الكاتبة الصحفية: الثريا رمضان - تونس - خاص بـ " وكالة أخبار المرأة "

وأنت تمرّ على زقاق عاشت فيه جدّتك عقودا من الزمن، قد تبدو هادئا، مستسلما لاستمرارية الحياة. وقد يستوقفك ظلّك الذي كبر معك على جدار بيت الجارة. تحيّي الظل، تبتسم للجدار، والباب، خشبيّ، مازالت الخوخة فيه تدق على قلب حبيبة، طفلة الجيران ككلّ عصر.
يخرج من بيت الماضي شبح الجدة، تتقن نظرتها للأطفال في الزقاق، فيتجمّدون والكرة، حتى تمرّ بسلام موزّعة ابتساماتها الحنونة عليهم. تشقّ طريقها في هدوء نحو منزل الجارة، ثمّ تتوقّف عندك. تلتصق أنت بثوبها، لعلّها تأخذك معها لحبيبة. تمسك يدك، تفتحها وترمي فيها قطعة نقود "دعك من حبيبة واشتر لك قطعة حلوى حقيقية".
يختفي الشبح، يخرج ظلّ حبيبة من آخر الزقاق، ترمي لك ابتسامة على استحياء، وتمرّ. تمشي وراءها مهووسا، تمرّ سعاد وسلوى ومنيرة وأميمة، وباقي بنات الجارات فيستوقفك الخصر النحيل، والصدر الناهد، والشعر المتمايل مع الريح. غير أنّك تستعيد ذاكرة حبيبة وهي تُشيح بوجهها عنك من بعيد حانقة، فتهرول لاسترداد قلبك. تغمض عينيْك الشقيّتين، وتستمر في تلمّس المسافة بينك وبينها. تخرجان من الحيّ، تلتقيها عند آخر شجرة زيتون، تحاول التلصّص على ثغرها، قد تسرق لثمة. تمدّ يدك نحو يدها، فتحسّ الرعشة تكاد تقتلها. تستعيد يدها لترحل كعادتها كل يوم، ويرحل الطيف تاركا رأسك تحترق بذكريات المكان، وقلبك تنهشهُ قُبلة لم تجفّ بعد.
مازال سور بيت الجيران يخفي رائحة حبيبة، ومازلتَ تكتب اسميكما عليه بالطبشور. مازال حرفُها منحوتا على غصن شجرة الزيتون أين احتضنت قلبها لأوّل مرّة، لاعبت شعرها، ورسمت على عُمرها وعداً.