الكاتبة الصحفية: فاطمة كمون - تونس - خاص بـ " وكالة أخبار المرأة "

كيف يمكن تحدي الموت بعد رحلة عذاب وهرولة سنين ؟.. جلست أتامل ماض في
دفتر رحلتي على ضفة الرحيل، أقيّم تجربة بتراء ظفرت جدائلها بالألم .. انظر في الأفق الى ماوراءه ،سمعت اهازيجا من الريح تقول لي بأنك لن تعتذر ولست بنادما، لا تعتذر فرحيلك اصغر شأنا من انتظار قطار الموت الحامل للأماني المبعثرة... لا تندم فالريح صنعت منك فقاعة فوق سجادة طائرة بلا الوان ...حملت في اقدامك تراب وطن سكنته كما سكنتك انا ..اشعلت الحنين في النفوس المهاجرة ،وصدعت بناية الأمل .. انتفض الوجع ولكنه خمد .. كان الحلم ثورة كاد الوقت ان يفتك به ويأكله صدى النسيان ،حلما لم يشرعن في قواميس النظم ولم يهدأ لهتافك ... لا احد يعرف من رسم خارطة الطرقات وخطط سكك حديد قطارات الرحيل؟ بل هو قطار واحد لم يعرف الصدأ او العطب او الملل من الترحال...كان حضورك يحمل الغياب وكنت تقرأ فاتحة الوداع في البدايات، و تخطط لمشاريع جديدة على صدري المتألم من الكدر ومن كل الأعاصير العاصفة في ذاتي وفي هذا الوطن النازف.....سمعتك مرةً تقول:" لن أموت ما دامت الدنيا تعزف الحانا وتنظم قصائد تمجيد وهجاء ....الآن حاول ان لا تغمض عينيك ولا تنام فربما رثاك العابرون على صخرة الإنتظار....أراك قد أعلنت افلاس القصائد وكل العيون نيام ....أية كلمات ترجى في غياهب اللغة التي عجزت ان توصل جروح الأوطان وانين الأسرى وفوضى الوجدان اية الحان تسمع وسط موج الدماء النازف الذي يسبح فيه المنتشين بنصر مزيف مبصوم بخيانة.....ابتعد ولا تترك اثرا ستكون وحيدا هناك لا تكذب اعلم ان الحزن يفوق احتمالك محت الرياح آثار خطاك من الطرقات حتى لا تستطيع العودة ....فلن اسافر على اثر خطاك ....لن يجدي توسلك اسمعك تقول تمهل ولا تمت الآن ...فهل يطلب جلاد زمن للفناء.. إن الحياة على الجسر ممكنة والمجاز فسيح المدى ...لم اعد احتمل المنفى.. اتعبني الإنتظار.....هكذا اجابك الصدى ....ارهقتك الوحدة خلو الطريق مؤلم وموحش... حرارة الألم تذيب الجليد من أعماق الحياة دفء يد امتدت لي اشعرتني بطمأنينة واستكانة ما اجمل مصافحة الموت فقلبك قد توقف و الراية البيضاء رفرفت على صهوة حصان التعب الوحيد في جوف ليل الوحشة البارد حان وقت الرحيل....فمن يكتب حكاية أرض الكلام والمعنى وبه خلود الروح في ذاكرة الحياة ...والآن بعد رحيل الكلام ..هل يمكن تدوين حروف الماضي مع عبء الغناء وكسر اللحن لتحمله حمائم العودة الحالمة بصرخة تعيد رسم الطريق .....
أكره التقوقع بين حروفي و ذكراك... أكره أن أبقى حبيسة نوتات الصمت هذه و أنا أعيد الكلمة مرة بعد مرة.."أحبك".. رغم الوجع رغم طلاء دم المعارك المسكوب من اوردتي احبك ..فلا مجيب إلا الصدى.. أكره أن أعيش هنا مع أشياءك التي تركتها بداخلي و أنا عاجزة عن إيجاد طريق الخروج منها.. لعلي بعد كل هذه الفترة من
البعد لم أستطع أن أحررك من أعماقي إلا..بالكلمات..الشوق لم يعد يحتمل متاعب الشكوى وقد اصابته التعاسة من تحميله وزر العذاب ...وحشة هذا المكان في هذا الزمن الواقف عن الدوران حادت عنه قاطرتي ،ولم اعد جزءا من حاضره ...ربما هو صمت الغياب الكئيب وضياع الأبجدية واغلاق بوابات القادمين ولملمة اشلاء الذكرى تعبث بي وتثيرني لأتخلص من الوهم العاهر في زمن حضارة دمار قيم خلفت في كل نفس حطام وركام ....لم يعد الفراق مخيفا في حضرة وجع اللقاء...ولكني ساكتب على اطلال المكان ..احبك للأبد مهما كان حجم الألم ...