك حق مكفول. ولكن هناك الكثير منهن مرغمات بموجب ما يفرض عليهن من الأب أو الأخ أو الزوج المنتمى لجماعة ضغط او مصلح معينة. (اؤكد باننى استقيت معلوماتى من الحديث المباشر مع بعض المنقبات). هناك الظاهرة الأكثر انتشارا مؤخرا و هى العباية السوداء "الأماراتية" و التى ترتديها الغالبية العظمى من النساء و الفتيات الفقيرات كمحاولة لتجنب التحرش الجنسى فى المواصلآت او لتفادى التصيد من قبل رجال الأمن لأستبزاز الأموال. و مثال على ذلك الشابة الأرترية الأصل التى تساعدنى فى نظافة المنزل. هى مسيحية الديانة بل متزوجة بقسيس لكنها ترتدى العباية السوداء والطرحة فوق ملابسها المختارة تفاديا لمخاطر المواصلات و احتمال التهديد بالجلد من قبل رجال الأمن ان لم تدفع "فدية" بالدولار.
ذلك مثال بسيط على ما قد يقرأ على أنه توجه أو تاكيد للهوية السودانية نحو العروبة و الاسلام.  ولكنه سراب و ما خفى كان أعظم. فالشباب القادرون على الاختيار - مسلحون بالتعليم أو الاتصال بالعالم الخارجى عن طريق الانترنت أو لانتمائهم للطبقات القادرة - يمارسون كل يوم الاف الاختيارات المشكلة لهويتهم السودانية الحضارية. أقر بان القبيلة او العرق أو الانتماء العائلى  لا يزال لهم موقع الصدارة فى تكوين الهوية النفسية و الاجتماعية للسودانيين ,خاصة الذين فوق الثلاثين. و يعزز ذلك التمسك بالهوية "التقليدية" ممارسات الدولة "الحديثة" التى يفترض فيها الحيادية تجاه المواطنين. فمازالت المعلومات المطلوبة لاستخراج البطاقة الشخصية تلزم الفرد أن يحدد انتمائه القبلى. ولا يوجد اى امكانية ان تختار أن لا تكون سوى "سودانى" فقط.  فالحاسوب مبرمج بحيث ان لا يقبل المعلومات الا اذا امتلأت خانة "القبيلة". وبذلك يكون أكبر و أهم مشروع مواطنة وهو حمل بطاقة شخصية للتعريف بالفرد و تعاملاته مع الأجهزة الاداريه للدولة "موصوم" بالقبلية. ذلك هو الجزء الرسمى و المعلن أما التمييز و الفساد فى التوظيف و الامتيازات الممارس على أساس العائلة ثم القبيلة ثم العرق ثم الانتماء الحزبى فحدث و لا حرج.
أذا لن و لن يكون لنا وطن قوى و متميز و محترم مالم نتحرك جميعا فى اتجاهين:
أ – أعلاء الهوية السودانية كأساس للمواطنة التى تجمعنا فوق الهويات الجماعية الأخرى.
ب- ترك تعريف الهوية الشخصية و التعبير عنها لكل منا بشكل فردى و قبول المشاركة من الجميع - بغض النظر عن الدين و العرق و الجنس و الانتماء القبلى و الأثنى - و الأشكال الخارجية لذلك التعبير من ملبس ومأكل وموسيقى الخ بشكل طبيعى و عضوى تتمازج فيه الآراء و الميول و تتحاور و تختلف و تتفق دون فرض او شرط سوى قيود آداب الحديث و احترام الآخر و الضبط الذاتى للحرية الشخصية حين تبداء بالتعدى على حريات الآخرين تحكمها قوانين محايدة.
بتعبير آخر أدعو و يدعو الكثيرين معى بتفاعل مدنى ديمقراطى لكل أطياف الشعب السودانى لتشكيل الهوية السودانية دون هيمنة او فرض عسكرى أو بوليسى أو سياسى أو دينى. قد يتهمنى البعض بالمثالية أو الأفلاطونية متذرعين بان اهل السودان اغلبهم اميين و فقراء ومسلمين. أقول لأولئك الناس أن الأنسان الأمى و الفقير ليس منعدم الذكاء و لا الذاتية و لا الهوية الفردية ولنأتمنه و نأتمنها على اضفاء صوته و صوتها الى الأصوات الأخرى عن نوعية الأسلام الذى يريدونه والهوية التى يختارونها و اهمها الحقوق التى يتطلعون اليهاا كمواطنين فى العيش لالكريم. ثم ان السودان يتغير كل يوم و هناك عشرات الآلاف من الشباب المتطلع للأفضل و الذين لن يقفوا مكتوفى الايدى قانعين بالحاضر او استرجاع الماضى. التغيير حاصل فعلا و الآن ... و الهوية السودانية غير خاضعة فقط لضوابط ومؤثرات الحزب الحاكم و أجهزته.
ولكى نضع كل ذلك الزخم التفاعلى فى و عاء صحى و نظيف يضمن و لادة آمنة و قوية للمواطنة السودانية المتحضرة علينا أختيار الدستور المناسب لها. و هذا الوعاء يجب أن يكون قادر على قبول الأنسان السودانى دون تمييز ان كان رجلا او أمراة مسيحى أو مسلم دارفورى أو نيلاوى.
والحديث مستمر لنستكشف خيارات "القيم" اتى أمامنا فى مشروع المواطنة السودانية والتى يبنى عليها الدستور و القوانين.

مع تحياتى من الخرطوم......