تحقيق - ايناس طارق - بغداد - " وكالة أخبار المرأة "

يعد سائق التاكسي مرآة عاكسة لمجتمع المدينة وما يدور فيها، فالدول المتحضرة تعده سمة مميزة من سمات مدنها الكبيرة والعاصمة بوجه الخصوص، لذا فهي تحرص اشد الحرص على ان يكون سائق التاكسي أنموذجا مميزا. وبالطبع ، تترك التغيرات السياسية والاقتصادية بصمة على المجتمع وزواياه العديدة ومنها السلوك المجتمعي للفرد والذي يرتبط بالسلوك المجتمعي عامة.
وسط احد شوارع بغداد وعلى مقربة مني ثمة فتاة تقف مع صديقتها، ربما تنتظران أحدا من أهليهما ليقلهما الى مكان ما، لكن تلك الدقائق المعدودات التي وقفتا بها على الرصيف كانت كالكابوس، فما بين سائق تاكسي وتاكسي يقف ليرميهن بكلمات تافهة ، حتى إن احداهن لم تستطع تمالك نفسها، فرمت سائق تاكسي بعلبة بيبسي مرمية على مقربة منهن. قد يكون وصول السيارة التي تنتظرها الفتاتان حسم الكثير من التطورات التي كانت ستحدث مع سائق التاكسي الذي حاول ركن سيارته والنزول لكنه غير رأيه بعد وقوف السيارة خلفه لهن . والأمر لا ينتهي عند هذه الحكاية او غيرها ، فالحكايات والمشاهدات اليومية في الشارع البغدادي بشكل خاص لا تنتهي وربما لن تنتهي بوقت قريب في ظل هكذا ظروف نعيشها.
مذياع وهاتف
تقول ريم محمد (موظفة) انها بحكم عملها اليومي تضطر الى استئجار سيارة أجرة ، وما ان تقف في الشارع حتى تبدأ السيارات تصطف ومن سوف يكون سعيد الحظ ويأخذ الأجرة وإيصالها الى مكان عملها . وما ان تصعد الى السيارة حتى يبدأ سائقها بالحديث عن الإزدحامات والوضع الأمني ، وعندما لا تقوم بالمشاركة بالحديث يقوم برفع صوت المذياع من اجل ان تطلب منه إن يقوم بخفض الصوت. مضيفة: وهنا يبدأ بطرح لاسئلة والحديث مرة أخرى بان المذياع وسماع الأغاني يساعد على تحمل الازدحامات ويبدأ بطرح الأسئلة عن الأغاني التي تفضل سماعها وعندما لا تجيبه يعود الى رفع صوت المذياع ولا يهتم لذوق الآخرين.
وتبين ريم: حتى عندما يتحدث بالهاتف يكون صوته عاليا واحيانا يدخن ولا يهتم للشخص الذي معه في السيارة . ومع الأسف فإن اغلب سائقي سيارات الأجرة هم بأعمار شبابية ولا يهتمون وعندما تصعد الفتاة معهم، فان أول ما يقوم به أيضا هو تحويل المرآة باتجاهها ويبدأ يرمقها بالنظرات.
ما بين الكيا والتاكسي
بينما قالت ضحى عبد الرحيم ( طالبة في كليه المأمون) : اضطر احيانا إلى تحمل مضايقات الصعود في سيارات الأجرة الكيا على ان استقل سيارة تاكسي وذلك لأن سائقيها يتدخلون بامور لاتعنيهم، وتكرار سؤال هل تريدين خطا ، وأنا مستعد لإيصالك كل يوم الى مكان عملك ، وهل تريدين رقم الهاتف للاتصال عند الضرورة والحاجة الى التوصيل.
وتوضح ضحى ان بعضهم يطلب منها ان تقوم بالــ "ترميش" عليه ليسجل رقمها وعندما ترفض يبدأ بالكلام والقول "ترى احنا ولد عوائل و مو قصدنا شي وبراحتكم " ويقوم بالتأفف وان الطريق طويل والمبلغ الذي طلبه قليل وانه لن يقوم بالدخول الى داخل المنطقة وإنما النزول على الشارع العام ، وهنا اضطر الى السكوت من اجل إكمال الطريق بسلام .
مغازلة غير آمنة
بينما قالت سيناء محمود (موظفة) : ان احد سائقي الأجرة بدا بمغازلتها وعندما طلبت منه الكف عن الكلام غير اللائق قال انه لن يقوم بتوصيلها الى ما اتفقوا عليه لان منطقتهم غير آمنة ولا يستطيع الدخول وعليها أن تدفع أجرة أكثر لأنه كان يعتقد انه سوف يحصل على صداقتها ، وما أن نزلت حتى بدأ بالشتم وإطلاق العبارات غير اللائقة ، الأمر الذي جعلها تكون حذرة عند تأجير سيارة أجرة. مستدركة: مع الأسف هناك أصحاب سيارات أجرة يكونون ذوي تصرف غير لائق ويجعلون من الطريق كابوسا ، بينما هناك نساء هن يقمن بطرح الحديث والتحدث بصوت عال بالموبايل فيتدخل صاحب السيارة بالرأي وكأنه فرد من العائلة حيث لا يمكن أن نضع كل اللوم والخطأ على أصحاب سيارات الأجرة فقط إنما هو من الطرفين ، فهناك نساء يبدأن بالتكلم عن مشاكلهن وكأنهن يعرفن سائق السيارة من سنوات وليس من اللحظة التي صعدن فيها الى السيارة .
البطالة والتقسيط
تراكمات المرحلة الاقتصادية والبطالة المتفشية بين أوساط الشباب بشكل خاص وظهور شركات بيع السيارات بالتقسيط ، أغرت الكثير من الشباب الذين التجأوا إلى شراء التاكسي او ( ابو الصفرة) كما يحب البعض إن يسميه، لتغص شوارع بغداد بعشرات الآلالف من سيارات التاكسي . وقد تكون ( السايبة) أكثرهن وجودا في الشارع، لا اعتراض على ذلك والعمل واجب مقدس، لكن للأسف بعض الشباب شوهوا هذه المهنة الإنسانية والتي طالما حفظ تاريخنا الشفاهي حكايات عن شهامة سائقي التاكسي وإيصالهم المرضى والمحتاجين وحالات طارئة دون ثمن، هذا مع احتفاظهم بالأمانات او ما يجدونه في سياراتهم من حلي ذهبية او مبالغ نقدية او مستمسكات وفي هذا الأمر عشرات الحكايات .
لم تكن المرأة تخشى ذات يوم من ان تستقل سيارة تاكسي ولم تكن تتصور ان يوما ما سيأتي وستكون حذرة جدا في رفع يدها والإشارة لسائق تاكسي قبل ان تتفحص ملامحه ومعرفة عمره التقريبي لتتجنب الصعود مع بعض المراهقين والشباب غير المنضبطين الذين دخلوا المهنة للأسباب آنفة الذكر او من باب التبطر واصطياد النساء ، كما يقول البعض من الذين يعملون بسيارات حديثة وفخمة، هذا ما قاله احد سائقي التاكسي لصديقة استأجرته من مكان عملها إلى بيت أختها وبعد عدة أسئلة وتدخلات غير منضبطة من السائق، إضطرت إن تترجل من السيارة وسط نقطة التفتيش وحين استفسروا عن السبب لم تشأ إن تخبرهم إن هذا السائق غير منضبط او غير مؤدب خوفا من إن يحدث ما هو اكبر من ذلك.
التربية الأسرية
المواطنة أم علي تقول : هذه من الظواهر التي تمثل أكثر سلبية ومؤثرة على نفسية النساء لأنها حين تصطدم بهذا الواقع الأليم ستفقد الثقة بالناس والمجتمع بشكل كبير وسيحجم ذلك من خروجها وحدها أي يقيدها وستضطر للخروج مع رجل لكي تتخلص من هذه المشكلة. وعن أسباب تفشي هذه الظاهرة تقول أم علي: أسبابها عديدة أولها الجهل والأمية والتخلف، وثانيها تحجيم او تقليص حرية الفرد، وثالثها الثقافة الدينية غير الصحيحة وتدخلها في علاقات الناس، بالمختصر أوجز لك انه انعدام التربية الصحيحة ، نحن بحاجة لبناء الإنسان العراقي من جديد فقد تعرض لهزات كبيرة وكثيرة ربما تفوق قدرة تحمل أي شخص آخر..
الإعلامي مؤيد قادر ذكر ان السبب في بروز هذه الظاهرة مؤخرا هو حالة المجتمع الخاضع للانغلاق على ذاته والنظرة الدونية للمرأة وكذلك اعتبار التاكسي مكانا للاختلاء بالمرأة التي تستأجر التاكسي، مضيفا: ويمكن تشخيص بعض الحالات التي تتعرض فيها المرأة للتحرش من قبل السواق مثل طلب اسم الفتاة او المرأة والسؤال عن عمرها وحالتها الاجتماعية او طلب رقم جوالها , وإذا أجابت المرأة عن الأسئلة تعتبر من (( نساء الهوى )) وإما إذا سكتت عن الإجابة فالمصيبة اكبر فلربما تعتبر إنها تهوى شخصا آخر.
وأوضح قادر: ولا يمكن معالجة هذه الحالات بدون نشر الوعي بين الذكور من خلال برامج تلفزيونية أو بوسترات ملصقة في ساحات وقوف السيارات وكذلك إلقاء محاضرات على طالبي إجازة السوق العمومي أثناء فترة الاختبار. مسترسلا: روت لي احدى الفتيات حالة من حالات التحرش التي تعرضت لها من قبل احد سواق التاكسي حيث كانت قد استأجرته لإيصالها الى أحد المستشفيات وعندما سألها السائق عن حالتها المرضية أجابت بأنها ليست مريضة بل تزور احدى أخواتها الراقدة في مستشفى الولادة , عندها أمطرها السائق بوابل من الأسئلة الشخصية وحين نهته عن الأسئلة ادعى إنها (بغي) وعرضت عليه نفسها. ومثل هكذا أمور تحدث يوميا بالعشرات في شارع يعيش حالة من القلق والرعب من المجهول والقادم.
كراون 82
أبو كريم (سائق تاكسي) لازال محتفظا بألوانها الأبيض والبرتقالي يقول: لقد هجرت المهنة لكني مصر على الاحتفاظ بسيارتي التاكسي "كراون 82". لاني اعتبرها شريكة مسيرتي الحياتية ورافقتني في السراء والضراء. وعن سبب تركه العمل تحدث ابو كريم: لم يعد الشارع كما كان من قبل ولم تعد المهنة كما هي . وحالها حال بقية المهن التي تعرضت إلى الاختراق والتشويه من قبل بعض الطارئين او ممن رمتهم الظروف الاقتصادية إلى مهنة سائق التاكسي.
وفيما يخص التحرش وما تتعرض له بعض النساء في حال صعودهن التاكسي أجاب: بالطبع الأمر هنا غير خاضع للتعميم فما زال هناك الكثير من سائقي التاكسي يتحلون بالأخلاق والشهامة العراقية. لكن تصرفات البعض منهم وخاصة المراهقين أضرت بالمهنة وبسمعة سائق التاكسي. مبينا إن الأمر في النهاية يقع على عاتق الأسرة والمجتمع والجهات المختصة والمعنية بالأمر. مبديا أسفه عما سمعه ويسمعه يوميا من حكايات تحرش ومضايقات أبطالها سائقو سيارات التاكسي.
تكسي نسائي
يبدو إن ظاهرة التحرش والمضايقات للنساء هي عربية وليست محلية، اذ انتشرت في الآونة الاخيرة مشاريع "تكاسي خاصة للنساء". فقد بات بامكان الفتيات والنساء في لبنان، إذا رغبن الخروج او التنقل من مكان إلى اخر، الاتصال بشركة "بنات تاكسي" التي تؤمن تنقلاتهن في كل أنحاء لبنان. وتذكر صاحبة الفكرة والشركة (نوال ياغي فخري) في لقاء صحفي أنها اعتقدت عندما خطرت لها الفكرة أنها ستجد صعوبة في تأمين سائقات من النساء، لا سيما أن هذا العمل في لبنان وقف على الرجال. لكنها ما ان وضعت اعلانا في الصحف، حتى تلقت عشرات الطلبات من نساء يرغبن في هذه الوظيفة فاختارت ،والقول لها، سائقات بمعايير معينة تفوق أعمارهن الثلاثين، ناضجات، أنيقات ومهذبات.
وفي عمان دفع تفكير مجموعة من الطالبات بتأمين وسيلة مواصلات آمنة للنساء خصوصا ممن يتطلب عملهن البقاء لفترة متأخرة في المساء؛ إلى إطلاق مبادرة تحمل عنوان “شي كاب تاكسي” التي تؤهل نساء لقيادة التاكسي. مبادرة “شي كاب تاكسي” أطلقتها أربع طالبات مازلن على مقاعد الدراسة وهن رحمة أبو شويمة، سرى المحاسير، سلام أبو خضرة، مها العمد. وكانت الفكرة اقتصادية اجتماعية اذ تم البحث عن سيدات مؤهلات وقادرات على القيام بهذه المهنة، ولا يوجد لديهن دخل، مع توفر وسيلة آمنة للسيدات من جهة أخرى. وتؤكد الطالبات صاحبات الفكرة والمشروع الذي انطلق العام الماضي على ضرورة متابعة هذا المشروع في ظل وجود ظاهرة التحرش التي تواجهها النساء في مختلف الأماكن، بالإضافة إلى كسر الصور النمطية بأن قيادة التاكسي مهنة مقتصرة على الرجال ولا تليق بالنساء.
وهذا ما طالبت به سيدات عراقيات شكون من كثرة المضايقات التي يتعرضن لها من قبل سائقي بعض سيارات التاكسي وخوفهن من الصعود في بعض الحالات، مع القلق على ابنائهن او بناتهن من استئجار التاكسي الامر الذي دفع بعض العوائل الى الاتفاق مع سائق معين معروف لديهم يمكن ائتمانه. كما طالبن بضرورة وجود شركات التاكسي الحكومية والخاصة على غرار تاكسي المطار.