نهلا ناصر الدين - بيروت - " وكالة أخبار المرأة "

العنوان "بلد الحريات" ولكن المضمون مختلف تماماً. ففي بلدٍ لا يعاقب قانون عمله، رب العمل إذا ما تحرّش بإحدى موظفاته جنسياً، على سبيل المثال لا الحصر، تبدو كلمة الحريات الشخصية والمساواة بين المرأة والرجل "كليشيهات" لا أكثر ولا أقل.
 فبالرغم من كلّ الجهود المبذولة من الحركات والجمعيات النسائية التي تدأب على إكمال صراعها مع قوانين العمل في لبنان لتحقيق المساواة، فإن اللامساواة لا تزال تفرض نفسها في النشاط الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، ومشاركة المرأة في سوق العمل اللبناني دونها فروقات ومصاعب.
 منذ نحو شهر تقريبا أعلن وزير الخارجية والمغتربين جبران باسيل عن توقيعه مشروع قانون تعديل نظام وزارة الخارجية والمغتربين وطلب إلغاء الفقرة 4 من المادة 12 التي تشترط أن تكون المرشحة إلى السلك الخارجي عزباء. بعد ان كان الاعلان جوبه بحملة ضغط نسوية وكتاب مفتوح من قبل التجمع النسائي الديمقراطي اللبناني للوزير باسيل.غير ان اقرار هذا التعديل يلزمه موافقة من مجلس الوزراء ما يجعل انجازه على محك التوافق السياسي ربما ..
 ولكن هل هذا هو القانون الوحيد "لا سمح الله" الذي نلمح فيه تمييزاً بين المرأة والرجل في سوق العمل اللبناني، وإن لم يكن هو الوحيد، فأين تتجلى صور التمييز الجندري، وما هي القطاعات الأكثر تمييزاً، وكيف تطوّر قانون العمل اللبناني بمواده خلال السنوات الماضية ولأي مرحلةٍ من المساواة وصل، وهل النتائج التي توصل اليها تتوافق مع نسبة الجهود المبذولة من الجمعيات والحركات النسائية التي تُعنى بحقوق المرأة وتطالب بالمساواة بينها وبين الرجل؟
تاريخ القانون
 تستعرض رئيسة "رابطة المرأة العاملة في لبنان " المحامية إقبال دوغان لـ"البلد" تاريخ قانون العمل اللبناني وتطوراته خلال السنوات الماضية بفضل الجهود المبذولة من الرابطة ومن الجمعيات النسائية الأخرى.
 تشير إلى أن قانون العمل اللبناني وضع عام 1946 أي في وقت "لم تكن فيه المرأة منخرطة في سوق العمل" ما جعله قانوناً مجحفاً بحق النساء ولا يراعي حقوقهن.
تطوّر القانون
 وعن التعديلات التي لحقت بقانون العمل، تتابع دوغان "عملنا كثيراً على التعديل في قوانين العمل وما زلنا نعمل، ففي عام الـ2000 عدّلنا أربع مواد (26، 27، 28، 52) وهي المواد التي تسمح لربّ العمل أن يصرف المرأة الحامل التي لم يتجاوز حملها الخمسة أشهر، إذ أنه اليوم لا يمكنه صرفها منذ اليوم الأول للحمل إلى نهايته وحتى ما بعد الولادة، كما لا يمكنه توجيه إنذار لها خلال فترة الحمل. وفي السنة الماضية عام الـ2014 صدر قرار يرفع إجازة الأمومة من سبعة أسابيع إلى عشرة، وتم توحيدها في في جميع القطاعات".
العبرة في التطبيق
 وتشير دوغان إلى أن أكثر الحالات غبناً للنساء في سوق العمل اللبناني تتجلى في القطاع الخاص، أما في القطاع العام فهناك قوانين تنطق بالمساواة بين المرأة والرجل ولكن العبرة في التطبيق، إذ أن الممارسات لا تترجم القانون بشكلٍ صريح، وأغلب الحالات النسائية التي تتعرّض للغبن في سوق العمل هي في قطاع التعليم الخاص "إذ أنه كل أول سنة في تموز يستطيع رب العمل أن يصرف المعلمة بإدارته المنفردة، فالكثير من المؤسسات الخاصة لا تقوم بتوقيع عقود عمل مع موظفيها كي لا يترتب عليها أي واجبات عندما يروق لها صرفهم من الخدمة".
 وتحتل حالات التحرّش الجنسي مرتبة عالية في سوق العمل اللبناني، و"لا أي نص في قانون العمل اللبناني يعاقب رب العمل إذا ما تحرّش بموظفته، والكثير من الفتيات يقبلن بأقل من حقوقهن، وربما يسكتون عندما يتعرضون للتحرش خوفاً من أن يفقدن وظيفتهن، وذلك نسبةً لقلة فرص العمل".
صور التمييز
 وعن المواد التي لا تزال الجمعيات النسائية تعمل على المطالبة بها تستعرض المحامية منار زعيتر، صور التمييز، بين المرأة والرجل في القطاعين الخاص والعام، وأكثره في الخاص، في النقاط التالية:
 * النقطة الأولى: قانون العمل اللبناني في الفصل الخاص بالنساء، يحكي عن النساء والأحداث معاً، وهذا بحد ذاته إهانة وانتقاص من قيمة المرأة، لذا تتم المطالبة بفصل حماية المرأة عن حماية الأحداث.
 * النقطة الثانية: لا ينص قانون العمل اللبناني على معالجة أوضاع العاملات في المنازل والأرياف، واستثناء هؤلاء من قانون العمل هو نوع من التمييز، ويهمّش فئة كبيرة من المجتمع.
 * النقطة الثالثة: في كل دول العالم، هناك قانون يعاقب المتحرّش الجنسي في اماكن العمل، وقانون العمل اللبناني لا يعالج، ولا في أي فصل من فصوله ذلك.
 * النقطة الرابعة: إجازة الأمومة، التي وبعد أن تم رفعها لعشرة اسابيع العام الماضي، ما زالت لا تلبّي المعايير الدولية التي تحكي عن إجازة وضع ما قبل إجازة الأمومة، تصل أقلها إلى ثلاثة أشهر.
 * النقطة الخامسة: عملياً، لا مراقبة من قبل الدولة في ما يخص المساواة في الأجر، في القطاع الخاص، ولا عقاب على المؤسسات التي تميّز في الأجور.
 * النقطة السادسة: وترتبط بالواقع أكثر منها بالقانون، وهي البطالة، إذ أن لا سياسات أو خطط وطنية تعمل على تحسين فرص عمل النساء، لا سيما في الأرياف.
تقدّم كبير
 أما في ما يتعلق بعدم تبوّؤ المرأة المراكز القيادية، تؤكد زعيتر أن هذا يعود لكونه جزءًا من الثقافة الإجتماعية اللبنانية التي ترفض تبوؤ المرأة المراكز القيادية ليس فقط في البرلمان بل في المجالس البلدية والاختيارية وحتى في سوق العمل، ولكن في الفترة الأخيرة "حققت المرأة تقدّماً كبيراً، في سوق العمل بشكل عام ومراكزه القيادية بشكل خاص، وإن كان لم يصل إلى المأمول والمرتجى نظراً لكل النضالات التي تقوم بها الحركات النسائية بشكل عام".
 وكوننا نتكلم عن المساواة بين المرأة والرجل، فكان من المُنصف التكلّم مع رئيس دائرة الموظفين في لبنان، أنطوان جبران، والاطلاع على رأيه في هذا الخصوص.
 يؤكّد جبران  أن لا تمييز في قوانين العمل في لبنان بين المرأة والرجل، و"آخر تمييز كان في قانون وزارة الخارجية الذي يشترط على أن تكون المتقدمة للوظيفة عزباء، ويتم العمل على إلغائه اليوم". ويرى أن تعديل قانون العمل الذي حصل مؤخراً، إذ أصبح يمنح المرأة العاملة تعويضاً عائلياً عن زوجها، حتى لو كان قادراً على العمل، بعد أن كان لا يمنحها ذلك من قبل إلا في حال كان الزوج عاجز عن العمل "تشجيعاً للتنابل في البلد تحت عنوان المساواة بين المرأة والرجل".
 نهايةً، لا بدّ من الاشارة إلى أن التمييز بين المرأة والرجل "استنسابي" أكثر منه "قانونياً" في سوق العمل، لا سيّما الخاص منه، إذ يتجلّى التمييز ، في قضية تحديد العمر التي تمارسها الشركات الخاصة تبعاً لاستنسابية كلٍ منها، على النساء، وهذا ما نلمسه كثيراً في التجارب اليومية للنساء العاملات في لبنان.
cadre
 تظهر بيانات سابقة صادرة عن المركز التربوي للبحوث والإنماء، أنّ عدد النساء في الجامعة اللبنانية هو أكبر من عدد الرجال، بينما لا فرق كبيرًا بين الجنسين في الجامعات الخاصة مع تسجيل زيادة لصالح الرجال. وأغلبية النساء اخترن التربية والصحة والخدمات الاجتماعية والدراسات الانسانية للتخصص الجامعي، في حين يتابع أغلب الرجال تخصصهم في مجال الهندسة والبرمجة. لكن رغم كل ذلك، إلا أنّ مشاركة المرأة في العمل لا تتعدى 27% مقابل 73% للرجل، أي ثلاث مرات أقل من الرجال.
 وتشير الاحصاءات إلى أنّ مشاركة المرأة في النشاط الاقتصادي تتأثر إجمالاً بشكل كبير بوضعها الاجتماعي وعمرها، حيث تكون مشاركتها مرتفعة نسبياً عندما تكون في أوائل سن العمل أي بعد الانتهاء من الدراسة أو إكمال الدراسة، لتنخفض مشاركتها في سوق العمل مع بداية المسؤوليات الزوجية ووجود الاولاد، إذ تبدأ المرأة بالانسحاب التدريجي من سوق العمل، في حين تبقى مشاركة الرجل مرتفعة نسبياً على الرغم من خوضه دورة الحياة الاجتماعية والعائلية نفسها.
 وتغيب المرأة عموماً عن فئة أرباب العمل، لتظهر بشكل كبير في فئة المستخدمين الشهريّين أو اليوميّين أو الأسبوعيّين. وتؤكد الاحصاءات حول توزع العاملين بحسب فئات المهن في العمل، أنّ النساء لا يستلمن مهام قيادية في فئة الكوادر العليا والمدراء، حيث يحتل الرجال 82% منها مقابل 18% فقط للنساء.