الكاتبة الصحفية: الثريا رمضان - تونس - خاص بـ " وكالة أخبار المرأة "

لبس كلّ من مروان الصلعاوي ووليد الزين، وهما ممثّلان شابان متخرّجان من المعهد العالي للفن المسرحي، ثيابا سوداء بسيطة، وكان كلّ ما يوجد فوق ركح فضاء المسرح الرابع بتونس العاصمة، يوم الأحد 19 أفريل/نيسان، طاولة عريضة، ليتحرّكا حولها ويسردا على المشاهد/الطفل حكاية النملة التي قرّرت إنقاذ ابنها في محنته. لا ألوان تملأ الركح ولا ديكورات معقّدة، بل ببساطة، استخدم الممثّلان أدوات المطبخ، كأنّما أرادا تذكيرنا بأنّ المطبخ هو أوّل مكان يحبّ الطفل اللعب فيه لوجود أمّه المتواصل بداخله.
فاخر خالد في الإضاءة، وعثمان حدّاد في الصوت، لعبا دورا هاما في تكوين المشهد المسرحيّ، من خلال تتبّع حركات الأشياء والممثّلين مراوحة بين النور والعتمة للتشويق، ومن خلال تسارع الإيقاع الموسيقي كلّما تسارعت الأحداث أو أخذت منحنى جديدا.
إنّه مسرح الأشياء، جنسٌ مسرحيّ حديث ظهر سنة 1970 في فرنسا، ويعتمد على الأشياء الجامدة التي نتعامل معها في حياتنا العاديّة، والتي لا نعيرها من الأهميّة إلاّ في حدود حاجتنا إليها. فصارت الملاعق الخشبية في يد الممثليْن نملا، وصارت شخوصا تتخاطب وطنجرة الأكل وإناء الحليب والبئر والسّحب...
تبدأ المسرحية، التي أنتجتها شركة ميتوس للإنتاج الفنّي، بحوار طريف بين وليد ومروان الممثلان اللذان يستعدّان للعرض، ويتجادلان من منهما سيسرد القصّة، وبعد أخذ وردّ ومحاولات التعريج على حكايات أخرى، يدخلان بالمشاهد/الطفل إلى مطبخ ملكيّ، حيث نمّول الشّرِهُ وحكاية سقوطه في بُرمة (طنجرة) الأكل الذي يغلي على النار، ومن هنا تبدأ المغامرة مع أمّ نمول في رحلتها لإنقاذ ابنها بمفردها، بعد أن تخلّت عنها باقي النملات. جسّد الممثّلان مظاهرة صاخبة للنمل في مواجهة الطنجرة، "فري نمّول" كانت شعارا حمله المتظاهرون، ولحظة وصولهم قرب الطنجرة هربوا تاركين الأم تواجه مِحنتها بمفردها. لكنّها لم تيأس، وكانت "رحلة الأم ومعاناتها للوصول إلى هدفها رحلة تعليمية" كما قال وليد في حديث للوكالة، مُردفا "السفر التعليمي يربّي الخيال لدى الطفل".
نصّ المسرحية الذي كتبه وليد الزين، اعتمد، كما يقول مروان الصلعاوي على مبدأ الشرطيّة، إذ ارتبطت كل مرحلة من مراحل الرحلة بشرط معيّن، فالطنجرة اشترطت لتحرير نمّول إحضار ملعقة خشبية من إناء الحليب، واشترط إناء الحليب بعض الحليب من البقرة، واشترطت البقرة عشبا لدرّ حليبها، واشترطت البئر مطرا لسقيا المراعي الخضراء، فكانت لعبة البناء والهدم وإعادة البناء مع الطفل من خلال تسلسل الأحداث. كما اعتمد على مبدأ الإحيائية من خلال الصراع بين الحياة والموت، وهو ما برز منذ المشاهد الأولى في بداية العرض وخلال بحث الممثّلين عن الحكاية التي عليهما سردُها، صوّرا حطّابا يتصارع مع الذئب فكان يحيا ويموت ثمّ يعود ليحيا، ثمّ ظهر ذلك مع نمّول الذي كان معرّضا لخطر الموت حتى آخر لحظة من المسرحية وصراع أمّه لاسترداده من الطنجرة حيّا.
طرحت المسرحية التي اشترك الممثّلان في إخراجها، مجموعة من القيم الإنسانية الواضحة بشكل مبسّط لتصل إلى الطفل بسلاسة وتتجذّر في داخله كما قال وليد، فمسرح الطفل يهدف إلى ذلك بالأساس لتبرز هذه القيم بمفاهيمها الصحيحة في حياته خلال مرحلة نضجه وبعدها. هنالك قيم التضامن والتآزر والحبّ الذي ظهر جليّا في تلاحم سحّوب وسحّوبة بعد فترة من الخصام والفراق، أدّت إلى الجفاف وانعدام العشب في المراعي وجوع الأبقار. تلاحمهما هو الذي أنتج الأمطار بغزارة جسّدها الممثّلان بكميات ماء كبيرة رشّا بها الركح والمشاهدين أنفسهم، وفي ذلك تأكيد على أن الحب هو أساس الحياة/الماء.
أسلوب الرمزية كان واضحا في العديد من المشاهد، إذ تعاملت الطنجرة مع نمول بشكل متكبّر يوحي بمفهوم الطبقية، حين قالت له "اذهب وكلْ فتات الخبز، لا مكان لك هنا"، كما يبرز مفهوم النظام من خلال إشارة المرور الحمراء التي استوقفت نمول في طريقه نحو الطنجرة، وأيضا مفهوم الحريّة الذي ظهر مع معشر النمل في مظاهرتهم ضدّ الطنجرة ومطالبتهم لها بتحرير نمّول، رغم أنّهم تركوا الأمّ في اللحظة الحاسمة تواجه مأساتها وحيدة، وهي صورة عن واقع سياسي مُعاش، لن يفهمه الأطفال في صورته الواقعية، بل في تعاملاتهم مع محيطهم الخارجي من أصدقاء وعائلة.
"فري نمّول" محاولة  لتحريك خيال الطفل من جهة، من خلال جعله يتفاعل مع الأحداث ويحاول تخمين الخطوة التي ستلي في كلّ مرحلة، ولفتح باب الحوار بين الطفل ووالديه على إثر العرض من جهة أخرى، فالمفاهيم المطروحة تمسّ الصغار والكبار، ولكن كلّ يستقبلها بطريقته وحسب مدى تفكيره وتجربته.
عُرضت المسرحية في العديد من الجهات التونسية قبل وصولها إلى العاصمة، وفي ذلك تشجيع للاّمركزية الثقافية لفتح آفاق ثقافية أكبر في الجهات، كما يتواصل عرضها في العديد من الفضاءات داخل وخارج حدود الجمهوريّة التونسية.