محمد الناجي - المغرب - " وكالة أخبار المرأة "

اعتاده القراء والباحثون أستاذا أكاديميا متخصصا في أكثر المواضيع حساسية وتعقيدا. يطرح الأسئلة المقلقة، ويسائل التاريخ البعيد والقريب من زاوية الأنتربولوجيا والسوسيولوجيا والتاريخ، وهو المنطلق من تخصص اقتصادي. كتب عن «العبد والرعية» في أحد أشهر كتبه، وأشرف على كتاب نشره مجلس الجالية المغربية في الخارج يشرح معاني أسماء الله الحسنى ويكشف جماليتها. شرّح «المخزن» في منطقة سوس الأقصى، ووضع العبودية تحت المجهر في علاقتها بالإسلام. هو حاليا أحد أكثر الكتاب والمفكّرين نشاطا وحضورا في الشبكات الاجتماعية، في تدوينات شبه يومية تعلّق وتنتقد وتفسّر. هذا الركن فسحة جديدة لـ«تدوينات» مختلفة، ترصد تحوّلات الواقع بعين محمد الناجي.
تداول الكلمات يحجب دائما ثراءها وتاريخها، وفي الوقت نفسه يضللنا عن حقيقتها الأصلية. إنه يتستّر على المعنى العميق الذي يخفيه التطور الاجتماعي تدريجيا، بسبب التغيرات الحاصلة في العلاقات الاجتماعية وفي تمثل الجنس. إن إعادة النظر بشكل دقيق في هذه الكلمة، يستحدث أوجهها المتعددة، ويكشف طبيعتها الخفية، ويجلي حقيقة العلاقة بين الرجل والمرأة. إن حقل الحب يحتوي على العديد من الكلمات الزاخرة في الظاهر بعلاقات الود والمحبة، المشبعة بالكثير من الحنو، لكن وراء هذا المعنى الظاهر يختبئ رابط اجتماعي طاغ وظالم.
«كَنْبغيك» مثال بليغ على ذلك، فهو يعبر اليوم عن شعور المحبة، ويستخدم كثيرا في لغتنا اليومية، فهو يطابق جملة «أنا أحبك»، ويستعمل في مقابله تعبير «كنحبك»، وكلاهما ينتمي إلى اللغة العربية الفصحى.
وتعني هذه الكلمة الرغبة في الظفر بحاجة، سواء كانت خيرا أو شرا، إذ يقال للهدف المقصود، المرغوب فيه «بغاء» و«بغية»، وتتسم هذه الرغبة المطلوبة بالقوة، قوة تُستجلى في الشيء المطلوب نفسه، وفي الطريقة التي يتحقق بها. غير أن هذه الكلمة لم تترك للحَكم الحر وهو الثنائي العاشق، فهي مشروطة ومراقبة في درجتها وفي الاتجاه الذي تأخذه وفي هدفها النهائي، فالرغبة بالفعل يمكن أن تتجاوز الحدود من خلال إظهار شهية مفرطة، من المرجح أن تأخذ ممتلكات الآخرين، أو تمس صلاحيات قيادتهم. فهذا الهدف يصبح غير شرعي حينما يتوهج في رغبة تتجاوز ما هو مقرر، كما هو محدد في الكتاب المقدس: «والذين هم لفروجهم حافظون، إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون» (المعارج الآية 29-31)، وهكذا يلف هذا المفهوم بغطاء الانتهاك والخرق الذي يبدأ وقت استنفاد الرغبة المشروعة في الحب وفي أشياء أخرى. فقد نرغب في محبة الله، لكن يتوجب ألا نسعى إلى ما هو أبعد من ذلك، من خلال تجريده من هالته. فالمقام هنا غير مناسب للمبالغة، إذ يمكن للابتغاء أن يغدو عصيانا وتمردا وبدعة. البغي هو كذلك سعي نحو المحظور اللامشروع، فهو ظلم وطغيان، نحن، إذن، في حضرة كلمة تدل على الحب والكراهية والطغيان والهلاك، وذلك وفق التحولات والمسالك التي شهدتها. فنحن نتكلم بالخصوص عن تمثلات الحب المقيدة، والتي ظلت بعيدة عن الحريات التي تسمح بها المجتمعات الحديثة المتحرِّرة. وهكذا يشدد القانون الإنساني قبضته بشكل تدريجي على علاقة العشق والمحبة. لكن المهم بالنسبة إلينا هنا هو وضع المرأة الذي يتراءى في الأفق، إذ تكمن وراء هذه الكلمة نفحة من الرغبة المارقة، وتبدو أنها فطرية لدى المرأة بخلاف الرجل. ومن هذه الكلمة يشتق لفظ «البَغيّ» أي المومس الفاجرة، وهي على صيغة المذكر وليس لها مؤنث (باغية)، هذه الصيغة لا تصف إلا المرأة، لأن الرجل لا يمكن أن يكون على هذه الحال. فقد يقترف الرجل والمرأة كلاهما بعض الكبائر (الزاني، الزانية أو الفاجر والفاجرة) لكن المرأة فقط هي البغيّ. فهي لعنة للمؤنث بشكل صارم في ثقافتنا (وفي غيرها)، وذلك نتيجة غياب حس التناسب والاعتدال لدى المرأة التي تسمح بأن يُهيمن عليها، كما في اليوم الأول الذي كلّفنا إقامتنا في الجنة.
المرأة إذن في الأصل هي بغيّ، سواء باعت سحرها أم لا. ويبدو أن أنوثتها هي المستهدفة، فالإناث هن اللواتي نقلن جرثومة «الانشقاق» و«الفوضى»، من خلال هذا الجسد الذي يمارس الغواية الذميمة، أو الفساد الجسدي والمعنوي. والملاحظ أن هذه الكلمات تعني الكثير بالنسبة إلى الرجل في مدونته السياسية، من أجل الإشارة إلى الطغيان والاستبداد أو الانشقاق والعصيان، لكن في ما يخص جسده، وإن ضاع في الكفر والفسق، فلا يمكن أن يكون أساسا يهوي به كما هو شأن المرأة.