الكاتبة الصحفية: مروى ذياب - تونس - خاص بـ " وكالة أخبار المرأة "

عندما تلوج بخاطري كلمة "حرية"، أتذكر أنها تعني الخطيئة في مجتمعي، وكل حر ملعون في الديانات، وكل حر مرفوض في عائلته، واتذكر أيضا أن حريتي تنتهي عندما تبدأ حرية غيري، حرية ماذا؟ بالنسبة للعالم فللحرية مفهوم أبله. أما بالنسبة لي فلا حياة بلا حرية ولا روح ولا كرامة ولا أمل ولا قوة ولا عطف ولا رأي ولا تعبير ولا ثورة .. بعيدا عن نفس الحرية، وكما يقول الشاعر التونسي أبو القاسم الشابي"خلقت طليقا كطيف النسيم وحرا كنور الضحى  في سماه".
والحرية مفهوم تختلف معانيه باختلاف الزمان والمكان، فحرية الأمس ليست حرية اليوم، والحرية في بريطانيا ليست هي ذاتها الحرية في الباكستان، كما أن الحرية لدى المرأة في تونس مثلا تختلف لحريتها في السعودية.. لا يمكن أن نجزم مفهوما مثاليا للحرية، ما يمكن فعلا أن نعرفه هو أن الحرية تعني ممارسة كل شيء بلا قيود في التفكير في النشاط في التعبير في الإيمان في كل شيء، عدا ذلك ليس بـ"حرية".
و"حريتي" .. هي سبب حياتي، لا أحد يستطيع أن يسلبني إياها طالما هي ملكي أنا، فهي تفرز السعادة في داخلي وتشعرني بوجودي كفراشة طليقة لا شيء يقيد أجنحتها لتحلق نحو المعلوم والمجهول، لترسم عنوانا لها في هذه الحياة وتترك بصمة في السماء.
و"حريتي" تحفظ كرامتي، وتوثق مواقفي وآرائي، وكوني امرأة فلا شيء غير الحرية يمكنني من النجاة من عالم ذكوري يقمع الأنثى ويقلص حجم قدراتها، فهي تكسبني أنا وجميع النساء في هذا العالم الثقة في أن أتعلم وأتوسد المعرفة وأمارس المهنة التي أريد وأبحث عن الشريك الذي أريد وانتخب من أريد وألبس ما أراه مناسبا وأقود السيارة وأحب ما أريد وأذهب حيث أريد وأعيش كما يحلو لي، ولست مطالبة بتبريرات لتصرفاتي طالما لم أحدث ضررا بالآخرين.
وفي الصحافة نتعلم الحرية ولكن يقيدنا الحياد، فليست الحرية الصحفية أن نشتم الآخرين وننتقدهم ببطش، إنما الحرية في الإعلام المكتوب كان أو المسموع أو التلفزيوني هي أخلاقيات مهنية بأن تنقل المعلومة صحيحة وأن تبدي رأيك باحترام، وبذلك تكون الحرية في الإعلام شرفا لكل صحفي في هذا العالم.
كما لا يمكن فصل "السلام" عن الحرية، فالشعوب المحتلة تطوق لمعانقة الحرية بعيدا عن ضغوطات المحتل أو المستعمر، بعيدا عن دمار الحرب، بعيدا عن صور سفك الدماء وبكاء الأطفال ورثاء الأمهات ووجع الوطن، والقضية الفلسطينية خير مثال على ذلك.
زد على ذلك ما نعيشه اليوم، من قتل وذبح وفتنة وخوف يحدثه تنظيم "داعش" في سوريا والعراق وتونس وليبيا ومصر أو في دول غربية أيضا، فلا يمكن اعتبار ما يفعلونه حرية طالما هم ينتهكون حقوق سكان العالم في العيش بسلام.
أجدد قولي "لا يمكن فصل السلام عن الحرية"، في زمن أصبح فيه هذا التنظيم خطرا عليها، عندما يقتل من يشاء بحجة الدين، عندما يرجم النساء بحجة الدين، عندما يحرق الأبطال بحجة الدين، وعندما يذبح الشرفاء بحجة الدين ويلجم رواد القلم والمعرفة والنخب بحجة الدين، على غرار اغتيال السياسيين "شكري بلعيد" و"محمد البراهمي" التونسيين مثالا، ويخطف أبناء "صاحبة الجلالة والسلطة الرابعة" الصحافة بحجة الدين، كسفيان الشورابي ونذير القطاري الصحفيين المختطفين في ليبيا منذ أكثر من سبعة أشهر وقد أعلن نبأ اغتيالهما في ظل تضارب الآراء، وهنا تتعدد الأمثلة لانتهاكات "داعش" التي تقتل الحرية يوما بعد الآخر.
ومذ بدء الثورات العربية انطلاقا من ثورة الياسمين التونسية، يرى الأغلبية أن الحرية مفهوم يرتبط بالتخلص من قمع الأنظمة الفاسدة لا غير، خاصة وأن حرية الرأي وتحديد المصير الشعبي ساهمت في الإطاحة بالفساد وتمزيق أغلاله وقوانينه الجائرة، إلا أن معناها يتجاوز تقييده في إطار محدد.
إذ أن الحرية لا نطلبها ولا نتسولها من أحد، هي فكرة تولد في الوسط الأسري لتتوسع إلى وعي في الوسط المجتمعي وتتطور للانهاية، فالوعي والحرية مندمجان، وتصبح بذلك مسؤولية ونشاطا يوميا واعيا يمارسه الإنسان.
 وحتى الله وهبنا الحياة والحرية أيضا، ففي كل الأديان، التي يحاول المفسرون والمجتهدون تضييق الخناق من خلالها على الإنسان، نجد فيها عكس ما نسمع، على غرار قول سيدنا عمر بن الخطاب "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا"، وكل ما انزل يعطي حق الإنسان في اعتباره حرا وفي ممارسته لحريته.
ويقال "ليست الحرية سوى فرصة ليكون المرء أفضل"، فإن لم تكن حرا لن تقرر ماذا تريد أن تكون، وكيف ترغب أن تعيش، ولن تعرف غايتك من هذه الحياة، ولن تتخذ موقفا من شيء ما، ولن تفكر ولن تكون مسؤولا عن نفسك ولن تعرف حتى ماذا تحب وماذا تكره وماذا عليك أن تفعل في عتمة الطريق وفي عجف الحياة التي تتطلب الإرادة والاختيار وتحديد ما لك وما عليك لتعيش فيها، ولن تكون شجاعا بما يكفي لتكمل العيش على هذه الأرض كفرد معترف به ضمن هذا العالم الذي من حولك.
الحرية قدر كل إنسان في العالم، فقيرا كان أو غنيا معروفا أو عاديا عاطلا عن العمل أو يشتغل قويا كان أو ضعيفا صغيرا أو كبيرا، وشرف له يكتسبه في حياته، فإن ذهبت حريته ذهبت حياته وكل حقوقه وجرد من إنسانيته.