الرياض - " وكالة أخبار المرأة "

يقول خالد «اعتقد الجميع أنني مجنون. لقد كان الأمر صعباً للغاية، فلم يعجب أحد بالفكرة.» لنعد بالزمن إلى أربع سنوات مضت، حين استقال الخضير البالغ من العمر 28 عاماً من عمله مدققاً لدى شركة «كي بي ام جي»، وأسس شركة «جلوورك»، والتي تهدف إلى حل قضية البطالة بين النساء السعوديات. ووفقاً لتقديراته، فقد تمكنت الشركة حتى الآن من تقديم المساعدة لأكثر من 26 ألف سيدة سعودية ووجدت لهن وظائف في السوق السعودية، فيما استفاد عدد أكبر من النساء من خدمات الاستشارات ومعارض التوظيف التي تنظمها الشركة.
وفي أثناء ذلك، ارتفع عدد موظفي الشركة من مجرد ثلاثة إلى 63 موظفاً، كما أنها تبذل جهوداً حثيثة للبناء على قاعدة البيانات الضخمة التي أسستها بهدف تأسيس شركة عملاقة للاستفادة من هذا السوق الجاذب. ويأمل المؤسس الطموح أن يصل حجم شركته إلى أكثر من مليار دولار في وقت قريب، وذلك بفضل استثماراتها المتنوعة من التجارة الالكترونية إلى التطبيقات ومن المراكز الصحية إلى التوسع الإقليمي السريع.
ومن منظور أشمل، كانت شركة «جلوورك» في قلب التحول الكبير والهادئ في أكبر اقتصاد عربي، والذي تأخر في اكتشاف إسهامات المرأة المهمة في سوق العمل. يشار إلى أن عدد النساء العاملات في السعودية تضاعف ثماني مرات، حيث وصل إلى 490 ألف امرأة عاملة، مقارنة بعددهن قبل أربع سنوات.
تصل النسبة الرسمية للبطالة بين المواطنين السعوديين إلى 11.7 بالمائة، وفقاً للبيانات الصادرة عن مصلحة الاحصاءات العامة والمعلومات. أما بالنسبة للنساء فإن الصورة مختلفة تماماً، فقد وصلت نسبة البطالة إلى 32.5 بالمائة في نهاية العام الماضي، والتي انخفضت بشكل طفيف مقارنة بمعدل البطالة في عام 2013 والذي وصل إلى 34 بالمائة. كما يعكس هذا الانخفاض الجهود التي تبذلها الحكومة لتشجيع عدد أكبر من الشركات الخاصة لتوظيف النساء السعوديات.
واضطلعت شركة «جلوورك» بدور محوري ضمن هذه الجهود، حيث تعمل الشركة على فتح مجالات عمل جديدة للنساء السعوديات. وكان الخضير قدم نصيحة لأحد العملاء بتوظيف 11 سيدة سعودية للعمل أمينات صندوق في محلات «باندا» في جدة عام 2010. وتسبب القرار بردة فعل سلبية من قبل المحافظين، بمن فيهم الداعية المعروف يوسف أحمد، الذي دعا إلى مقاطعة هذه المحال، التي قررت تكليفهن بمهام أخرى.
يقول الخضير بنبرة تنم عن غصة: «لم يتقبل الناس الأمر. ففي تلك المرحلة، كانت تلك أول مرة تعمل فيها النساء السعوديات في أماكن عامة عدا المستشفيات».
لكن وبعد مرور عدة سنوات، باتت فكرة عمل النساء أمينات صندوق في المحال التجارية أمراً مقبولاً. ومع ذلك، فقد دفعت حادثة محلات «باندا» الخضير إلى إعادة التفكير بالطريقة التي يعمل من خلالها. فقد لجأت شركة «جلوورك» إلى التركيز على إنشاء مكاتب افتراضية، والسماح للنساء السعوديات بالعمل من بيوتهن، والتي شكلت ميزة كبيرة للنساء اللاتي يسكن المناطق الريفية. وحصلت هذه الخطوة على مباركة الحكومة، والتي خاطبت الشركة بدورها للحصول على مشورتها بشأن التشريعات المتعلقة بالنساء اللاتي يعملن في قطاع البيع بالتجزئة.
وفيما بعد، أعلنت الحكومة قانوناً يقضي بعدم السماح للرجال العمل في المحال التي تبيع الملابس الداخلية النسائية، الأمر الذي جعل من شركة «جلوورك» مقصداً للنساء الراغبات بالعمل، فيما سمحت وزارة العمل للشركة الولوج إلى بيانات النساء العاطلات عن العمل في جميع أنحاء المملكة.
ومنذ ذلك الوقت، تم اتخاذ إجراءات أخرى، مثل إجازة الأمومة الإجبارية في القطاع الخاص والقوانين التي تفرض على الشركات التي تعمل فيها أكثر من 50 امرأة افتتاح حضانة داخلها.
ويبدو أن البيانات التي قدمتها وزارة العمل لشركة «جلوورك» أثبتت قيمتها الكبيرة للشركة. وفي هذا الصدد، تقوم الحكومة الآن بتقديم معونات للعاطلين والعاطلات عن العمل ضمن برنامج «حافز»، حيث تصل كلفة الإعانات السنوية إلى 10.6 مليار دولار، تصرف لحوالي 2.2 مليون مواطن، منهم 1.4 مليون امرأة جميعهن على لائحة شركة «جلوورك».
يقول الخضير «يصل معدل العوائد مقابل إيجاد فرصة عمل واحدة إلى 3 الاف ريـال سعودي (800 دولار)، وبحسبة بسيطة، فإننا نتكلم عن سوق تصل قيمته إلى مليار دولار»، مضيفاً «انا الشخص الوحيد الذي ينصب اهتمامه على هذا القطاع».
كما يسجل السوق معدلات نمو مرتفعة. فقد تجاوز عدد سكان المملكة 30 مليون نسمة العام المنصرم، كما تضاعف في أقل من 3 عقود. وتصل نسبة السكان الذين تقل أعمارهم عن 25 عاماً إلى أكثر من نصف عدد سكان المملكة، فيما تصل نسبة البطالة في هذه الشريحة إلى حوالي 30 بالمائة. وبالإضافة إلى ذلك، يوجد حوالي 200 ألف مواطن سعودي ممن يدرسون في جامعات خارج المملكة، كما تمد الجامعات السعودية أسواق العمل بأكثر من 150 الف خريج سنوياً. ووصل عدد الخريجات الفتيات خلال السنوات الخمس الماضية إلى 500 الف خريجة من عدد الخريجين الكلي البالغ 800 ألف خريج، وهو الأمر الذي يزيد انخراط شركة «جلوورك».
ومنذ انطلاقة شركة «جلوورك»، فقد ركزت على تنويع مصادر الدخل لديها وعدم اقتصارها على التوظيف، حيث تتقاضى الشركة رسوماً مقابل كل عملية توظيف، كما تتقاضى رسوماً من الحكومة إذا كان الموظف الجديد أحد المستفيدين من برنامج «حافز».
كما تقوم الشركة بتنظيم معارض التوظيف، والتي يقدر الخضير بأن تصل عوائدها هذا العام إلى 3 ملايين دولار، و5 ملايين العام المقبل. ووصل عدد المشاركات في معارض التوظيف الثلاثة التي نظمتها الشركة في مدن جدة والرياض والدمام هذا العام إلى أكثر من 60 ألف سيدة. وفي هذا الصدد، يؤكد الخضير بأن أكثر من ألفي سيدة حصلن على وظائف مباشرة أثناء انعقاد المعارض، مشيراً إلى النمو الكبير الذي تحققه هذه المعارض. فقد ارتفع عدد الشركات التي تدفع نقوداً للمشاركة في معارض التوظيف إلى 270 شركة هذا العام مقارنة مع 49 شركة قبل عامين. واستقطبت المعارض شركات عالمية مثل «ماكنزي» و»أكسنشور» و»جنرال إليكترك» و»إكسون موبيل»، إلى جانب شركات محلية كبرى مثل مجموعة الزامل.
ورغم ذلك، فيبدو أن الشركة بصدد الإعلان عن مصدر الدخل الأكبر بالنسبة لها في غضون الأشهر القليلة المقبلة. وفي هذا الصدد يقول الخضير «إننا بصدد الإعلان عن تطبيق جديد ومبتكر – وهو ما أدعوه بمنصة توظيف اجتماعية. ويضم التطبيق جانباً اجتماعياً، ما سيسمح للنساء بالتحدث مع بعضهن البعض، فيما سيسمح لك نظام الخرائط الجغرافية بمعرفة كم تبعد الشركات عن مكان سكنك».
كما يضم التطبيق جانباً مهنياً، ما سيسمح لأصحاب العمل بالبحث عن المرشحين وفقاً لمختلف معايير البحث، إلى جانب تمكينهم من التركيز على سوقهم المستهدفة. ويشرح الخضير بالقول: «إذا كنت شركة مثل زارا على سبيل المثال، وكنت أرغب بتوظيف نساء، يمكنني أيضاً الإعلان عن طرح منتجات جديدة تستهدف النساء القاطنات في الرياض والبالغات من العمر 24 عاماً مثلاً. كما سيسمح لنا هذا التطبيق بالتوسع إلى دول أخرى، وهو هدفنا وغايتنا الأساسية».
وسيضم التقرير أيضاً خدمة تشارك السيارات تسمى «جلوكار»، والتي ستستهدف النساء السعوديات بشكل حصري. وستنافس هذه الخدمة مشغلين حاليين مثل «أوبر» وخدمة «كريم» في دولة الإمارات العربية المتحدة، واللذان افتتحا فروعاً في العديد من المدن داخل المملكة العربية السعودية. ويأمل الخضير في تشغيل هذه الخدمة قبل نهاية العام الحالي.
كما تأمل الشركة في استغلال هذا التطبيق وموقعه الإلكتروني الحديث للاستفادة من سوق التجارة الإلكترونية داخل المملكة العربية السعودية، والذي تقدر قيمته السنوية بحوالي 13.3 مليار دولار، وفقاً لشركة «بكسهارت» ومقرها دبي. كما يشير الخضير إلى دراسة أجرتها شركة أرامكس أخيراً والتي وجدت بأن 90 بالمائة من المنتجات التي يتم شراؤها دخل المملكة هي للنساء، إلا أن عمليات الشراء تتم من خلال البطاقات الائتمانية التابعة للرجال.
يقول الخضير «تتمتع منصة التجارة الالكترونية في المملكة بإمكانات كبيرة، إلا أنها غير فعالة بسبب انعدام قنوات الدفع والهيكلية المناسبة»، مشيراً إلى عدم وضوح الطريقة التي يتم من خلالها تأسيس منصة إلكترونية والتشريعات التي تحكمها والموافقات المطلوبة بشأنها.
ويشير الخضير إلى دور البنوك، مؤكداً «أن البنوك لا تقوم بدور كاف لتثقيف الجمهور حول مدى سلامة استخدام البطاقات الائتمانية في عمليات الشراء. دعني أقل لك بأن الأشخاص الذين يعيشون في المناطق الريفية – والذين يشكلون نسبة كبيرة من السكان – يرغبون بشراء الأشياء عن طريق الانترنت لكنهم يتخوفون من ذلك».
وأخيراً، تأمل الشركة في ضخ استثمارات كبيرة في «جلوفيت»، وهي سلسلة من مراكز اللياقة المخصصة للنساء. وقد يكون مفاجئاً إذا ما علمنا بوجود مركز لياقة وحيد مخصص للنساء في المملكة العربية السعودية (على عكس العديد من المراكز الصحية التي تضم صالات رياضية داخلها)، ولذلك، يبدو أن هذا القطاع يحمل فرصاً كبيرة للنمو.
يقول الخضير «لقد افتتحنا أول صالة رياضية في شهر مارس المنصرم. كما عانينا للوصول إلى مرحلة التشغيل، فقد كان الأمر صعباً وشكل تحدياً كبيراً. توفر الصالة الرياضية تمارين الدراجة الثابتة والزومبا والبيلاتس واليوغا، والتي لا توفرها سوى صالة أخرى وحيدة في المملكة، والمملوكة لأحد أعضاء العائلة المالكة وهو السبب الذي دفعنا إلى افتتاحها.
ويضيف الخضير «إننا نقوم حالياً بجس النبض. لقد قمنا بافتتاح الصالة لتكون بمثابة اختبار استكشافي ثم سنقوم بافتتاح العديد من الصالات الأخرى، وحتى في دول أخرى».
وكانت شركة «ساس القابضة» استحوذت على 51 بالمائة من أسهم شركة «جلوورك» قبل سنتين، مقابل 16 مليون دولار، حيث أكد الخضير على أهمية الصفقة في تعزيز نمو الشركة حتى الآن.
ومع ذلك، يشير الخضير إلى عدم حاجة الشركة إلى مزيد من التمويل، إلا في حال نجاح خطط الاستثمار في النوادي الصحية والحاجة إلى افتتاح نواد صحية في أماكن جديدة. أما فيما يتعلق بخطط شركة «جلوورك» للمستقبل القريب، فيشير الخضير إلى أنه يخطط للتوسع خارج المملكة. فقد وقعت الشركة اتفاقية مع شركة «صلتك» القطرية لإطلاق اختبارات نفسية لطلبة الجامعات، في خطوة تهدف إلى مساعدتهم على اختيار المساقات الأنسب لهم. وأعرب الخضير عن أمله في إطلاق عمليات الشركة في قطر بحلول نهاية العام الجاري إذا سارت جهود تطوير الموقع الالكتروني والتطبيق على ما يرام.
وأضاف «إننا نأمل بالتوسع إلى الدوحة كخطوة أولى، لأنها سوق صغيرة ولأننا نرغب أولاً في وضع الأسس التي ستقود سياستنا التوسعية. وسنقوم بذلك الأمر من خلال الجامعات والكليات والجهات الحكومية». وبالإضافة إلى ذلك، تتطلع الشركة للتوسع في كل من عمان ودبي. ويؤكد الخضير بأنه ينوي زيادة عدد موظفي الشركة إلى 140 بحلول منتصف العام المقبل. وبالإضافة إلى ذلك، ستعمل الشركة مع الحكومة السعودية لتأسيس مراكز تدريبية والتي يسميها «كيدزانيا البالغين» والتي تتماشى مع نظام الرعاية الاجتماعي المعمول به في المملكة المتحدة.
كما أكد رغبته برد الجميل للحكومة التي قدمت الكثير من الدعم لخططه. ويضيف «ما تزال خططي تتفاعل بشكل يومي ومستمر. ويؤكد «إنني أرغب بأن تكون الشركة الأولى في الشرق الأوسط؛ وأن تكون امبراطورية ترتكز على دور النساء في إيجاد التوازن في العمل والحياة. نريدها أن تكون شركة المليار دولار وإننا نؤمن بقدرتنا على تحقيق هذا الهدف. لدينا الآن قاعدة بيانات تضم بين 2 – 2.5 مليون سيدة. كما أننا لم نبدأ بعد بتحصيل أموال من قاعدة البيانات هذه، إلى جانب رغبة الشركات الشديدة بالوصول إلى البيانات الخاصة بالنساء.
لكن وعلى الرغم من التقديرات القوية لشركة «جلوورك»، يعتقد مؤسسها بأنه ما زال هناك الكثير من العمل، سواء على الصعيد الحكومي والعملي والاجتماعي إذا ارادت المملكة العربية السعودية الوصول إلى أهدافها المتمثلة في دمج النساء في سوق العمل. ويقول الخضير «يتوقف الأمر على المكان الذي تخرجت منه الفتيات، جامعة حكومية أو أهلية، حيث تكون الفتيات الخريجات من جامعات حكومية ذوات أفق أضيق».
ويضيف «إنهن يعشن حياة آبائهن وأمهاتهن. وتكمن المشكلة في المملكة العربية السعودية أن الرجال والنساء يعيشون حياة أهلهم».