الثريا رمضان - تونس - خاص بـ " وكالة أخبار المرأة "

مقصلة الحالم، رواية تنفث الدخان في سماء التابوهات التي يخاف الكثيرون فتح ملفاتها، العلاقات الافتراضية، الجنس الافتراضي، العادة السرية كحلّ أخير لإشباع رغبات من يمارسون الجنس كروتين يندرج في إطار العلاقات الزوجية الباردة. العذرية، التي تبقى سمة العفاف لدى المرأة، العفاف الكامل في المجتمعات الشرقية، دون احتساب ما يخرج عن الفخذين.
الشاعر والأديب الأردني جلال برجس في روايته مقصلة الحالم الصادرة عن دار الأهلية للنشر والتوزيع في عمّان لسنة 2013، كسر التابوهات، وأعلنها مع بطلي الرواية خالد وسعاد صرخة البحث عن الحرية من كل السجون المفروضة على الإنسان داخل المجتمع الشرقي.
368 صفحة جمعت بين الواقعية والرمزية في لغة مسهبة في الشاعرية، مع تكثيف للوصف، فكأنّ المؤلّف كان يكتب نبضات قلبه لا أفكاره، معتمدا على تقنية الفلاش باك وعلى المونولوج ليصل بين الحاضر والماضي في حياة الأبطال وبين القارئ وشخوص الرواية، ليترك للقارئ فرصة العيش داخل الحكاية بكل تعاريجها الزمانية والمكانية.
ثنائيّة العقل/العاطفة كانت واضحة في الرواية من خلال البطلين الرئيسيين خالد وسعاد، ولعلّ الكاتب أراد تحطيم الفكرة السائدة القائلة بأن المرأة كائن أكثر عاطفية من الرجل. ولقد برز ذلك جليّا في مناجاة خالد المتواصلة لسعاد، المرأة التي أدخلته المعتقل السياسي لمدة عشرين عاما فقط لأنه رفض حبّها في الماضي. ومن هنا نكتشف المرأة الدّاهية والمتسلّطة، التي لديها من القسوة ما يهدّ جبالا، أمام الرجل الرومانسي الحالم الذي حتى حين دخل معترك السياسة، كان يبحث عن تحقيق حلمه بالمدينة الفاضلة.
ثنائية أخرى ورئيسية نكتشفها عبر أجزاء الرواية، هي ثنائية الواقعي/الافتراضي لنعيش طوال الرواية داخل عالمين متوازيين امتزج أحدهما بالآخر من كثرة ما عاش بينهما البطلان. الفيسبوك كنموذج لهذا العالم الافتراضي يشرّع الأبواب للكثير من التساؤلات التي سنعرّج عليها في ما يلي.
سعاد، ثمرة سجن مجتمعي:
علاقة بدأت بنقرات على اللّوحة الرقمية، لتتحوّل إلى علاقة حب مكتملة الجوانب "افتراضيا" وصوﻻ إلى أرض الواقع.
شخصية سعاد في الرواية تفتح الباب للعديد من التساؤﻻت حول العلاقات الزوجية في المجتمعات العربية، وحول المرأة وكينونتها ومدى تقدير قيمتها من عدمه داخل هذه المجتمعات.
البداية مع القمع العاطفي للمرأة منذ نعومة أظافرها، ليصل بها اﻷمر إلى البحث في مكنونات جسدها، لغة الشهوة التي تفسرها البطلة حبا حسب تحليل فرويد النفسي. الشهوة التي تبدأ أمام المرآة للتثبّت من تعاريج الجسد الناضجة ومدى صلوحيتها لحبيب قد يأتي يوما ما، وقد تفرض الظروف عليها رجلا غريبا سيكون مجرد مرافق جنسي لها بوثيقة رسمية تسمّى عقد الزواج.
العلاقات العاطفية اﻷولى لامرأة مقموعة عاطفيا تصبح مثل الشراب المُسكِرِ في عالم تُمنَع فيه قراءة روايات الحب بدعوى العيب والحرام. لكن التربية المحافظة تغلب سعاد في فكرة الشرف/غشاء البكارة، فتمارس كل الشهوات مع حبيبها دون المسّ بهذا الغشاء. إنه التمرد على النواميس بشكل خبيث. وهنا تبدو لنا سعاد منذ شبابها امرأة متمرّدة وماكرة في الوقت نفسه، عرفت كيف تغطّي ثورتها العاطفية برداء الدهاء لتظل شريفة داخل مجتمعها المنغلق على عاداته وتقاليده.
عند الزواج بدون حب قد تختلف اﻷمور، فإما أن يولد الحب والمودة بين الزوجين، وإما أن تصبح المسألة لعبة محاباة للآخر في كل ما للكلمة من معنى قد يفضي إلى النفاق اليومي. في الرواية، بتر زوج سعاد فكرة الفرح الزوجي منذ الليلة اﻷولى، ﻷنها أحسّت أنها الماكينة التي جُرّت للسرير بوثيقة ستصبح فيما بعد سبب تعاستها النفسية.
علاقة سعاد بجسدها تفسّر مدى ارتباطها بفكرة الحب جسدا قبل الروح، ذلك أنها ظلت لسنوات تراقب تجسّد الحب لدى الجيران في لعبة السرير، بشكل جعلها تنتظر حبا في فراش الزوجية، لكنها اصطدمت برجل أناني، اشترى ماكينة ليلهو بها قليلا ثم يعود إلى حياته الماجنة الملوّنة بالنساء، لتواجه واقعها المرير، زوج خائن وروتين قاتل وأطفال عليها أن تربّيهم في إطار عائلي "سعيد".
إزاء هذه الحياة النمطيّة الحزينة، برزت سعاد بشخصيتها العقلانية، فقرّرت اﻹبقاء على هذه الحياة ظاهريا لضمان حياة متوازنة ﻷطفالها، وخلق حياة موازية خاصة بها، وهنا يفتح المؤلّف جلال برجس ملف العلاقات اﻻفتراضية ومدى قدرتها على التجذّر في الحياة الواقعية، لتصبح حبا مترسّخا في قلبين على أرض الواقع. تلك العلاقات بكلّ ما تحمله العلاقات "الطبيعية" من تفاصيل، حتى الجنسية منها، كانت موضوعا لعدد من المقاﻻت الصحفية، لكنها لم تكن يوما موضوعا لرواية أدبية بهذا البذخ في الوصف والتعمّق في أدقّ التفاصيل. الفيسبوك متّهم لدى الكثيرين بأنه سبب خراب بعض العلاقات الزوجية وانهيار بعض اﻷسر، لكن جلال برجس في روايته مقصلة الحالم، لم يُعطِ النتيجة بل مدّنا باﻷسباب التي تجعل شخصا متزوّجا يبني علاقة حب افتراضية متكاملة الجوانب، إذ قام بالبحث عن أسباب الهروب من الواقع المعاش إلى الواقع اﻻفتراضي، ليبحث في جوانب الشخصية اﻹنسانية المقموعة والباحثة عن التعويض النفسي داخل فضاء ﻻ يمكن فيه لمس اﻵخر، لكنّه يفتح نافذة الخيال والحلم.
الجنس اﻻفتراضي جُزء ﻻ يتجزأ من هذه العملية التعويضيّة، الهدف منه خلق نمط جديد من الحب المرتبط بالشهوة، في هذه الرواية كانت شهوة متجذرة في أعماق المرأة المكبوتة عاطفيا منذ طفولتها.
هنا يدخلنا جلال إلى عوالم سعاد، ليبرز مدى رفضها لعالم الرجل من خلال توفير اللّذة الجنسية لنفسها بنفسها في إطار ممارسة العادة السرية، وهو نوع من التمرّد على منظومة رجالية تحرك المنظومة الجنسية في الشرق، فالرجل مسموح له بممارسة الجنس كما يشتهي، ليس فقط لأنه مُنزّه عن كل الذنوب والخطايا اﻷخلاقية، وإنما ﻷنه ﻻ يملك غشاء البكارة الفاضح للـ"شرف" في مجتمع ﻻ يرى من الشرف إﻻ هذا الغشاء، القابل للتبديل في سوق طب التجميل بغشاء صيني رخيص. وبالتالي فقد اعتبر الرجل داخل هذه المجتمعات المصدر الرئيسي لهذه اللذة، التي هي باﻷساس غريزة إنسانية ﻻ عيبا خلقيا. في حين قررت سعاد الاستغناء عن هذا المصدر لتثبت أن الرجل لا يملك جميع مفاتيح اللذة.
خالد، حلم التحرّر ورمزية المعتقل:
خالد، الرجل الحالم، الحامل في قلبه الحب البدوي بكل تفاصيله النقية من إخلاص وصدق وبراءة، يصطدم بمفهوم الغدر منذ سنواته الأولى في المدينة وهو طالب جامعي، سواء في مشهد خيانة خطيبته له، أو دخوله المعتقل بتهمة ملفّقة له، أو تحطّم فكرة الحزب المناضل من أجل الحريات والديمقراطية. خالد في ما بعد يُصبح المحبط من غدر الحياة بشكل عام، إذ كان في كل محاولة له للبحث عن الحرية يدخل معتقلا جديدا.
المتصفّح لرواية مقصلة الحالم، يكتشف ليس فقط المعتقل السياسي بكل غرائبيته، بل أيضا معتقلا نفسيّا يعيش فيه خالد بكل ما يحمله من شروخ داخل الشخصية، وهو ما يبرزه الكاتب في جملة "أقسى أنواع الغربة هي الغربة في الوطن". إحساسه بالغربة كان يفسّر هروبه المتواصل داخل غرفته، وفي ما بعد هروبه نحو العالم الإفتراضي.
بعد خروجه من المعتقل السياسي، بقي بطل الرواية عالقا داخل قضبان سجن آخر، زُرِع في داخله، بعد أن اصطدم من جهة، بتغيّرات العصر وسرعته والتكنولوجيا التي تتحكّم به، ومن جهة أخرى بموت أغلب أفراد العائلة وتركِ البقيّة منهم للبلاد بحثا عن موارد رزق أفضل. فانعزل داخل غرفته في بيت يجمعه وجدّته في القرية، جدّته، ذلك الشخص الوحيد الذي تبقّى من زمن بريء من نزق الحياة. غرفته جمّعت أجزاء شخصيّته الحالمة داخل روايات ودواوين شعر ودفاتر جمع فيها كتاباته على مدى سنوات، وموسيقى كلاسيكية مثّلها في الرواية بأعمال أندريا بوتشيلي الفنية.
كان خالد طوال رواية "مقصلة الحالم"، يبحث عن الحرية، حرية الإنسان/المواطن، الإنسان/العاشق، الإنسان/الجسد، الإنسان/الكبرياء. وخلال رحلة البحث، دخل العالم الافتراضي من خلال شبكة الفيسبوك، هذا العالم الذي أكسبه مدى آخر للتعبير عمّا يُخالجه على مرآى ومسمع من أشخاص لا يحتاج في التعامل معهم إلى تعاملات مجتمعية واقعية، أو مجاملات وتعاملات ملموسة. في هذا العالم أيضا، ظهرت له سعاد، شدّته إليها، وجرفته نحو علاقة حبّ كانت في بدايتها انعتاقا من عزلته وسجنه، لكنّها في نهايتها أدخلته معتقلا جديدا، هو معتقل المرأة/الحبيبة. ومن هنا تبرز شخصية خالد المرتبطة بشكل كبير بسعاد/الصدر الحنون/الأمّ، خاصة وأنه كان يعشق النوم على صدرها ورضاعة نهدها كطفل صغير يبحث عن الدفء هربا من برد الشوارع وأوجاع روتين الحياة.
خالد، شخصية بقيت تعيش الحلم في عزلتها الاختيارية، حتى صنع لنفسه عالما موازيا داخل مدينة افتراضية يحاول التحليق فيها نحو أحلامه المثالية، وتبقى الأنثى دائما سيّدة الموقف، فهي بالنسبة إلى خالد المحرّك الرئيسي للأحلام، المرأة التي تختطف الغرباء في المدينة الافتراضية ليتمكّنوا من التحليق بكل حرية، الأمّ الحنون الغائبة الحاضرة في الذاكرة وفي صورة الحبيبة، الحبيبة التي توقظ الشبق والمشاعر في الوقت نفسه لدى الرجل، والمرأة القوية القادرة على كسر النواميس المجتمعية.
خالد راوح أيضا بين الخيال والواقع، من خلال شخصيّة الذئب التي كانت حاضرة معه في كامل الأحداث تقريبا، لكنها في الحقيقة كانت حاضرة في ذهنه فقط، وليست هذه الشخصية سوى صورة خالد نفسه، الوحش/الرجل الذي وجد نفسه مطرودا من القطيع ومنبوذا من الجميع. جلال برجس يطرح تساؤلات عن شخصية الذئب على لسان خالد، في محاولة للتعمّق فيها، ونحتِ صورتها بشكل أكثر وضوحا، إذ نستشفّ منه أن الذئب ليس وحشا مخيفا غدّارا، بل هو في حقيقة الأمر كتلة من مشاعر الغربة والحزن والإحباط، عبّر عنها بعوائه، وكان العواء صرخة خالد في رحلة بحثه عن الحريّة.
"مقصلة الحالم"، عنوان حمل فكرة اليأس والموت لرواية مليئة بالأحداث المتشعّبة والمشوّقة ضمن عالميْن متوازييْن. لكنّ المشهد الأخير جعلنا نتشبّث بشيء من الأمل، بوصول رسالة الكترونية لسنا ندري فحواها، لأن التكنولوجيا قالت كلمتها الأخيرة مع انتهاء الشحن للحاسوب، لتتحكّم حتى في تلك الشعلة التي انتظر خالد، والقارئ معه، أن تتّقد من جديد.