سارة مطر - " وكالة أخبار المرأة "

لا أعرف كيف تصنف المرأة العربية نفسها، وهي ترغب في أن تعيش زهواً إعلامياً، حال أن تقرر العيش تحت دائرة الاعتقاد بأنها مناضلة، صورة نضال المرأة في الوطن العربي، سواءً عبر القنوات الفضائية، أم عبر مختلف وسائل التواصل الاجتماعي، هي أقرب من وجهة نظري إلى أن تكون سمسرة ليس إلا.
الصورة التي تقودني كل صباح إلى التفكير بنضال المرأة، هي لماذا تعمد المناضلات العربيات للربط بين اللباس الوطني أو التقليدي في وطنها، وبين القضية التي تحملها معها؟ لا أعرف ما الرابط بين مفهوم النضال وبين انتزاع اللباس التقليدي، في حين أن الرجل حينما يتبنى مفهوماً أو فكراً نضالياً يبقى كما هو من دون تغيير في المظهر الخارجي؟ بل إنه يبدو أكثر مصادقة مع الأشياء النادرة والصغيرة، ويتجاهل كل ما له صلة بما يظهره على غير عادته أمام جمهور، وهذا -إن دل على شيء- يدل على أن المرأة تعيش كابوساً قاتماً، يدفعها إلى أن تظهر كما وأنها لا تنتمي إلى تاريخ وطنها، وهذه هي السقطة العاجزة.
خطرت هذه الفكرة في رأسي، بينما كنت أترجل قبل أيام في مدينة دبي، ولفت انتباهي أحد الشبان الآسيويين، وهو يرتدي قميصاً وضعت عليه صورة لملالا يوسف زاي، الحاصلة على جائزة نوبل للسلام، وقد دونت عبارة قصيرة تحت الصورة، «ملالا امرأة عام 2015»، بدت الشابة الصغيرة بعينيها اللامعتين، وحجابها الأسود الذي يُظهر بعضاً من شعرها الأسود، أنموذجاً يتباهى به أبناء وطنها، من دون الشعور بالعار أو الذعر مما قامت به، وحينما أقرأ في سيرة هذه الشابة الذي صمم والدها أن يكتب اسمها على شجرة العائلة، كواحدة من أبطال البشتو، ليعزز بداخلها انتماءها إلى تاريخها وقبيلتها، فلا أجد أمامي إلا أني أقف أمام فتاة مقاتلة، قاومت، ناضلت، حام الموت حولها، إيغالاً بالفتك بها، لكنها قفزت فوق اللغم بكل خفة وضج العالم بها.
الشيء الفاتن بملالا أنها على الدوام تظهر أمام الإعلام بلباس وطنها التقليدي، لم تتبجح أمام العالم، ولم تقل بأن الزمن في وطنها باكستان، قد وقف عند أعتاب الموت الفجائي، لم تخن ملالا قضيتها ولم تخن أيضاً موروثها الشعبي. ثمة فاصل ما بين الفكرة وبين التحرر من المورثات المعتاد، وسريعاً ما تذكرت البارونة سعيدة وارسي، وهي ترتدي أيضاً الزي الباكستاني، وذكرى لا يمكن أن تفارقني، وهي تعلن استقالتها من الحكومة البريطانية؛ احتجاجاً على أحداث غزة، وعدم وقوف بريطانيا بشكل عادل أمام القضية الفلسطينية. وارسي ولدت في مدينة ديوسبري في شمال إنكلترا، لوالدين مهاجرين من باكستان، وهي محامية وسياسية بريطانية، ويطلق عليها لقب «أكثر النساء المسلمات نفوذاً» في بريطانيا.
إذاً، لنتفق بأن النضال لا يرتبط بالتحرر من الزي الوطني، إلا في الخليج والوطن العربي فقط، حينما تنزع المرأة عباءتها، وترفع صوتها عالياً؛ لكي تكون صاحبة قضية. إنها تنتزع حقوقاً كثيرة ضد فتيات وطنها؛ لأنهن لا يمكن الحق بمخالفة الشرع والقانون، فهو أمر مكلف للغاية، فكر مرتفع سعره في سوق النضال.
إن الصورة التي يجب على المرأة المناضلة أن تخرج بها أمام المجتمع؛ لكي يصدقها، يجب أن تكون من صلب الداخل، لا صورة مجردة يمكن للإنسان أن يدفع حياته ثمناً لهذا التحول المطارد، وكمثال على ذلك المصرية علياء المهدي، لا أعرف ما الذي كانت تود أن تقوله للعالم، حينما أظهرت صورها عارية في مدونتها؟ ولحقتها عقب ذلك الفنانة التشكيلية السورية «هالة فيصل»، حينما خلعت ثيابها كلها في ساحة «واشنطن سكوير بارك»، ووقفت عارية تماماً أمام وسائل الإعلام والسائحين، وكتب على ظهرها وباللون الأحمر، عبارات تطالب بإيقاف الحرب في العراق وفلسطين.
لا تزال عدسة عينيَّ لا تتقنان الرؤية التي تود المرأة العربية والخليجية أن تخلد عليها، سواءً مناضلةً أم ناشطةً حقوقية، غير أن تهتك عرض جسدها، أو تفرض صورة مشوهة لما هو مغاير في وطنها. أشعر أحياناً أنهن متورطات في عالم مختلف، مولعين بالأضواء أحياناً، وبالشعور القاتم نحو كل ما يمتُّ بصلة إلى كل ما هو تقليدي، على رغم أنني متأكدة بأن لا العباءة أو الحجاب أو حتى الساري الهندي، يمكن أن يكون عائقاً لكي ترفع صوتك وتطالب بما تريد.
بعض النسوة يردن السباق نحو المجد، والدخول إلى عوالم النضال، عبر قطع الرؤوس بطريقة مشوهة جداً، كأن تدوس على قيمة معنوية؛ لكي تخبر العالم بأنك لا تنتمي إلى ما يحدث في وطنك، وبأن كل ما يحدث من مشاهد حياة ما هي إلا ولائم للقتل. إنها صور تدفعني إلى الضحك البائس. ثمة جهل يحتفي ببعض القوافل من النساء، وأظنه إغراء الإعلام لا غير.