الكاتبة الصحفية: مريم الناصري - تونس - خاص بـ وكالة أخبار المرأة

يروق لي المكان حين ينقلب مزاجي من اللاشيء أو من كل شيء ...أرتاده أحيانا...لا يختلف هو عن باقي أروقة المدنية ومقاهيها...ضجيجها معتاد...عطر المدينة فيها نفسه لم يتغير...فقط تلك الوجوه قد تبدو مختلفة قليلا...
دخان السجائر يرسم وجوها بدت لي غريبة... يتحدثون عن حشاشين وصلوا إلى قصور الملوك...وعن حكام سرقوا شعوبا...وعن ثورة لازالت حلما... في وجوههم مآسي زمن مرّ وبقيت خطوط خيباته ترسم اليأس على ملامحهم...يتحدثون عن أصوات كتمت بجرة أقلام...
تتصفح وجوه البعض الآخر ...ذئاب بشرية تتربص ببريئات .. وبريئات لم يعدن بريئات. ..
هناك من يشرب فنجان عشق، ومن يشرب فنجان حزن، ومن يشرب فنجان غربة ...وحده فنجاني أنا يحمل كلّ تلك التعابير...
ذات مساء خجول ...كنت أصفف جدائل الأيام الحالكة ...أنتظر فنجانا يتبختر في ألم شديد يمتص زفرات تلك الوجوه...يكتوي كل أمسية ليهديني لذّة أنسى أن أشكره عليها...,اكتفي بتقبيله كلما ارتشفت مرارة ما فيه...
رائحة القهوة وسراب خفيف...في ذات المساء تلوح لي أنت من خلف ذلك الدخان وجه غريب أعرفه...في نفس الرّكن حين جلست في غير ذات الزمان...لمحتك على غرّ صدفة...جليسان نحن نتقاسم تفاصيل المكان ورائحة القهوة...لمحتك العين وما شاءت المواراة عن وجهك ...تسمرت تصافح ملامحك...
أسندت ظهري على المقعد حتى أعدّل الفكرة أكثر في رأسي...أو ربّما لأستوعب تلك الدغدغة الصغيرة في قلبي...تنبئني هي بميلاد يوم جديد...
ارتجفت يدي نحو فنجان القهوة خوفا من انتهاء قطراته... فتنتهي معه قصائدي ولقائي بك...أرتشفه على مهل .... قهوتي شكل من أشكال الإدمان ..جعلتني أنت أدمنها أكثر ...وأدمن المكان... هناك في مقهى المدينة حيث جلست انت ذات يوم...
تغيّر حينها الوقت وصار يمرّ كبضع لحظات...صار جنونا يصاحب كلمات كالأثير السائر دون قائد يدله...وصرت معه أنت مسائي ...لا أدري الاسم ومن أين أتيت وكيف مشيت وكيف صرت سكر قهوتي كل أمسية....
أبحث بين السطور وخلف السطور ...عن معنى وقصص وأحاديث جديدة بعيدة عن الضوضاء والخوف...الأيام تلوى الأخرى ...أهرب من اللاشيء إلى حيث لا أدري....فأجد نفسي في ذات المكان أتفقد وجهك بين دخان السجائر...
حين يحادثني الرفاق تضيع عني أغلب معاني كلماتهم...ولا يأسر الروح في ذلك الوقت سوى الانتظار...انتظار ساعة الوصول...أشتاقك ملء مساحة المكان ...تزعجني أحيانا نفسي التي تحدثني بك...وتشتتني أسألتها التي لا تنتهي وقت الانتظار.... بين الجفون يمرّ الوقت...يطول الانتظار يوميا...يتعالى ضجيج المقهى لكن صوت خفقان قلبي أقوى...وتدق ساعة حضورك إلى نفس الركن...كم يتصاغر حينها حجم كل شيء ويتضاءل عُمقه.... يبتسم ثغري عندما ألمحك تتأمل الفضاء...تختار مكانك المعتاد... ترتشف قهوتك في صمت ولا تجالس سوى فنجانك...وكم حسدته حين يلامس شفتين لم تنطق بأيّ كلمة وأي ترنيمة...فقط عينان تلاحقني أنستني عنواني، تغازلني عن بعد على طرف الطريق...وبقيت تأسف لصمتي كطفل حزين...وامتلأت أنا بك كفراشة نامت داخل قطرة ندى...
يا حلو الطرف...بعينين سوداوين مقمرتين تأسرني ....وبثغر وردي مبسم.... أستميحك عذرا لأنني فتاة أخرست كلماتها المبثوثة في خاصرةِ العبارة... .