تحقيق: ليلى العماري - فيينا - خاص بـ " وكالة أخبار المرأة "

لحظات عصيبة تطبع الألم بأقسى صورة في نفوسهن، بشفرة حادة وفي أحسن الأحوال بمشرط  طبي، تذبح طفولتهن وتتشوه نفسيتهن إلى الأبد، بسبب أفكار مغلوطة عن الدين وعادات وتقاليد موروثة، تُورث قهر البنات والعبث بأجسادهن ومصائرهن، بل وحياتهن. فكثيرةهي أوجاعهن التي يعشنها بصمت ويتألمن لحالهن الذي أصبح لا يطاق، يُصبن بلحظات من الإنكسار، ويتحسرن فقط للأنهن خلقن إناثا في مجتمعات تحقر من شأن المرأة ورغباتها وتحرمهن حقوقهن من دون أي وجه حق. بدور، فاتن، نيرمين، سهير وغيرهن من الفتيات في عمر الزهور فقدن حياتهن، ولكنهن لسن آخر الضحايا لظاهرة ختان البنات أو "الخفاض" كما يسمى فقهيا. والذي تعرفه الأمم المتحدة على أنه " كل العمليات التي تهدف لإزالة جزء أو كل الأعضاء التناسلية الخارجية للفتاة". وتشهدعملية ختان البنات إنتشارا كبيراعلى الصعيد العالمي على الرغم من الجهود الدولية والقوانين المحلية، التي تجرم هذه الظاهرة. ونظرا لخطورة هذه الممارسات التي تعد إنتهاكا لحقوق الإنسان لما تخلفه من أثار سلبية على نفسية وصحة المرأة، عملت وكالة أخبار المرأة على تسليط الضوء على هذه الظاهرة من خلال الحديث مع بعض السيدات الاتي عشن تجربة الختان، ونظرا لحساسية الموضوع فإننا ننوه أن كل الأسماء المستعملة في هذا التحقيق هي أسماء مستعارة..
خديجة من الصومال: لحظات لا تنسى وآثار لا تمحى.
خديجة إمرأة صومالية، تبلغ من العمرأربعين عاما, وهي أم لأربع بنات، عانت من جراء الجهل وإستغلال الدين وبراءتها. كانت في العاشرة من عمرها حين تعرضت لعملية الختان، فقدت فيها جزءا من أنوثتها، وعندما سألناها عن تفاصيل الحادثة، وبعد صمت طويل وحسرة إعتلت صدرها وخجل بات واضحا على ملامح وجهها الجميل قالت: " كان عمري 10 سنوات في ذالك الوقت، وبينما كنت نائمة أخذت عمتي تهمس في أذني لكي أستيقظ، لأذهب للسوق وأشتري لها ثلاث شفرات حلاقة، فوجئت حينها بهذا الطلب وسألتها لمن هذه الشفرات؟ ولماذا تريدينها؟ ولكنها نهرتني وقالت لي لاتسألي، إذهبي فقط. ذهبت ولم أكن أعرف حينها أني كنت ذاهبة لأشتري الشفرات نفسها التي ستذبح بها طفولتي، وتقطع بها جزءا من أنوثتي،وتتشوه بها روحي إلى الأبد". وتضيف خديجة قائلة: " بعد أن رجعت من السوق أخبرتني عمتي أنه حان الوقت "لتطهيري" وإزالة "نجاسة"وقذارة في الجزء السفلي من جسدي الصغير، وهو شيء حرام لابد إزالته لأصبح طاهرة ونظيفة، وبالتالي مؤهلة لممارسة الشعائر الإسلامية كالصوم والصلاة وحتى حج بيت الله الحرام، وبما أني كنت صغيرة حينها، ولا أفرق بين  الحلال والحرام، وافقت بإعتباري أني لست الوحيدة التي تم ختانها وإنما كل أخواتي العشر، وقريباتي وصديقاتي،لأن ختان البنات يعتبر من العادات والتقاليد في الصومال. وبعدها أخذتني عمتي لبيت جارتنا العجوزوهي الخاتنة، وفي غرفة شبه معتمة، إستلقيت على ظهري، ثم أمسكت عمتي بيدي بقوة حتى تسيطر على جسدي، وبعدها قامت الخاتنة بتفريق قوائمي بعنف شديد، وبدون تخديرموضعي قامت بقطع كل أعضائي التناسلية الخارجية، ولايزال صوت القطع يرن في أذني إلى حد الآن، بعدها غسلت الخاتنة مكان الجرح بالماء الدافئ والملح ووضعت الرماد لإيقاف نزيف الدم، ومن ثم قامت برتق الجرح أي " الإقفال" حيث عملت على سدّ بوابة الجهاز التناسلي الذي قامت بقطعه، ولم تُبقي إلا على منفذ ضيق للبول". تصمت خديجة طويلا خلت أنها لن تعاود الحديث، قبل أن تواصل قائلة" لا أتذكر الصراخ بل أتذكر الألم الشديد والحرقان الذي شعرت به، كما أتذكر جيدا عمتي وهي تجمع قطع اللحم التي أُقتطعت من جسدي، ودمائي التي كانت في كل مكان. لحظات لاتنسى، فلقد كنت أصرخ لماذا فعلت بي ذلك؟ لكن عمتي كانت فقط  تقول لي  لقد أصبحت طاهرة وعفيفة يجب أن تفرحي لذلك. ولكن كيف كنت لأفرح و جزء مني قد مات، شعرت حينها أن روحي إنفصلت عن جسدي.الكل كان يهنيئني بهذه المناسبة إشترت لي عمتي الألعاب والذهب ووضعت لي الحنة، الكل كان سعيد إلا أنا كنت ساخطة على الجميع وناقمة تحديدا على عمتي. تسكت خديجة برهة ثم تقول " بقيت بعدها شهرا كاملا لا أستطيع دخول الحمام، كما أتذكر أمي حين كانت تضع الأكل لإخوتي،وكنت كلما أردت الأكل معهم كانت تمنعني وتضربني، فلقد مُنعت من الأكل لمدة شهر كامل، لكي لا أضطرلدخول الحمام مما قد يتسبب في إنفتاح الرتق. حتى البكاء مُنعت منه،لأن البكاء الشديد من الممكن أن يتسبب في إنفتاح الجرح. لقد مرت علي أيام كنت أبكي في داخلي،لاأنام من شدة الألم، وبقيت بعدها 6 أشهرلا أتكلم". ثم تضيف قائلة" ذالك اليوم لم يترك فقط ألما في نفسي  وشرخا في روحي، ولكن أيضا ألام في جسدي لازلت أشتكي منها إلى حد الآن ، فإلى جانب الإلتهابات المزمنة التي كنت أعاني منها، كانت أيضا الألام الشديدة لدورة الشهرية، مما إضطررت لزيارة الطبيب، الذي أكد بدوره على أن أسباب هذه الألام هو إحتباس دماء الدورة وعدم قدرتها على النزول بسبب "الإقفال"، فلم يكن أمامي سوى التعايش مع هذا الألم لسنوات، بإعتبار أن " الإقفال" مستحيل فتحه قبل الزواج". تصمت خديجة ثم تواصل ساخرة : " تزوجت وظننت أن الألم سينتهي ولكن علمت بعدها أن أن رحلتي معه مازلت طويلة، فبعد الزواج مباشرة كان لابد من شق الإقفال بشكل جزئي، كما أنه مع كل ولادة  كنت أشق الرتق ثم يعاد مرة أخرى،عذاب لا يوصف  ناهيك عن الشعور بالألم المتواصل مع كل علاقة حميمة مع زوجي وخصوصا في السنوات الأول من الزواج، مما يضطرني في كثير من الأحيان إلى رفض العلاقة والشعور بالنفور، ومع الوقت قلّ الألم ولكن شعوري بعدم المتعة أوالرغبة أثناء الجماع لازال موجود، كما أن العلاقة الحميمة بالنسبة لي شيء واجب فقط. والشعور الوحيد الذي يتملكني عند العلاقة الجنسية هو الشعور بالدونية والبشاعة، فأنا أعرف أن جهازي التناسلي مشوه وأني قبيحة ولست مثل غيري من النساء الطبيعيات، ونفس الشعور ينتابني أيضا كلما زرت طبيبة نساء وخصوصا أني أعيش في بلد أوروبي، كنت أرى نظرات الصدمة والشفقة في عينيها، لتسألني بعد ذلك السؤال الذي كنت دائما أتوقعه وهو من أي بلد أنت؟ من فعل بك ذلك؟ كيف كان شعورك حينها؟ فيأسفون على حالي، ولكن أسفهم لن يكون أكثرمن أسفي على نفسي، فكنت دائما أتسأل لماذا أنا؟ تسكت خديجة برهة من الزمن وكأنها تبحث عن جواب لتعاود الحديث والدموع  تترقرق في عينيها:" كان ظلما شديد القسوة ما حدث لي، لأني لا أفهم على ما كنت أعاقب، كما أن  فللختان آثار نفسية على المرأة لا تعطى لها أهمية على الرغم من كونها تعيش معها مدى الحياة، ففي ثقافتنا ليس لنا الحق في الإكتئاب، فالإكتئاب لاوجود له، فلقد مررت بفترة طويلة لم أكن أشعر أني على ما يرام. أما الآن فبت أربط الأمور ببعضها. كما تأكد لي أن الختان لا علاقة له  بنظافة أوطهارة أو عفة الفتاة والأهم من ذلك، أن الختان لاعلاقة له بالدين، والدين بريء منه، وإنما هو نتيجةعادات وتقاليد بالية، لمجتمعات جاهلة، صعب جدا تغيرها، ولكن الشيء المؤكد بالنسبة لي ولا جدال فيه هوأني سوف أحمي بناتي لآخر رمق في حياتي كي لا يتعرضن للأذى ولا يعشن تجربتي القاسية مع الختان الذي لا تزال عواقبه على حياتي الشخصية والجنسية وحياتي كإمرأة. إنه مثل الموت البطيء وأثاره ستبقى معي مدى الحياة لا تمحى".
محاسن من مصر: ما ذهب لا يمكن تعويضه ولكن يجب تغير العقلية.
محاسن سيدة مصرية عمرها 43 سنة لديها 3 بنات وولدين، وحول تجربتها مع الختان تقول:" كان عمري 12 سنة عندما حدث ذلك المشهد المرعب الذي لم أنساه أبدا، وهويوم ختاني، كان يوم عادي في بدايته، ولكنه إنتهى آخذا معه برائتي، طفولتي وأنوثتي، تاركا وراءه حزن وألما لازلت أشعر بهما إلى حد اللحظة. في ذلك اليوم جاءت الخاتنة للبيت، لم أكن أعرف ما ينتظرني، إذ لم يخبرني أحد،ففي بيتنا ليس للفتاة الحق في السؤال أو النقاش أو حتى التفكير، عليها الإنصياع للأوامر فحسب، لذلك عندما طُلب مني الإستلقاء على ظهري، فعلت ذلك بكل طواعية، حينها أمسكت والدتي يدي بقوة في حين فتحت الخاتنة قوائمي بأكبر قدر ممكن لكي يتسنى لها قطع الجزء البارز من البظروالشفرين الصغيرين المعروفين بإسم "الورقتين" وذلك بإستعمال "موس" شفرة الحلاقة من دون  تخدير موضعي". تسكت محاسن وكأنها ترى الحادثة أمامها ثم تتنهد وتكمل حديثها قائلة:" أذكر جيدا تلك الشفرة الحادة القديمة التي كانت بيد الخاتنة وأثار دمائي على حافتها، شعرت بعدها بآلام شديدة وحرقان، بقيت بعدها أكثر من أسبوع لم أدخل الحمام من شدة الألم المتواصل، ناهيك عن الشعور بالصدمة والحسرة والإنكسار، فلقد كنت مثل الحيوان الذي يؤخذ للذبح وهو لا حول له ولاقوة " منذ ذلك اليوم شعرت أني كبرت فجأة ". وتضيف قائلة: " ظننت أن ألام الختان ستزول بعد شهر أوسنة  ولكني لم أكن أعلم أنها سترفقني مدى حياتي لتصبح رفيقة دربي. فمع كل دورة شهرية أشعر أن حياتي ستتهي من شدّة الألم، ناهيك عن معاناتي في كل فترة من فترات حملي وولادتي، أضرار طالت حتى حياتي الزوجية، ففي السنوات الأولى من زواجي كنت أعاني كثيرا أثناء المعاشرة الزوجية، مما يدفعني إلى التقصيرفي فترة اللقاء الجنسي الذي لا يحقق لي الرضاء، مما يدفعني إلى رفض الجماع في أغلب الأحيان، والذي أزّم الوضع أكثر في ذلك الوقت هو سفر زوجي الذي كان بعد الزواج بمدة قصيرة. أما الآن وبعد مرور السنوات فأستطيع القول أن الجنس بالنسبة لي مجرد واجب لا متعة فيه، مثل الذي يأكل فقط للأكل دون الإحساس لا بمتعة ولا بطعم الأكل". تضيف محاسن وفي صوتها نبرة من الغضب قائلة: " كلما تذكرت الحادثة ألوم والدتي على ذلك فلقد حرمتني من حقي الجنسي الطبيعي الذي وهبه الله سبحانه وتعالى لي، والذي أوجده في جسدي، كل ذلك- كما قالت والدتي- لتضمن عدم إنحرافي أخلاقيا وجلب العار للعائلة". وتضيف محاسن ساخرة: " في المنطقة التي نشأة بها تعتبر ختان البنات من العادات الضرورية التي ترتبط بالمفهوم التقليدي للعفة والشرف وحسن سيرة الفتاة وتوفر فرص الزواج، والمتمثل في أن المرأة العفيفة هي السلبية جنسيا، في حين أن العفة وحسن السيرة والمحافظة على الشرف مرتبطة بتربية الفتاة و القيم التي نشأة عليها وليس بالختان. لذلك يجب تغيير هذه العقلية، والتغيير يجب أن يبدأ من الأم بإعتبارها هي العنصرالمؤثر في مدى تواصل هذه الظاهرة أو القطع معها. فختان البنات مثل ظاهرة الثأرالتي قضت على عائلات بأكملها في الصعيد المصري، والأم هي العنصر المساهم في ذلك فهي التي تلح  على إبنها وتدفعه للأخذ بالثأر،ولوكان تفكيرها منحصر في مصلحة إبنها ومستقبله لكانت سامحت وتغاضت نفس الشيء مع ظاهرة ختان البنات لو أن الأم فكرت في مستقبل إبنتها ومدى أضرارهذه الممارسات علي حياتها، خصوصا أنها هي في حدّ ذاتها عاشت التجربة سابقا،لكانت ظاهرة الختان في طي النسيان.لذلك أنا كأم لثلاث أبناء أرفض أن أعرض بناتي لهذه التجربة القاسية. و أعمل جاهدة على التقرب منهن وإعتماد سياسة التحاور معهن.
نفيسة من السودان: الختان جريمة وجوب مزيد التوعية بها.
كانت نفيسة في السادسة من العمر حين تعرضت لعملية الختان في أجواء إحتفالية، وتروي نفيسة التي بلغت اليوم 39 من عمرها ما عاشته في ذلك اليوم فتقول: "أذكر أني كنت سعيدة، فلقد إشترت لي أمي ذهبا ووضعت لي الحنّة فلقد ظننت ذلك اليوم وبكل تفكيرطفولي، بريء أنه يوم عيد، ولم أكن أدرك حينها أنه في نفس ذلك اليوم سوف تُغتال طفولتي، وتُنتهك أنسانيتي وتتشوه أنوثتي بإسم الدين والعفة والطهارة. ذهبت يومها مع أمي وجدتي لخاتنة معترف بها، هناك بدأت أدرك أن شيء سوف يحدث لي خاصة عندما أمسكت أمي كلتا يدي بقوة، وفتحت جدتي قوائمي بكل قدرممكن لتقوم الخاتنة بعد أن وضعت تخديرموضعي بإستأصال مقدمة البظر وجزءمن الشفرتين الكبيرتين. أحسست حينها بألم شديد، قمت بعد ذلك وأنا أمشي بصعوبة مبتورة الأعضاء ومكسورة الروح" ثم تصمت نفيسة وتغمض عينيها وتغطي وجهها بكفيها وكأنها تريد أن تمح تلك الذكريات المؤلمة من عقلها لتعود بعد برهة من الزمن لتضيف: " كانت صدمة بالنسبة لي، أذكر أني بقيت بعدها أكثر من نصف شهر لا أستطيع دخول الحمام، ولا حتى النوم جراء الألم والخوف والصدمة، ومنذ ذلك اليوم بدأت رحلتي مع العذاب، فلقد كنت أعاني من آلام مبرحة مع كل دورة شهرية، بسبب إنحباس الدم وعدم قدرته على النزول، إلى جانب معاناتي مع كل ولادة لي، إذ لابد من فتح رتق الختان مع كل ولادة ثم يعاد خياطة المكان مجددا.هذا إلى جانب الألام التي أشعر بها في العلاقة الحميمة مع زوجي. إن تجربة الختان لا يمكنها أن تمحى من ذاكرتي فلقد تركت صدمة وندوبا عميقة جدا في نفسيتي، لذلك يجب القضاء على هذه العادة السيئة وأن يدرك المجتمع أن الدين لا يرضى بالظلم والعذاب، والعفة والمحافظة على الشرف مرتبطين بشخصية الفتاة وتربيتها وليس بكونها مختونة أم لا، ولا يتم هذا الإدراك إلا من خلال التوعية المجتمعية الصحيحة، وتوضيح أضرار الختان ومخاطره على المرأة، ويكون ذلك من خلال الجلسات والندوات في المساجد وأيضا من خلال وسائل الإعلام مثل لإذاعة التي يمكن أن تصل إلى كل مكان وكل الشرائح الإجتماعية مثل الفتيات الصغيرات وربات البيوت وخاصة في الأرياف وعند الفئات الأمية.
سهيرمن مصر: للختان فوائد وليس له علاقة بالرغبة الجنسية لدى المرأة.
سهير تبلغ من العمر 35 سنة وهي أم لثلاث بنات، تعتبر نفسها محضوظة لأن عملية ختانها كانت على يد طبيب، كما ترى أيضا أن للختان فوائد على صحة المرأة، وعن تجربتها مع الختان تقول: " كان عمري12 سنة عندما تم ختاني، وبما أن أمي كانت متوفية فلقد تكفل أبي بهذا الأمر، علما بأن أبي رجل مثقف، ففي ذلك اليوم جاء الطبيب للبيتنا، وأخبرني أبي أنه سيتم ختاني، وأنها سنة عن الرسول عليه الصلاة والسلام كما تعتبر نظافة وطهارة لي. وتضيف سهيرإستلقيت على ظهري وأمسك أبي يدي بقوة في حين وضع الطبيب تخديرموضعي، ثم قام بإستأصال غطاء البظر، لكني لم أشعر بالألم إلا في آخر القطع،ثم قام الطبيب بتعقيم الجرح.بقيت بعدها أشعر بألم وحرقان، ولم أستطيع دخول الحمام لمدة 3 أيام". وتأكد سهير قائلة: " إن عملية الختان لم تأثر على نفسيتي، فعلى العكس كنت طيلة أسبوع الختان فرحة ومدللة وكل طلباتي كانت مستجابة، كما أني لست الوحيدة التي تم ختانها فكل صديقاتي تقريبا هن مختونات فعلى العكس أذكر جيدا أننا كن نسأل بعضنا عن تجربة كل واحدة مع الختان ومن كانت أقل نزيفا أو أقل ألام". وتضحك سهيروتقول: " حتى أني كنت أنا من حضرت لختان بقية أخواتي، وأنا من أمسكت بأيديهن لكي لا يتحركن أثناء عملية الختان". وحول الآثار الجسدية للختان تقول سهير لم يترك لي الختان آثار جسدية فلا أعاني من آلام أثناء دورتي الشهرية كما أن كل ولاداتي كانت طبيعية وألامها كانت طبيعية مثل أي إمرأة غير مختونة. بل على العكس فالجزء الذي تم إزالته لدي هوعبارةعن جزء ميت لا يصله الأكسجين، وبالتالي لا إحساس فيه، لذلك من المستحسن إزالته، لأنه من الممكن أن يصبح مكان حاملا للأوساخ والبكتيريا". أما عن المضارالنفسية للختان فتأكد سهيرقائلة: " لم أشعر يوما أن عملية الختان قد تركت أثر في نفسي،كما أني لم أشعر يوما بعقدة النقص أوالدونية، أوأني لست كغيري من النساء الغيرالمختونات،حتى طبيبة النساء قالت لي أن عملية ختاني قد تمت بالشكل الصحيح". وحول تأثير الختان عن العلاقة الجنسية تقول سهير" ليس لدي أي مشاكل في علاقتي الحميمة مع زوجي، إذ لاعلاقة للختان بالرغبة أو المتعة الجنسية لدى المرأة، فالرغبة الجنسية تبدأ من الدماغ، كما أن للمرأة العديد من المناطق في جسمها يمكن أن تُثار بها" وتضيف " بالنسبة لي نجاح العلاقة الحميمة بين الزوجين تقتصر على كيفية تعامل الرجل مع زوجته. فالمرأة كائن حساس تستطيع أن تُثار بأبسط الأشياء ككلمة حلوأوهمسة، دون أن ننسى دور المداعبات الجنسية والعناق وغيرها من الأشياء التي من شأنها أن تكون مواطن متعة وإثارة عوض الجهاز التناسلي للمرأة. فبالنسبة لي فإن إتهام المرأة المختونة بالبرود الجنسي ماهو إلا حجة وذريعة يخفي بها الرجل أنانيته وفشله في التعامل مع زوجته".
بهذه الكلمات أنهت سهير حديثها عن تجربتها مع الختان لتكون واحدة من بين الملايين من النساء الاتي تعرضن لهذه الظاهرة التي تشكل مأساة تعيشها الفتاة وترافقها طيلة مراحل عمرها، بلحظات يملأها الشقاء والتعاسة والألم وذلك بإسم الدين والعفة والمحافظة على الشرف في حين أنها ليست سوى عادات وتقاليد لشعوب جاهلة. ولكن وعلى الرغم من الجهود المحلية و الدولية لمواجهة هذه الظاهرة ومناهضتها إلا أنها لازالت في تزايد وإنتشار إلى يومنا هذا.
ترسانة قانونية محلية ودولية ولكن....
لايمكن لأحد أن ينكر النجاح الذي حققته الجهودات الدولية والمحلية في التعجيل بالتخلي عن ممارسة ظاهرة ختان البنات ففي بعض المجتمعات تم سن قوانين وإصدارعقوبات ساعدت على زيادة الوعي بهذه المسألة. كما إعتمد عدد آخر من البلدان برامج مراعية للاعتبارات الثقافية بهدف تغيير العادات الاجتماعية وذلك من خلال الأنشطة الإجتماعية التي يشارك فيها القادة المجتمعيون جنباً إلى جنب مع الرجال والفتيان.أما على الصعيد الدولي فتتمثل الجهودات في مناهضة ظاهرة ختان البنات خاصة في التزام صندوق الأمم المتحدة للسكان بتعزيز وحماية حقوق الإنسان، بما في ذلك حقوق الشباب، وبخاصة حقوق المراهقات، هو التزام صريح لا لبس فيه. كما جرى التأكيد على أهمية تعزيز وحماية وإعمال حقوق النساء والفتيات في القرار التاريخي الذي إتخذته الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 2012 بشأن تكثيف الجهود العالمية من أجل القضاء على تشويه الأعضاء التناسلية للإناث. و قد تم التأكيد على الدعوة بالتعجيل بالجهود المبذولة في هذا المجال مؤخراً في المؤتمر الدولي الذي عقد في روما في تشرين الأول/أكتوبر 2013 بشأن مكافحة ظاهرة ختان البنات، ونظمه صندوق الأمم المتحدة للسكان ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، واستضافته حكومة إيطاليا. وبالتالي فإن إنهاء هذه الممارسة هو رهن لمدى الاستجابة لتلك الدعوة العاجلة. كما ويشارك صندوق الأمم المتحدة للسكان واليونيسيف في تنفيذ أكبر برنامج للأمم المتحدة للتعجيل بالتخلي عن ظاهرة ختان البنات.
بيد أن التحدي المتمثل في القضاء على هذه الظاهرة في كل مكان لا يزال تحدياً هائلاً يستلزم من جميع الأطراف الدولية والمحلية مضاعفة الجهود تحقيقاً لهذا الغرض. فتلك الممارسة إنما تترتب عليها آثار مدمرة على المديين القصير والطويل بالنسبة لصحة النساء والفتيات على السواء. ولابد من حمايتهن وتوفير الدعم لمن تعرضن لهذه الممارسة الوحشية ومعالجة ما يعانينه من آثار ضارة على صحتهن الجنسية والإنجابية. وعلى الرغم من الجهود التي بذلت على مدى قرن من الزمان لوضع حد لهذه الممارسة، إلا أنه لا يزال هناك ملايين الفتيات حول العالم يتعرضن لخطر الختان،.فقد تعرضت 125 مليون فتاة للختان في 29 بلداً في أفريقيا والشرق الأوسط حيث يتركز انتشار هذه الممارسة. ووفقاً لتوقعات صندوق الأمم المتحدة للسكان، هناك 86 مليون فتاة أخرى في مختلف أنحاء العالم يحتمل أن يخضعن لهذه الممارسة بشكل أو بآخر بحلول عام 2030 إذا ما استمرت الاتجاهات الراهنة بمعدلاتها الحالية.وليس من المقبول الاستمرار في هذه الانتهاكات لحقوق الإنسان التي تشكل تهديداً لحياة ومستقبل العديد من النساء والفتيات، وتعد إهانة لكرامتهن الإنسانية، واعتداء على صحتهن، وعقبة أمام رفاه أسرهن ومجتمعاتهن وبلدانهن. فلا سبيل إلى تحقيق التنمية البشرية الكاملة إذا ما استمرت حياة النساء والفتيات في ظل هذا الانتهاك لحقوقهن أو الخوف من تعرضهن له
إننا لسنا أمام ظاهرة فقط أو أمام قصص تحكى وتروى للحاضرين ولكن نحن أمام قضية تأزمت خيوطها منذ أقدم العصور وحتى هذه اللحظة لم تستطع كل هذه الحضارات والعولمات وكل التكنولوجيا أن تقلل أو تزيل من نسبة انتشارها سوى النسب البسيطة برغم كل الجهود التي تبذلها المنظمات الإنسانية والصحة العالمية في الحد من ظاهرة ختان البنات إلا أنها تعجز أحياناً في نزع أو تصحيح المعتقدات والثقافات المجتمعية الخاطئة التي ترسخت معهم منذ نشأتهم فقط لأنها تبيح الممنوع وتكشف المستور وتهتك أعراض من لا ذنب لهن ومن هنا تبدأ رحلة الكبت والمعاناة الأسرية بحجة العفة و الطهارة ولكن هي قضية من قضايا الصحة الإنجابية التي تؤثر سلباً على الملايين من النساء والفتيات على مستوى العالم فهي جريمة في حق المرأة، نعم جريمة لأنها غير مشروعة وفقاً لقانون العقوبات إذ ينطوي عليها ثلاثة جرائم وهي الإيذاء الجسدي و هتك العرض وممارسة العمل الطبي بدون ترخيص حيث هناك المئات بل والآلاف من النساء من يقمن بهذه المهنة وبأدوات بدائية وغير معقمة.
وبالتالي ونحن في بدايات القرن الحادي والعشرين، لا ينبغي لأي امرأة أو فتاة أن تتعرض للمعاناة أو الموت من جراء ظاهرة ختان البنات. بل يجب التصدي لكل ضروب الإجحاف الدائبة التي تؤثر سلباً على صحة النساء والفتيات وعلى رفاههن. إن كل فتاة وكل شابة، أيًّا كان المكان الذي تعيش فيه، وأيًّا كانت ظروفها الاقتصادية، لها الحق في تحقيق إمكاناتها البشرية، دون قسر أو ضرر أو عنف. وبمقدور بل ومن واجب جميع الأطراف الدولية والمحلية أن تكفل لها ذلك. وما يصبو إليه الجميع من مستقبل مستدام ومنصف وشامل إنما يعتمد على ما يُتخذ اليوم من إجراءات تكفل الكرامة والصحة والرفاه لكل الفتيات