الكاتب الصحفي: نهاد الحديثي - العراق - خاص بـ " وكالة أخبار المرأة "

نكاد قد نكون ، نسينا الحب العذري لأبن الملوح ، وعنترة العبسي ، ونكاد قد نسينا ايضا الحب الأفلاطـــــونـي، وظاعت قيمنا ومبادئنا والكثير من اخلاقياتنا في مفاهيم الحب، واصبح شبابنا ينظر لحب الجسد والشهوة الجنسية اكثر من حبه للروح الانسانية، وانا شخصيا افهم ان الحب إما إنكار الذات من أجل من نحب أو تحقيق الذات فيمن نحب و لقد قال أحد الفلاسفة : العشق امتزاج الروح بالروح كالماء إذا امتزج بالماء امتنع تخليص بعضه من بعضه . و لقد كتب كثيراً عن الحب، وفي الثقافة العربية و الغربية و اجتمعوا على أن من وقع في الحب واظب على المليح و اجتنب القبيح،و فنرى كثيرأ من الدارسين ربطوا الحب العربي العذري بالحب اليوناني الأفلاطوني كما فعل ابن داود في كتابه (الزهرة) و ابن حزم في كتابه (طوق الحمامة)، الحب العذري غاية ، لحب المعشوق والتغني فيه والتضحية من اجله ، والحبيب هنا يعشق روح وجمال حبيبته ، ويرى المحب نفسه ممزق بين الانجذاب المادي للجسد الانثوي والتعلق الروحي للحبيبةوتمسكه بالعفة والطهارة خوفا من السقوط بالأثم وفضل الحرمان على اللذة ، عموما فإن الحب في تاريخه الانساني أثار جدلاً فلسفياً حول ماهيته فتناوله علم النفس، وعلم الاجتماع وغيرهما من العلوم، وكان أول من تعرض لنشأة الحب العذري هو المستشرق لوي / وقد اشار الى مقتبس من الحب الافلاطوني عند اليونان ، والحب الأفلاطوني هو الحب الذي لا يوجد به أي ممارسات جنسية و هو حب خالي تماما من الشهوة مثال هذا الحب الصداقة التى قد تقوم بين الجنسين الحب الأفلاطوني أو الحب العذري هو أسمى وأنبل ألوان الحب .. انه حب بلا حدود .. بلا مقابل .. بلا رؤيا .. بلا تعاطف ... انه انصهار روح تحترق على الورق، ويرى توفيق الحكيم يرى ان العاشق العذري لا يحب في الحقيقة شخص حبيبته بقدر مايحب عشقه هو لها، لذلك يفضل احيانا قربها على بعدها، ويرحب بالعوائق التي تحول بينه وبين الزواج منها!! ويقول العقاد (عجبي لهذا الوقت كيف اختلف مفهوم الحب هذه الايام اصبح اشباعا للرغبات اكثر من الحب نفسه، أروع ما قال جبران خليل جبران في الحب : نحبهم لكن لا نقترب منهم فهم في البعد أحلى وهم في البعد أرقى وهم في البعد أغلى واقرأوا ماذا قال الراحل نزار القباني عن حبيبته بلقيس الراوي قصتنا ككل قصص الحب في المدن العربية جوبهت ب(لا) كبيرة جداَ.. كان الاعتراض الأقوى على تاريخي الشعري، وكانت مجموعاتي الغزلية وثائق أشهرها أهل بلقيس ضدي.. والقبائل العربية كما نعرف لاتزوج بناتها من اي شاعر تغزل بإحدى نساء القبيلة، ولما يئست من إقناع شيخ القبيلة بعدالة قضيتي.. ركبت الطائرة وسافرت إلى أسبانيا لأعمل دبلوماسياَ فيها لمدة ثلاث سنوات، وخلال هذه السنوات الطويلة كنت أكتب لبلقيس، وكانت تكتب لي.. رغم أن بريد القبيلة كان مراقباَ. وظل وضع نزار على هذا الحال حتى جاء عام 1969م، فيقول نزار ((في هذا العام ذهبت إلى بغداد بدعوة رسمية للاشتراك في مهرجان المربد.. وهناك القيت قصيدة من أجمل قصائدي كانت (بلقيس الراوي) بطلتها الرئيسية : مرحباَ ياعراق، جئت اغنيك وبعض من الغناء بكاء أكل الحزن من حشاشة قلبي والبقايا تقاسمتها النساء وعاد وهو يحمل نخلة عراقية ومع بلقيس شعر نزار أنه يعيش في حضن أمه، فقد ادركت بلقيس أن نزار مثل كثير من الرجال يحتاج إلى إمراة تكون في المقام الاول (أما) ثم بعد ذلك زوجة فظلت تعامله كطفل وتعوضه عن بعده عن امه فقد كان كثير التنقل ولذا نجد نزار يكتب لها قصيدة بمناسبة مرور عشر سنوات على زواجهما يقول فيها : أشهد أن لا امراة اتقنت اللعبة إلا انت واحتملت حماقتي عشرة اعوام كما احتملت وقلمت أظافري ورتبت دفاتري وادخلتني روضة الاطفال إلا انت أشهد ان لا امراة تعاملت معي كطفل عمره شهران إلا انت وقدمت لي لبن العصفور والأزهار والألعاب إلاانت أشهد ان لا امراة قد جعلت طفولتي تمتد خمسين عاماَ إلا انت كان عمر نزار قباني عند كتابة هذه القصيدة (ست وخمسون عاما) وقد ظل نزار يعيش كطفل له (والدتين) فائزة.. وبلقيس.. حتى كانت اول أكبر صدمة في حياته حين توفت والدته عام 1976م، وقد اهتز وجدان الشاعر، فقد وصل ارتباطه بها إلى أقصى درجاته، فهي التي كتب لها قصيدة ((خمس رسائل إلى امي عندما كان يسافر بسبب عمله في الحقل الدبلوماسي، وكان يصف حاله بدونها: لم أعثر على امرأة تمشط شعري الأشقر وتحمل في حقيبتها إليّ عرائس السكر وتكسوني إذا أعرى وتنشلني إذا أعثر ايا أمي أنا الولد الذي أبحر ولا زالت بخاطره تعيش عروسة السكر فكيف...فكيف... يا أمي غدوت اباَ... ولم أكبر ,ولم تمر سوى أعوام قليلة وتحديداَ في 15 كاون الاول 1981 حتى يصدم نزار صدمته الثانية، وكانت في وفاة زوجته بلقيس وأمه الثانية بلقيس الراوي، ماتت التي كانت تمثل له الكثير في حادث مأساوي تحت أنقاض السفارة العراقية في بيروت على إثر إنفجار هائل بالقنابل وقع بها ويصف نزار قباني هذه اللحظة قائلا (كنت في مكتبي بشارع الحمراء حين سمعت صوت انفجار زلزلني من الوريد إلى الوريد ولا أدري كيف نطقت ساعتها : ياساتر يارب، بعدها جاء من ينعي إلي الخبر.. السفارة العراقية نسفوها.. قلت بتلقائية شظايا الكلمات بلقيس راحت.. مازالت داخل جسدي.. أحسست أن بلقيس سوف تحتجب عن الحياة إلى الابد، وتتركني في بيروت ومن حولي بقاياها، كانت بلقيس واحة حياتي وملاذي وهويتي وأقلامي. ويطلق الشاعر صرخة حزن مدوية، في قصيدة تعد من اطول القصائد المرثية التي نظمها نزار قباني، وهي قصيدة بلقيس : شُكْرَاً لَكُمْ شُكْرَاً لَكُمْ فحبيبتي قُتِلَتْ وصارَ بوسْعِكُم أن تشربوا كأساً على قبرِ الشهيدة وقصيدتي اغتيلت ... وهَلْ من أُمَّةٍ في الأرضِ .. إلاَّ نحنُ - تغتالُ القصيدة ؟ بلقيسُ ... كانتْ أجملَ المَلِكَاتِ في تاريخ باِِبلْ بلقيسُ .. كانت أطولَ النَخْلاتِ في أرض العراقْ كانتْ إذا تمشي .. ترافقُها طواويسٌ .. وتتبعُها أيائِلْ .. بلقيسُ .. يا وَجَعِي .. ويا وَجَعَ القصيدةِ حين تلمَسُهَا الأناملْ هل يا تُرى .. من بعد شَعْرِكِ سوفَ ترتفعُ السنابلْ ؟ يا نَيْنَوَى الخضراء .. يا غجريَّتي الشقراء .. يا أمواجَ دجلةَ . . تلبسُ في الربيعِ بساقِهِا أحلى الخلاخِلْ .. قتلوكِ يا بلقيسُ .. أيَّةُ أُمَّةٍ عربيةٍ .. تلكَ التي تغتالُ أصواتَ البلابِلْ ؟ أين السَّمَوْأَلُ ؟ والمُهَلْهَلُ ؟ والغطاريفُ الأوائِلْ ؟ فقبائلٌ أَكَلَتْ قبائلْ .. وثعالبٌ قتلتْ ثعالبْ ... وعناكبٌ قتلتْ عناكبْ .. قَسَمَاً بعينيكِ اللتينِ إليهما ... تأوي ملايينُ الكواكبْ .. سأقُولُ ، يا قَمَرِي ، عن العَرَبِ العجائبْ فهل البطولةُ كِذْبَةٌ عربيةٌ ؟ أم مثلنا التاريخُ كاذبْ ؟. رثى نزار القباني بلقيس وكانه يروي احزان والآم وماسي العراق منذ الازل وليومنا هذا..ترى كم عراقية وكم عراقي ذبح بعدك يا بلقيس؟ وكم من الدماء سالت على ارضك يا عراق؟