أروى الباشا - عمان - " وكالة أخبار المرأة "

«دراما الأرامل والعوانس تجتاح الموسم الدرامي السوري»… عنوان مُخيّب لدراما مُخيّبة مُقبلة تضع المرأة موضع شفقة وترتكز في جلّ قصصها على تحجيمها وحصر مشاكلها في الطلاق والزواج والعنوسة، وتتجاهل نساءً عظيمات كان لهنّ دور فاعل سواء في الماضي البعيد، أو في الأحداث الحاليّة التي تشهدها المنطقة العربيّة عموماً وسوريا عموماً.
هذه الدراما التي طفت على السّطح، أغرقت الشاشات بمواضيع ومسلسلات تعتمد على المرأة كمادة للعرض والفُرجة، ولأنّ المضمون كان مُفرغاً من محتواه كان لا بدّ لها أن تعتمد بالدرجة الأولى وبشكل مقصود على «طول الممثلة وأنفها وشفاهها وحركاتها وغمزتها»، وكل ما يُمكن أن يثير المُشاهد ويُبهر بصره وبصيرته، وفيما حاولت تلك الأعمال تقديم النّموذج المتحرر للمرأة فإنّها فشلت، وكانت أقرب إلى الفجاجة في الطرح والابتذال في التقديم.
ويشهد الموسم الدرامي السوري المُقبل عدداً غير قليل من الأعمال التي تمّ تخصيصها للأغراض السّالفة الذّكر، ومن أبرز تلك المسلسلات «فارس وخمس عوانس»، الذي يُبرّر الطّرح النّسائي السّطحي على ما يبدو بالإطار الكوميدي، ربّما ليبرّر ما سيعرضه على المشاهدين من حكايا ولقطات بعيدة عن هموم المرأة الحقيقية وواقعها المر داخل وخارج سوريا، ويحكي قصّة ثلاث شقيقات من الطّبقة الراقية وصلن إلى مرحلة «العنوسة»، ربّما الاستناد أيضاً على كونهن من الطّبقات المخمليّة ليعلّل ما سيظهر على الشّاشات من استعراض وبذخ في الأزياء التي تُبرز المفاتن على وجه التّأكيد..
أمّا الجزء الثاني من مسلسل «طوق البنات» الذي سيكون من إخراج المخرج إياد نحّاس، فقد ارتأى صُنّاعه تغيير اسمه إلى اسم أكثر جذباً في عالم التّسويق والشّراء، فتمّ اختيار اسم «كيد النساء» كعنوان للعمل، ليكون «المكتوب واضح من عنوانه» كما يقول المثل الشّعبي، إذاً نحن على موعد مع مسلسل بيئة شاميّة ولكن من نوع آخر، تُسند البطولة فيه لنسائه الثّرثارات، والغلبة طبعاً لمن تحيك المؤامرات أكثر ولمن تعمد النّميمة كمكوّن أساسي في حواراتها الدراميّة!
ويبدو أنّ المد النّسائي التّسطيحي سيبقى قائماً في المواسم الدراميّة المقبلة، حيث تعاقدت شركة «ميسلون» للإنتاج في سوريا، مع الكاتب السوري شادي كيوان لتأليف مسلسل شامي جديد، يحمل عنواناً مبدئياً «حارة الأرامل» يجري تحضيره لموسم دراما 2016، وفي ذات السياق، كان من المفترض في العام 2013 الانطلاق بتصوير مشروع درامي تحت عنوان «مطلّقات ولكن» إلا أنّ المشروع تأجّل أكثر من مرّة، ليندثر الحديث عنه أخيراً.
والوضع في مصر بالنّسبة لتناول الشخصيات النّسائيّة ليس بأفضل حالاً من الجارة سوريا، حيث سيشاهد الجمهور العربي «المطلّقات» على الشاشات في موسم 2015، في مسلسل مصري خصّص لهنّ وحمل اسمهن، وسيكون العمل من إخراج محمد الرّشيدي، وبالتّاكيد ستدور أحداثه في إطار كوميدي، فهل يضحك المُشاهد من خفّة دم الممثّلات المشكوك بأمرها؟، أم يضحك الوسط الفني على نفسه وعلى المستوى الذي وصلت إليه الدراما؟، أم تبكي المطلّقات على أنفسهنّ وواقعهن المر، الذي تزيد الدراما مراراته!
وأيضاً تتوالى المسلسلات على منوال مسلسل «أريد رجلاً» إخراج بتول عرفة، ومسلسل «وجع البنات»، وكلّها تدور في الإطار ذاته، ولا تقف القصّة عند الدراما فقط، وإنّما تمتد للسينما وأكبر مثال على ذلك فيلم «زنقة الستات» الذي يُصنّفه صُنّاعه على أساس أنّه فيلم لايت كوميدي، وتصنّفه الرّقابة حسبما يدور بالكواليس بفيلم «للكبار فقط».
الكاتبة السورية بثينة عوض التي كانت لها تجربة في الدراما النسائية من خلال مسلسلها «نساء من هذا الزمن» الذي حصدت حلقاته على يوتيوب 180الف مشاهدة وسيل من الشتائم بعد أسبوع واحد من عرضه فقط، تقول في تصريحات خاصة لـ «القدس العربي»، إنّ «هذا النمط من الأعمال أسّس لمرحلة جديدة في الدراما النسائية، وخاضَ في الدروب البحثيّة الازدواجيّة المفاهيميّة التي تلف المجتمعات العربيّة وتؤدّي إلى توزيع القيم الأخلاقية وفق جنس الفرد وطبقته، أمّا لماذا توجّهت نحو هذا النوع من الدراما فرغبةً في كشف المسكوت عنه، والمحظور مثل مفاهيم العذرية، والبغاء والزواج التقليدي والحب والأبوّة والأمومة، ومفاهيم الذّكورة والرجولة والأنوثة، وفي مشاكل النساء والرجال الجنسيّة».
وترفض الكاتبة والصحافية السوريّة التسميات التمييزيّة الدّارجة للأعمال النسائيّة، كاختيار اسماء من قبيل «أرملة أوعانس» كعناوين للمسلسلات، وتضيف «أنا ضد أي طرح غير جاد يخص قضايا المرأة، أما إذا كان العكس فلمَ لا نحن بحاجة آلاف المسلسلات لرصد ما تعانيه المرأة في المجتمعات الشرقية، فنحن بلدان جرائم الشرف والتّحرش وسِفاح القربى، والزواج القسري والتعنيف الجنسي واللفظي».
وعن رأيها في سبب التّوجّه الكبير نحو الأعمال النسائيّة في الآونة الاخيرة تقول «أعتقد أنّ الأمر يتعلّق بكم القيود التي تُكبّل حياة المرأة ككل منذ ولادتها وحتى نهاية أيامها في مجتمع شرقي جعل من مناحي حياتها مادة دسمة للكتابة، لما تحمله في طياتها من ازمات ومفارقات، ولكن يتوجّب علينا التفريق بين مادة وآخرى إذ اعتقد ان معظم المسلسلات التي طرحت قضايا أنثوية اعتمدت التّسطيح وهذا اساء للمرأة بالدرجة الأولى كون التسويق عبر اللباس والمواضيع السّخيفة كان المعيار الأوّل».
«إن لم يُقدّم العمل الاجتماعي عموماً والنسائي خصوصاً تحت ما يُدرج بالنمط الجريء فلن يكون له مكان في الساحة الفنية».. تُعلّق الكاتبة السورية علـى هـذا بقـولها إنّ «أي عمل لا يتخطى محظورات الدين والجنس لا يمكن أن يقدّم نِتاج فكري سليم، وأنا أتحدّث هنا عن جرأة درامية تنتمي للواقع وتغوص إلى عمقه وتكسر الجدران العالية للتابوهات المُعتادة ، وتفضح الفساد والممارسات السلبيّة في المجتمع، بخلاف جرأة تغرق في الابتذال وتمضي بعيداً عن واقع مجتمعها، وأنا شخصياً أعتقد أنّ الجمهور يميل للأولى إذ لم يعد من الممكن تقديم عمل خجول يختبئ خلف نفسه».
على مدى السنوات الفائتة التي قُدّمت فيها أعمال البيئة الشاميّة بغزارة، كان السّائد فيها تقديم نموذج واحد للمرأة الدّمشقيّة بغزارة أكبر .. هذا النموذج الذي قدّم طرحاً يبدأ من الملاءة السّوداء وينتهي فيها أيضاً، لم يستطَع الخروج من هذه الصّورة السّوداويّة المُعتمة التي قُدّمت فيها المرأة كجارية في بيت زوجها لاحول لها ولاقوّة، وما يعزّز هذا الكلام أنّ أيّاً من الفنّانات اللاتي شاركن في غالبيّة تلك الأعمال لم تكن لإحداهنّ البطولة المطلقة، بل كانت الممثّلة تأخذ دوماً الأدوار المساندة للأدوار الذّكوريّة التي تُفرَد لها البطولة المُطلقة عن سابق إصرار وترصُّد.
إذاً الأعمال الشامية وعلى مدى سنوات طويلة أسهمت في تكريس صورة خاطئة عن المرأة السورية ، لتأتي الأعمال النسائية المعاصرة وتزيد الطين بلّة، وليصل تقديم المرأة عبر الدراما إلى أبعد مدى من التناقض، فإمّا امرأة عبدة، وإما امرأة «متحرّرة» مع وجود تحفّظات كثيرة من المُشاهد على معنى كلمة «تحرّر» بالنماذج النسائية التي تطرحها تلك الأعمال والتي ترتكز في مجملها على العلاقات الغير شرعيّة.
من يبحث عن القصص الحقيقيّة لنساء حقيقيّات يجدها، فالمجتمعات العربيّة مليئة بالنّساء اللاتي استطعن بالفعل أن يكنَّ مسؤولات ومربيّات وفاضلات، ومًعلّمات، وعاملات في الظلّ والعلن، ولكن المرأة التي تكون على هذه الشّاكلة منبوذة دراميّاً وتسويقيّاً وتلفزيونياً، والأولويّة لتلك «الأنثى» المكتظّة بعمليات البوتوكس المُرفقة بالدّلع المصطنع والضحكات الحمقاء بالتّأكيد ..