عبد السلام سيد أحمد - " وكالة أخبار المرأة "

«صبحيّة» فلسطينيّة لجأت أسرتها لسورية عام 1948، قُتِلَ ابناها الاثنان في النزاع السوري الراهن وانصرفت للاعتناء بأحفادها اليتامى بعد أن هُجِّرت قسراً إلى لبنان. هي تعيش الآن مع أحفادها في مخيّم عين الحلوة. تــقـول صبحــيّة أنّها لا تزال تجد مبرّراً للصمود من أجل أحفادها اليتامى على الرغم من الأهوال التي عانتها خلال حياتها.
نموذج «صبحيّة» مدعاة للتقدير والتأمّل ونحن نحتفل بيوم المرأة العالمي في الثامن من آذار (مارس). يأتي يوم المرأة هذا العام ونحن على أبواب الذكرى العشرين لمؤتمر الأمم المتّحدة الرابع الخاص بالمرأة (1995) الذي عُرف من ثمّ بمؤتمر بكين والذي اعتمد منهاج بكين. وفضلاً عن تأكيده على أنّ حقوق المرأة والطفلة هي من صلب حقوق الإنسان غير القابلة للتصرّف أو التجزئة أو الفصل عن جميع الحقوق والحريّات الأساسيّة، بُنيَ منهاج بكين في الأساس لترميم حطام قرارات سابقة وتدابير أثبتت الأدلّة والبراهين عدم فعاليتها في حماية المرأة من الانتهاك والتمييز والتهميش. كما أكّد منهاج عمل بكين على قضيّة تمكين المرأة ومشاركتها في الحياة العامّة بكلّ أنواعها، مشاركة كاملة وعلى قدم المساواة، بما في ذلك بالطبع المشاركة في صنع القرار وبلوغ مواقع السلطة.
بعد عقدين على مؤتمر ومنهاج عمل بكين، تتواتر الدراسات الاستقصائيّة من وكالات الأمم المتّحدة وغيرها من المؤسّسات المعنيّة لتقديم جردة حساب حول ما تمّ إنجازه والذي يقصر كثيراً بالطبع عن الهدف والطموح، ولا يزال ينتظر منّا العمل عليه، ومن هذا الباب على سبيل المثال الحديث عن نسبة الثلاثين في المئة التي اعتمدتها خطّة عمل بكين كحدٍّ أدنى لتمثيل المرأة في الهيئات التشريعيّة، إذ تُشير الدراسات الراهنة إلى أنّ هذه النسبة لا تزال دون الربع في غالبيّة برلمانات العالم.
على أنّ لغة الأرقام، على أهميّتها، تظلّ شيئاً مجرّداً لا يعكس إلّا مقاربة إجماليّة غير إنسانيّة للواقع. ما يجب التوقّف عنده هو ما يوجد خلف الأرقام من تقدّم أو تراجع على هذا الصعيد أو ذاك، فمثلاً، ما مغزى تمثيل المرأة في مقاعد الوزارة والبرلمان؟ وما انعكاس ذلك على السياسات؟ ما مغزى إصدار تشريع خاصّ بالعنف ضدّ المرأة؟ وما هي التدابير التنفيذيّة التي اعتُمدت لوضع هذا التشريع موضع التنفيذ؟ ما تفاصيل معاناة العديد من النساء والفتيات في البلدان التي تشهد نزاعات مسلّحة؟ وما تفاصيل معاناة اللواتي يضطررن للجوء أو النزوح أو الهجرة القسريّة مع عائلاتهنّ ومن دونها؟
في معيّة الجدال المتواصل حول «الربيع العربي» ومآلاته، كثيراً ما يأتي الحديث عن دور المرأة، وما إذا كانت انتفاضات الربيع العربي عزّزت من حضور المرأة في الفضاء العام. والمقاربة هنا قد تبدو حرفيّة أحياناً حين يكون الحديث عن الساحات التي شهدت هذه الانتفاضات العربيّة. أم أنّ ما أعقب ثورات الربيع العربي من انتكاسات أدّى إلى تقويض مكاسب المرأة ليس فقط على صعيد ما تحقّق في معيّة هذه الثورات، وإنّما أيضاً ما تحقّق من مكاسب في ظلّ الأنظمة السابقة؟ وبغضّ النظر عما يُقدّم من تحليلات في هذه الوجهة أو تلك، فثمّة شبه اتّفاق أنّ المرأة كانت طرفاً فاعلاً وأصيلاً في الحراك السياسي والمجتمعي الذي واكب انتفاضات الربيع العربي، وهذا في حدّ ذاته يمثّل رافداً حيويّاً في عمليّة تمكين المرأة الذي أكّد عليها منهاج عمل بكين.
على أنّنا، ونحن نحتفي بيوم المرأة العالمي وبذكرى مؤتمر منهاج بكين، لا يجب أن نستحضر فقط صوراً ونماذج المناضلات في ساحات التغيير وميادينه في صنعاء والقاهرة وتونس والمنامة، وإنّما استحضار نماذج مثل «صبحيّة»، التي هُجّرت مرّتين، ووراءها ذاكرة وطن وأحبّاء ومنفى، وعلى كاهلها أحبّاء تجد فيهم مبرّراً للحياة والعطاء، وغيرها كثير.
في عالم الروائي الراحل غبريال غارسيا ماركيز، تُسجّل الثورات والحروب والمغامرات والجنون والاستبداد على شخوصه من الرجال، بينما تنفرد الشخصيّات النسائيّة بالحكمة والصبر والتدبير والحاسّة التي لا تخيّب أبداً. وحين سُئل عن ذلك مرّة، قال إنّ ذلك في الواقع يمثّل رأيه في أدوار الرجال والنساء في الواقع. إذ في سعيهم إلى التغيير، كثيراً ما يحطّم الرجال العالم، بينما تحاول النساء الحفاظ عليه قائماً.
وربّما تجسّد الأوضاع الراهنة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا عالم ماركيز بصورة كبيرة. ولعلّ خير شاهد ما تقوم به النساء في العراق وسورية وليبيا واليمن من إعادة بناء حيواتهن وأسرهن التي تشرّدت في مناطق النزوح ومرافئ اللجوء، بل حتّى في مناطق النزاع نفسها. إنهنّ صنّاع للحياة في بلاد امتهن بعض الرجال فيها صناعة الموت.
صحب النزاع المسلّح ويصحبه الكثير من الأهوال والانتهاكات، وتظلّ النساء والفتيات، أكثر عرضة. ولعلّ أسطع الأمثلة على هذا الوضع الكارثي ما قام ويقوم به مقاتلو تنظيم «داعش» في المناطق التي اجتاحوها والذين أعادونا إلى تراجيديات السبي البابلي والطروادي. مع ذلك، وعلى رغم فداحة الكارثة، قدّمت النساء في هذه البلدان نماذج ساطعة في تحمّل مسؤوليّة أسرهن أو ما تبقّى منها بكلّ عزم وتصميم ومقدرة على العطاء. ضمن هذا السياق مرّة أخرى، تكتسب المبادئ التي أتى بها منهاج بكين في التمكين ومكافحة التمييز والتهميش والعنف ضدّ المرأة قيماً إضافيّة، ولا بدّ من تفعيلها في مناطق النزوح أو اللجوء أو حتّى في مناطق النزاع نفسها. وحين تضع الحروب أوزارها، سيكتسب الحديث عن المرأة في الفضاء العام بعداً جديداً وربّما مختلفاً بصورة نوعيّة.