إسراء البدر - الدوحة - " وكالة أخبار المرأة "

عندما يقول عنها أستاذها الجراح الكندي إن خبرتها في مجال جراحة الدماغ والأعصاب لا تشير إلى أنها من الشرق الأوسط فهذا يعطينا مدلولا أننا أمام حالة من التميز والإبداع العلمي.
فحالة التفرد القطرية بدأت تصل آفاقها العالمية. وليس غريبا أن نجد الكثير من أبناء الدول العربية يدرسون في كندا نظرا للمستوى التعليمي المتفرد الذي تشهده كندا.
لكن الغريب أن نجد البنت القطرية تدرس الطب، وأي طب فتخصصها جراحة الأعصاب والدماغ وهو تخصص جدا نادر حتى على المستوى العالمي.
فحلمها في بناء قسم متخصص بكفاءات قطرية بالتعاون مع أستاذها الدكتور القطري غانم السليطي.
يجعلها تتخطى العقبات وتجتهد أيما اجتهاد لأجل الوصول إلى غايتها وحلمها.
إنها الدكتورة غاية خليفة بودناش الرميحي، التي تدرس الماجستير تخصص جراحة المخ والأعصاب في جامعة ويسترن أونتاريو بكندا.. الشرق تنفرد بنشر أول حوار لها مع وسيلة إعلام قطرية.
وتاليا نص الحوار الذي أجرته "الشرق" مع الرميحي:
بداية، خبرينا عن الجامعات التي درست بها ولماذا جئتِ إلى كندا؟
درست الطب وتخرجت من جامعة العلوم والتكنولوجيا في الأردن عام 2006.
وبعد عودتي إلى قطر عملت سنه الامتياز ومن ثم الإقامة في جراحة المخ والأعصاب في مؤسسة حمد الطبية، وخلال التدريب السريري تم تكريمي كأحسن مقيمة في هذا المجال لمدة سنتين متتاليتين. في عام ٢٠١٢ حصلت على شهادة عضوية كلية الجراحين الملكية بأيرلندا، بالإضافة إلى الدبلوم الأوروبي في جراحة العمود الفقري من سويسرا وفي عام ٢٠١٤ حصلت على البورد العربي في الاختصاص بجراحة المخ والأعصاب.
جئت بعدها إلى كندا فعملت الزمالة في جراحة العمود الفقري لمدة سنة والآن أنا طالبة ماجستير وأعمل الزمالة في تخصص الأشعة التداخلية والقسطرة العلاجية للأوعية الدموية في الدماغ.
لماذا هذا التخصص ومن الذي شجعك عليه؟
اخترت هذا التخصص بحكم عملي في سنة الامتياز والتي خلالها يقوم الطبيب بالتعرف على الأقسام الطبية والتخصصات المتوفرة. ووجدت أن قسم جراحة الدماغ والأعصاب لا يوجد فيه إلى طبيب قطري واحد وهو الأستاذ الدكتور غانم السليطي. وليس هناك إقبال من قبل الطبيبات والأطباء القطريين على دراسة هذا التخصص نظرا لصعوبته والمشاق التي يكابدها الطبيب في هذا التخصص. ووجدت طبيبتين فقط في الجراحة العامة في المؤسسة إحداهما من دولة عربية والأخرى قطرية وهي الدكتورة مريم السليطي. التي بهرني اهتمامها بالحالات المرضية إلى درجة السهر لعدة أيام ومتابعة الحالة بكل تفاصيلها. كما وجدت أن عدد الحالات المرضية من النساء القطريات في مجال الجراحة يوازي عدد حالات المرضى من الرجال. وعادة المريضة في مجتمعنا ترتاح أكثر للطبيبة الأنثى لكي تتولى علاجها والتحدث معها حول حالتها.
أما الذين شجعوني على دراسة الطب وهذا التخصص. تأتي في المقام الأول والدتي - حفظها الله - التي بدأت تشجعني منذ الصغر وتلقبني بالدكتورة وأنا في مرحلة مبكرة من العمر خاصة المرحلة الابتدائية والإعدادية، وكانت حريصة كل الحرص لجلب الكتب المتعلقة بجسم الإنسان والأطلس سوبوتا الطبي المترجم باللغة العربية وكأنها تدفعني بطريقة غير مباشرة إلى هذا المجال وإلحاحها الدائم على مواصلة التعليم حتى لو كان على حساب تعبها وصحتها، ولا زلت أذكر أيضاً في المرحلة الثانوية عندما كنت دائما أوقع باسم الدكتورة وهذا طبعا كان يحفزني كثيرا ويذكرني باستمرارية بذل الجهد لأنال ما أصبو إليه وكأنني أرى حالي الآن في ذاك الزمان. ولا أنسى الدعم اللا متناهي من أخي وأخواتي، فأخواتي معظمهن يعملن في المجال الطبي وأختي التي تكبرني أيضاً طبيبة نساء وتوليد، فالكل بطريقة مباشرة أو غير مباشرة شجعني على دراسة هذا المجال. أما عن تخصص جراحة الأعصاب والدماغ. فلا يمكن أن أنسى المجهود الكبير الذي بذله أساتذتي وزملائي في قسم جراحة المخ والأعصاب في مؤسسة حمد.
في قطر وجدت أن أساتذتي لم يفرقوا بيني كطبيبة وبين زملائي من الرجال في نفس التخصص، وأخص بالذكر أستاذي الدكتور غانم السليطي، فقد لمست فيه الروح الإنسانية والهمة الوطنية العالية في خدمة قطر كونه يسعى لتأسيس قسم جراحة المخ والأعصاب الذي يعتمد على المنهجية المتطورة لترقى بقدراتها المهنية في منح المريض في دولة قطر أفضل الرعاية الطبية.
هذا كان سببا في انبهار أستاذي الكندي بطريقة عملي للعمليات حيث أخبرني أن طريقتي لا توحي أنني قادمة من الشرق الأوسط كوني عملتها بمهارة عالية لأني تتلمذت على يد أستاذي غانم السليطي الذي يحمل الخبرات العالمية في هذا المجال كونه درس هذا التخصص في الجامعات الكندية.
ما هي أهم الصعوبات التي تواجهك وبعضها لازال يشكل عائقا أمامك؟
واجهت تحديات في البداية عند قدومي إلى كندا، حيث إن المجتمع الكندي لديه قناعة أن المرأة والطبيبة العربية لا يمكن أن تؤدي عملها باقتدار وكان لابد أن أمحو هذه الصورة السيئة من مخيلتهم والحمد لله في فترة وجيزة تغيرت الصورة السلبية تماما وأعزي ذلك إلى الاعتدال السلوكي والحرص على احترام ذات الآخرين من قبل الكنديين إضافة إلى الاعتزاز بقيم البلد التي أتيت منه والتمسك بكل القيم الدينية لِأَن من منظوري التحلي بالقيم الروحية هو المفتاح السحري لدخول قلوب وعقول الناس أين كانت جنسياتهم أو ديانتهم.
ومن جهة أخرى يواجه الطبيب القطري عند عودته بعض الصعوبات - وقد لمستها أثناء تدريبي في قطر- للأسف إلى الآن البعض من المواطنين القطريين يفضلون السفر إلى الخارج لأخذ العلاج وعمل العمليات الجراحية لضعف ثقتهم بالكوادر والمستشفيات القطرية. لكننا نجد أيضاً حالات مرضية مماثلة عملت لها العمليات من قبل كوادر قطرية بقطر وعند سفرهم للفحوصات في الخارج أثنى الأطباء الأجانب على الكوادر القطرية التي عملت تلك العمليات نظرا للحرفية العالية التي تمت بها تلك العمليات على أيدي الأطباء والجراحين القطريين. لأننا ولله الحمد نملك مؤسسات وأجهزة على نفس المستوى العالمي ودراستنا نهلت من تلك الخبرات العالمية.
في السنوات العشر الماضية لم يكن لدينا طبيبة جراحة واحدة قطرية بسبب نظرة مجتمعنا لعمل المرأة الآخذة بالتلاشي في مجتمع اليوم. كون دولتنا في نهضة مستمرة وتشهد قفزات سريعة وتطورا هائلا على مختلف الأصعدة مما يجعل المجتمع ينظر إلى طاقات المرأة القطرية التي يجب أن تساهم في عجلة التطور التي يحتاجها البلد. لذا أجد أن صعوبات الأمس لم تعد كذلك اليوم وهي بلا شك إلى تغيير في كل يوم.
هل لقيتِ التشجيع والدعم المطلوب من قبل الجهات الحكومية في قطر؟
إلى أقصى حد. كل ما أطلبه من حكومة بلادي يتم توفيره لي لأجل تسهيل مهمتي الدراسية. وأنا أجد الدعم من ثلاث جهات وهم قسم جراحة المخ والأعصاب الذي كنت أعمل فيه بقطر برئاسة أستاذي الدكتور غانم السليطي. التعليم الطبي إضافة إلى حكومة بلادي المتمثلة في السفارة القطرية. فماذا أريد بعد ذلك؟
قطر اليوم تشجع أبناءها بكل الوسائل، حيث وضع الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني الإنسان القطري وتزويده بالعلم والمعرفة في سلم أولوياته، فإلهام الأمير الوالد ورؤيته المستقبلية كانت هي حجر الأساس وعلى خطى الوالد وضع حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى حفظه الله، رؤية قطر الوطنية 2030 وجعل فئة الشباب عمادا لها، فهذه الرؤية تعتمد على أبناء وبنات قطر لكي يتم تحقيقها. فقطر لا تريد من أبنائها إلا الدراسة وتطوير قدراتهم لأجل مواكبة عجلة النهضة والكثير يحسدوننا على ما نحن فيه لذا يجب أن يكون ذلك حافزا ودافعا لشبابنا القطري إناثا وذكورا لكي يقوموا بأداء دورهم.
كيف وجدتِ انطباع المجتمع الغربي عن دولة قطر؟
الحقيقة قطر إلى وقت قريب لم تكن معروفة في المجتمع الغربي، مثلا عندما زرت أمريكا عام 2008 لحضور مؤتمر علمي هناك سألني أحد الزملاء.
من أي دولة أنت؟ ولما قلت له من قطر لم يعرفها وقلت له من الشرق الأوسط قال: مصر. قلت قريبة منها بعض الشيء وفي عام 2009 حضرت نفس المؤتمر في شيكاغو وسألني أيضاً أحد الزملاء من جامايكا.
فقلت له من قطر: فقال لي دبي قلت مجاورة لنا. لكن في عام 2013 سافرت مع أحد مرضانا لتلقي العلاج في أمريكا وسألتني الممرضة من أي دولة. قلت لها قطر. فقالت: التي ستنظم كأس العالم عام 2022.
فقلت الحمد لله لن أحتاج بعد اليوم أن أعرف عن بلدي وأذكر عندما وصلت لكندا سألني سائق التاكسي فقلت له قطر: فقال لي قناة الجزيرة. فأصبحت قطر في الآونة الأخيرة معروفة من قبل المجتمع الغربي في مختلف المجالات رياضيا، وإعلاميا وأيضاً في المجال الصحي، فلاحظت أن المجتمع الكندي خصوصا الطبي يعرف قطر بسبب وجود المستشفى الطبي الرياضي في أسباير. إضافة إلى جهود زملائي القطريين قبلي الدارسين في كند أسهمت إلى حد كبير في تعريف المجتمع الكندي عن قطر والقطريين. وأقولها بصدق إن زملائي السابقين تركوا انطباعا كبيرا عن أخلاق القطري العالية وتمثيله لبلده على أرقى مستوى. إنهم بحق خير سفراء لبلدهم.
عند عودتك ما هي أهم خططك وتجاربك التي تطمحين إلى تنفيذها عند عودتك لأرض الوطن إن شاء الله؟
بعد العودة إن شاء الله سأعمل بمعية أستاذي الدكتور غانم السليطي على إكمال ما بدأه من خطى في تطوير قسم جراحة الدماغ والأعصاب وعلى تشجيع المزيد من الكوادر الطبية القطرية على الالتحاق لدراسة هذا التخصص. كما أخطط على وضع برنامج طبي متكامل لتوعية الشعب القطري بمخاطر الأمراض المتعلقة بأمراض الدماغ والعمود الفقري وبالأخص السكتة الدماغية وإعراضها الأولى التي يمكن للمرضى أن يتفادوا المرض أو التقليل من إثارة إذا ما بدأوا العلاج مبكرا قبل أن يصل إلى مرحلة لا يمكن تداركها لا قدر الله خاصة مع تزايد نسب أمراض الضغط والسكري وتصلب الشرايين في المجتمع القطري وهي جزء من رسالة الماجستير التي أقوم بها الآن. وإلى إنشاء وحدة متخصصة تعنى بمرضى الجلطات الدماغية وأمراض الأوعية الدموية للدماغ والعمل بروح الفريق الواحد بالتعاون مع الأقسام الأخرى مثل قسم الأشعة وقسم باطني أعصاب.
وفي المستقبل القريب إن شاء الله أطمح إلى تدريب الكوادر الطبية في قطر وإنشاء برنامج الزمالة السريرية في علاج أمراض الأوعية الدموية في الدماغ بالأشعة التداخلية وتبني امتحانات تقييمية عالمية لضمان مستوى التدريب وتقدير مدى قدرات المتدرب على إجرائها للمرضى.
أيضا رؤيتي المستقبلية خلال العشر السنوات القادمة أن تكون قطر لها الريادة في مجال الأشعة التداخلية في المنطقة والدول المجاورة لتكون مركز تدريب إقليميا ركائزه تعتمد على المشبهات الطبية كإجراء عمليات القسطرة على أجهزة المحاكاة قبل إجرائها على المريض وهو ما تشترطه كل الجمعيات الأوروبية والأمريكية للتدريب.
وأخيرا أريد أن أشير إلى أن الرعاية الصحية في قطر ينقصها الكادر القطري المعد الإعداد العالي الذي يتلاءم مع مستوى المعدات الطبية العالية الجودة التي وفرتها الدولة في مستشفياتها لدرجة أنها تفوق الإمكانيات المتاحة في المستشفيات الكندية والعالمية. ومن خلال منبركم أريد أن أوجه رسالة إلى الشباب القطري إلى ضرورة دراسة التخصصات الطبية النادرة مثل جراحة المخ والأعصاب والأوعية الدموية وغيرها من التخصصات التي تحتاجها قطر التي شملتهم بالرعاية ولم تبخل عليهم بالدعم المادي والمعنوي.
ختمت حواري مع الدكتورة غاية الرميحي. وقلت: حق لقطر أن تفخر بعيالها. فالدكتورة غاية ليست نموذجا متفردا للمرأة القطرية فحسب. إنما هي بلا تزويق للكلام. طبيبة مجتهدة وطموحة وقبل كل شيء إنسانة هدفها أن ترد جميل بلدها وأهلها عليها بأن تعود لهم وهي تحمل أرقى الشهادات وأعلى الخبرات.

الشرق