تتأرجح على أحبال العنف المجتمعي.. وتقبع بين أنياب الفقر ليفترس شبابها ويُضيع ملامح وجهها.. تعمل بأنفاسها لتربي أبنائها السبعة.. بالفعل هي مأساة فريدة من نوعها، وحصرياً في قرية المغراقة المهمشة التي تحتاج فقط إلى ريشة فنان ليرسم ملامحها ويخرجها الى العالم ليريهم كم هي الماساة التي تعيشها تلك المرأة مع أطفالها.. ضاعت أنوثتها وصباها في مهب الرياح، علها تستطيع إحتضان أبنائها لتبعدهم عن الإستجداء الذي انتشر بكثرة في شوارع غزة.. هذه المرأة أشبه بمن رقصوا على السلم، فلا تستطيع نيل حريتها من زوجها الذي هجرها منذ سنوات، ولا نستطيع وصفها بالمتزوجة، فالتناقضات التي تملأ حياتها كثيرة.. ولكن.. الأكثر منها المرار والذل الذي تكبدته منذ أن تزوجت .. إنها قصة إنسانة نابعة من لهب المعاناة، تصادفنا في الحرس الرئاسي لتطرح علينا سؤال هام ألا وهو.. أين نحن من هؤلاء؟! وسنحاول نحن بدورنا إلقاء الضوء على مأساتها علنا نساهم في حل مشاكلها..
منزلاً أم "خرابة"؟
من يدخل هذا الكوخ لن ينساه في حياته فهو عبارة عن هيكل لغرفة قديمة فحائطها الواح من "الزينجو" القديمة التي جمعتها من شوارع القرية وبكل لوح منها اكثر من عشرة ثقوب وباب خشبي تسكنه الحشرات وسقف نصفه يغطي ركن من هذه الغرفة والاخر ثقوبه اكبر من قطرات المطر والمطبخ عبارة عن سنبور مياه يعلو دلو بالي وحوله تصطف الاوعية المطبخية التي اكلها الصدأ وسقفها لا يصلح حالا عن حائطها ومساحتها ثلاث امتار في ثلاث يعيش بها خمسة اطفال وامها واخ شقيق خارج اطارها مع زوجته تقول ام ادهم بدموع الحسرة"الحمد لله على هالحال بس نفسي قبل مأموت حدا يبني لاولادي غرفة تحميهم من الشمس في الصيف والمطر في الشتا" وعلى الرغم من المشهد الذي نراه في هذا المنزل وكل هذا البؤس نجد انسانة صابرة تقف عند شموخها وكبريائها مندهشا مستغربا فهي تحمل نفسا طويلا يجعلك تنظر اليها نظرة اجلال بدلا من نظرة الشفقة التي نراها في هذه المواقف وتقول هذه السيدة عن حالها:"انا لولا هدول الاولاد هم الي كسرين رقبتي وموقفيني هنا عشان بنتي الى هيا عرضي واولادي الى انا متأكدة اني لو سبتهم حتصير حالتهم اسوأ من هيك"
خاتم وحلق ثمن المعاناة
ادهم الابن الاكبر لهذه السيدة تزوج وعمره سبعة عشر عاما ولكن الهدف من الزواج يختلف عن اي زيجة في هذا العالم فكما عودتنا وكالة الغوث الدولية ان زواج الابن للمرأةالتي حالها كحالة ام ادهم هو شرط لاستمرار الدعم المالي لهذه الاسرة وعندما نقول "دعم" اي" 500" شيكل على ارجح تقدير فتزوج الطفل من طفلة اخرى اضيفت الى صندوق المعاناة في هذا الكوخ وكان الثمن خاتم وحلق ودون عمل يعيش هؤلاء الكادحين وعن مصدر الدخل تقول:"بنعتمد على اكلنا من الجيران اذا حدا جابلنا صحن طبيخ او رز بناكل واذا ما حدا جاب بنستنى بس ربنا يبعتلنا " اما مالا يصدقه بشر ان تجلس هذه المرأة اربعة سنوات بلا ماء او كهرباء فتقول :"احنا عايشين بدون كهربا واذا في حق شمع بنشتري واذا ما في بنام عالعتمة الي تعودنا عليها وكمان مال كان عنا مية لحد ما اعطونا من الجامع خط مية"ماء"" .
تسونامي من نوع خاص
المطر في نظر الجميع خير من الله ولكن عندما ينزل ذلك الخير من السماء تنزل معه مأساتها الكبرى فتغرق غرفتها الصغيرة في بحر من المياه وكأن الله سبحانه انزل عليها تسونامي عربي فريد من نوعه يغطي الغرفة بمن فيها وتمكث في هذه المعاناة حتى تمتص الارض المياه وتشرق الشمس لتفتح صفحة جديدة غير واضحة المعالم ترشقهم كل ثانية مفاجئة من فعل القدر وكأن الله سبحانه يختبر الناس من خلال هذه المراة واطفالها وعن اطفالها تقول"ابني عبد الله ايده مكسورة من الصبح ومش قادرة اخده على المستشفى عشان اعرف اذا كان هادا كسر او جذع هو بيبكي وانا جنبه مش عارفه ايش اسوي "وعن ابنها حبيب "ابني عبد الله عمره12 سنة انصاب من اليهود واخد رصاصة برجله وهيو لليوم بيعاني من رجله ومش عارفه ايش اسوي"
"بنام مع الحمار"
"كلنا بنام مع الحمار" عبارة استوقفتني كثيرا امامها فكل ما اراه اكاد لا اراه في فيلم هندي فالعائلة باكملها تنام جنبا الى جنب مع الحمار الذي اعتبرته الاسرة مصدر دخلها الوحيد فهو في نظرهم المنقذ من الجوع تنام السيدة واولادها الستة وحمار في غرفة واحدة بالفعل منظر تقشعر له الابدان ولكن ما قالته هنا ان"طفلها ابن الاربعة اعوام في احد الايام تعرض لهجمة شرسة من هذا الحمار "فعضه" من رأسه نقل الطفل على اثرها الى المستشفى بعد صرخات استغاثة من الام للجيران تم تضميد الجرح ب"16" غرزة في الرأس " وعندما سالتها عن سبب احتفاظها بهذا الحمار قالت"الحمار مصدر دخلنا الوحيد واحنا ضلينا ثلاث سنوات بدون خط مية وكنا بنروح نعبي عليه مية من المعسكر في النصيرات"
صرخة استغائة
"انا ما بدي اكل او شرب بس بدي غرفة انام فيها مع اولادي مش مهم لقمة العيش ممكن ناكل اي اشي يسد جوعنا بس البرد والشتا ما بيقدر طفل عمره اربع سنين يتحملها " هذه الصرخة وجهتها هذه الام لله رب العالمين ومن ثم لاهل الخير لمساعدتها دون تذلل بل قالتها بكل شموخ وكبرياء فهي مقتنعة بان"الشكوى لغير الله مذلة" ولكن لاجل هؤلاء الاطفال نادت باعلى صوتها اغيثوني بعد ان تصدعت قدماه من العمل وتشققت يداها من جمع الخضار في الاراضي الزراعية فهي امراة في اوائل الاربعينيات ولكن قسمات وجهها النحيف وتعبيراته من كثرة الهموم التي قسمت ظهرها نصفين تبدو وكأن عمرها ستون عاما
"بنصوم من قلة الأكل"
ان قصة تلك السيدة التي كانت تطهي لاولادها الماء مع الحجارة ايام امير المؤمنين عمر بن الخطاب لتسكت جوعهم لا تختلف عن هذه المرأة فعندما يأتي شهر رمضان الكريم على هذه الاسرة زاد على هؤلاء الاطفال معاناتهم فتقول ام ادهم"اولادي حتى الصغير الى عمره اربع سنوات بيصوم مش لانو حابب يصوم بس لانو ما في اكل اطعميه اياه فباصبره في الصيام لحد ما حدا من الجيران يحن علينا ويبعتلنا اي اشي ناكله" واسترسلت قائلة"لما يجينا في رمضان اكل بناكل ولما ما حدا بفتكرنا بنقعد لحد ما الله يحن علينا"
نفس اعز من الياقوت
"اذا حدا اعطاني باخد عشان اولادي بس ما باطلب من حدا لانو الى بدو يعطي بيعطي من حاله" بهذه الكلمات اجابتني عندما سالتها عن دور اهلها في اعانتها المادية على ظروف الحياة القاسية فعزة نفسها اكبر من اي شيء اخر وكبريائها وجلدها اسطورة في زمن الاهات تأبى تسليم ابنائها لابيهم وزوجته لانها تعرف مسبقا ما ستؤول اليه حياتهم من ذل ومهانة وتقول " ما باسلم اولادي لقدر اصعب من قدر الي بيستناهم في المجهول اكبر من الي بيعشوه وما ضل في العمر قد ما مضى" فقدرتها الغريبة على الصمود رغم هذه المعاناة المأساوية اكبر من الرضوخ والانكسار فبصمودها تحاول ان ترسم ملامح لمستقبل افضل لابنائها الستة الذي تتأمله بشيء من الخوف والترقب.