محمد عبد الرحيم - القاهرة - " وكالة أخبار المرأة "

كتابات المرأة وحكاياتها، وتصنيفها من خلال جنسها كامرأة لما تنتجه من أدب، هذه النظرة التي يراها معظم الكتّاب والنقاد عند تناولهم عملا أدبيا تكتبه المرأة، إضافة إلى الموضوعات التي يرونها تختص بالمرأة وتعرف كيف تتناولها. هذه هي محاور الندوة التي أقيمت مؤخراً ضمن برنامج ندوات مهرجان القاهرة الأدبي الأول. في ندوة بعنوان «كتابة المرأة الشرقية بين مصر وأوروبا»، التي تحدثت بها كل من الكاتبات مونيكا كومبانيكوفا من سلوفاكيا، بيترا هيلوفا من جمهورية التشيك والمصرية، منصورة عز الدين. وأدار الندوة الأستاذ في كلية الألسن والمترجم خالد البلتاجي، وأقيمت في مركز دوم الثقافي.
تصنيف مغلوط
بداية تقول الكاتبة المصرية منصورة عز الدين، إن مصطلح كتابة المرأة، أو أن يكون عنواناً للندوة، هو بالأساس عنوان مٌقلِق، فالأمر هنا ينصب على جنس الكاتب، دون المكتوب نفسه، وبالتالي ترفض التصنيف النمطي لأدب المرأة. فالأدب هو ما تكتبه المرأة، وإذا نظر النقاد للأمر من هذا المنظور ــ وهو يحدث للأسف ــ فهي نظرة غير سوية بالمرة. وتشاركها السلوفاكية مونيكا كومبانيكوفا الرأي وتؤكده من خلال تجربتها الأدبية، فتقول إنها بدأت في سن صغيرة نسبياً ــ حوالي العشرين ــ ووجدت ردود أفعال رافضة ممن حولها، نظراً لصغر السن من ناحية، ولكونها امرأة من ناحية أخرى. واستمر هذا الرفض طوال عدة تجارب قامت بها، حتى تحولت مواقفهم ــ الكُتاب والنقاد ــ وبدأ الانتباه لوجودها، لتحتل مساحة على خريطة أدب بلادها، وتدخل في عِداد الجيل الأدبي الجديد، حتى أنها حصلت على جائزة «آنا سوفت» وهي جائزة مرموقة في سلوفاكيا. أما بشكل عام فقد تغير الوضع للأفضل خلال العشر السنوات الماضية، إذ زاد عدد الكاتبات بشكل ملحوظ، وبدأ الاحترام أكثر في نظرة الأدباءء والنقاد السلوفاك، بعيداً عن النظرة المُتعالية كما كان يحدث في السابق. الأمر نفسه تراه التشيكية بيترا هيلوفا، التي ترى أن البدايات دائماً على غير ما هو مرجو، فقد بدأت في حوالي الثالثة والعشرين، إضافة للمشكلة الأكبر في دائرة المثقفين والنقاد.. كونها امرأة!
الموضوعات
تحدثت هيلوفا عن الموضوعات التي تسم الأعمال التي تكتبها المرأة، وكانت أكثر سخرية وهي تصف هذه الأعمال أو الموضوعات، وإيثارها على المرأة فقط، دون الرجل. فالتركيز على الأسرة هو أمر شائع في كتابات المرأة، وفي روايتها «السفينة الخامسة» على سبيل المثال، نجدها تدور حول أسرة مُفككة، طفلة تكره أسرتها تقريباً، فالأم أصبحت أماً في سن العشرين، أي انها لم تزل طفلة تقريباً، كما تكره الجدة هذه الحفيدة. وفي روايتها «حدث في كراكوف» والمُترجمة مؤخراً إلى العربية، في ترجمة قام بها البلتاجي نفسه… تجد أسرة نفسها في مرحلة انتقالية، ما بين سقوط نظام شيوعي ومجيء آخر، فطالها التفكك نتيجة اختلاف آراء أفراد هذه الأسرة في الحدث السياسي، خاصة بعد قيام الثورة، نتيجة أوضاع اجتماعية واقتصادية غير مُستقرة. ويُضيف البلتاجي.. أن رواية «حدث في كراكوف» يُطلق عليها النقاد «أبوكاليبيس»… الأب الذي أصيب بحالة تقترب من الجنون، والعاشق الشيوعي الذي انتهى به الأمر إلى رجل أعمال يؤمن بالحرية الاقتصادية والاجتماعية، هناك نظام قديم وَعَد ولم يف، وآخر جديد فشل رغم وعوده.
أما من جهة الاختلافات في اختيار الشخصيات أو الموضوعات بالنسبة للكاتب الرجل، فترى أن التصنيف يتم بشكل تعسفي بالأساس من قِبل النقاد. فالرجل يكتب عن أي موضوع، من دون أن يوّجه له السؤال عن اختياراته، وينصرف الأمر إلى شخصياته الروائية، أما المرأة فيتم تصنيفها من البداية. هناك موضوعات بالفعل تهم المرأة ككاتبة، على رأسها العائلة، الحب، أما الرجل فنجده يتحدث عن العمل، وما حققه من نجاح، هذه النظرة نفسها تنتقل إلى المناخ الثقافي ويتم التصنيف على أساسها.
وترى المصرية منصورة عز الدين ذاكرة روايتها «وراء الفردوس» و«متاهة مريم» أن موضوع الأسرة أو العائلة هذا كان أساسياً في روايتها الأولى، لكن العائلة هنا كانت ــ على العكس ــ مترابطة بشكل مَرضي، وهو ما أدى لفقدان الفرد داخلها حريته، وهو ما جعل الفكرة ــ السيطرة/السُلطة ــ تتجسد من خلال حكاية عائلية.
الغرب ورؤيته للكاتبات الشرقيات
من ناحية أخرى تصف كيفية رؤية الغرب وتوقعه لأعمال امرأة آتية من الشرق، حيث تدور المناقشات دائماً من خلال الكاتبة، لا الكتابة نفسها. وعن موضوعات ومواقف متوقعة. وتقول عز الدين إنها ليست مسؤولة عن تصورات خاصة بكتابة المرأة. وأنها نالت ما رآه البعض مديحاً، حينما تم تشبيه ما تكتبه بكتابة تختلف عن كتابات المرأة، وهو ما يؤكد فكرة النظر من خلال كون الكاتبة امرأة، من دون النظر للعمل الأدبي نفسه! فهناك تصوّر مسبق عما تكتبه المرأة، وليس ما تكتبه بالفعل.
وأخيراً يُشير خالد البلتاجي إلى أن دافعه للترجمة لروائيات من التشيك أو سلوفاكيا هو ما وجده من تقارب كبير بين العالمين ــ الشرق وأوروبا ــ من خلال المشكلات والموضوعات التي تعالجها الرواية، وأن الترجمة تساعد على التقارب بين هذين العالمين، وربما من خلال هذا التواصل يتم بحث الأمر بشكل أكبر، من خلال رؤية ثقافتين مختلفتين.
ونعتقد أن هذا التقارب الكبير من الممكن أن نجده في بلاد أوروبا الشرقية، التي ظلت لفترة طويلة تحت حُكم الأنظمة الشمولية، وهو ما يتشابه والنظم الحاكمة في الشرق، أي أن صياغة المجتمعات وفق شكل السُلطة وطرائق إنتاجها، هو ما يرسم حياة الأفراد وسلوكهم، وبالتالي مشكلاتهم وموضوعاتهم، وانعكاساتها في أعمالهم/أعمالهن الأدبية.