غزة - الأناضول - " وكالة أخبار المرأة "

لا تحتاج ألكساندرا جورج، أوكرانية الأصل، سوى إلى دقائق معدودة كي تقوم بقص وترتيب شعر إحدى الشابات التي ارتادت صالونها الخاص لتجميل السيدات، الواقع غرب مدينة غزة. وتشعر جورج (36 عاما) بالرضا، فور أن تنظر "الفتاة الشابة" إلى نفسها بالمرآة، وتُطلق صيحة إعجاب وهي تشاهد صورة جديدة لها، بوجهٍ يحظى بأطراف "غُرة" تدرجت على جبينها بشكل لطيف. وتتلّقى جورج عبارات ثناء، ومديح من اللواتي يرتدنّ صالونها، لما تتميز به من أسلوب فريد في "قصات الشعر"، وهو أسلوب لم يكن وليد اللحظة كما تقول صاحبة العينين الزرقاوين لوكالة الأناضول. فثلاث سنوات من دراسة التجميل وفن الكوافير في بلدها أوكرانيا، ثم خمسة أعوام من الخبرة والعمل في قطاع غزة، أتاحت لها كما تؤكد هذه "السمعة الطيبة". وجورج واحدة من بين عدد من النساء الأجنبيات يعشنّ في قطاع غزة، بعد زواجهنّ من فلسطينيين، وأرادت من خلال العمل ككوافير للنساء الاندماج في الحياة وتفاصيلها اليومية والتغلب على "غربة الأهل" كما تقول. وقبل سنوات بدأت ظاهرة زواج الغزيين من أجنبيات، وساهم في انتشارها سفر الشباب للخارج للدراسة أو العمل وما يعترض الزواج في القطاع من عقبات اقتصادية هائلة. ولا توجد أرقام بأعداد الأجنبيات في غزة، إلا أن العدد وبتأكيد الأجنبيات أنفسهنّ يتجاوز في الوقت الراهن الـ5 آلاف أجنبية تقيم في القطاع جلّهن من أوكرانيا وروسيا، ودول "الاتحاد السوفيتي" سابقا. وفي داخل صالون التجميل الذي يحمل اسمها (ألكساندرا)، تضيف جورج أن كثير من النساء بغزة كنّ يشعرّن بنوع من الريبة والحذر، في أول زيارة لمحلها. وتتابع بلكنة عربية: "درست فن التجميل في أوكرانيا (3 سنوات)، وكان قدري أن التقي بشاب فلسطيني يدرس الهندسة، وبعد التعارف تزوجنا، وقررت المجيء معه والعيش في بلده (غزة)، الحياة بالنسبة لي كانت صعبة في البداية لاختلاف العادات والتقاليد، وكنت أشعر بكثير من الوحدة". وقام زوجها بتشجيعها نحو استثمار ما درسته في أوكرانيا، وافتتاح محل خاص لتجميل السيدات، ولم يكن الأمر سهلا في البداية كما تقول. وتضيف:" احتجت وقتا طويلا، كي أكسر حاجز الخوف، سواء بالنسبة لي أو للنساء في غزة، ولكن بعد زيارات متكررة، ورؤية كل واحدة لمظهرها الجميل، إضافة إلى الثقة المتبادلة، اختلف الأمر". وفي داخل الصالون الذي عج بعدد كبير من الفتيات والسيدات، تقول سهام رمزي، (29 عاما) وهي ربة منزل وأم لأربعة أطفال، إنّها لم تعد تذهب إلى أي مكان لقص شعرها والعناية ببشرتها سوى كوافير "ألكساندرا"، إذ يحظى كما تقول بصيت وشهرة عاليتيْن. وتضيف رمزي لوكالة الأناضول:" ألكساندرا تتمتع بمهارة عالية، لا أجدها عند غيرها من الفلسطينيات، هناك دقة وجمال في لمسة يدها، وتواكب الموضة أولا بأول". وترتاد الفتيات والسيدات كوافير النساء في المناسبات الاجتماعية، والأعياد، إلى جانب الأوقات التي يحتجنّ فيها إلى تغيير نفسي كما تقول جورج. وتستدرك بالقول:" بعد الحرب الإسرائيلية الأخيرة على قطاع غزة، ارتاد المحل عشرات السيدات من مختلف الأعمار، لقص شعورهنّ وصبغها، بدا المحل وكأنه ليلة عيد، لقد أرادوا من خلال هذا التغيير أن يشعروا بشيء مختلف". ووفق تعاملها مع النساء في غزة، فإنّهن كما تقول جورج يبحثنّ عن الراحة النفسية من خلال التجميل، وقص الشعر، فالمظهر الجديد في ظل ما تمر به غزة من أوضاع معيشية صعبة اقتصادية وإنسانية يصبح له أهمية كبرى. وتتفق ايرينا (38 عاما) (رفضت الكشف عن اسمها كاملا) روسية الأصل والأم لثلاثة من الأبناء، مع ما ذهبت إليه جورج في أن النساء بغزة يبحثنّ عن التجميل هربا من الواقع، وتغيير المزاج العام. وتَضيف ايرينا التي تعمل في مهنة كوافير النساء منذ 4 أعوام، إن محلها لا يخلو يوميا من النساء اللواتي يبحثنّ عن قصات الشعر الحديثة، والصبغات الغريبة الألوان. وتتابع ايرينا التي تجيد العربية بطلاقة بعد مكوثها 15 عاما في غزة، إن كثير من الأجنبيات سارعنّ لافتتاح محلات خاصة بكوافير النساء، بعد إقبال الفتيات والسيدات على صالوناتهم الخاصة بالتجميل. وترى أن هذا الإقبال يعود إلى بحث النساء بغزة، عن ما وصفته بـ"روح جديدة"، فقص الشعر، وتغيير مظهره، وصبغه، والاعتناء بالبشرة، يخلق حالة نفسية مغايرة. وتقول الشابة الفلسطينية سعاد النبيه (27 عاما)، وهي تسلم شعرها ليد ايرينا، التي بدأت في قصه بطريقة متدرجة، إنّ الأجنبيات يُجدنّ عملهّن بدقة. وتضيف أن أجمل ما تتلقاه من نصائح منهنّ معرفتهنّ لما يحتاجه كل وجه، والقصة المناسبة، إضافة إلى اعتمادهم الأسلوب البسيط في الماكياج. وتلجأ النبيه كلما شعرت بالضيق والتوتر إلى قص شعرها، أو تغيير ملامحه، لتبدو في حالة نفسية جيدة كما تقول. وتشعر سفيتلانا راسي أوكرانية الأصل بالأسى تجاه نساء قطاع غزة، فهنّ كما تصف يدفعنّ فاتورة قاسية ويعشنّ حياة بائسة أنستهم "أنفسهنّ". وتقول راسي لوكالة الأناضول، إنّها افتتحت محلها الخاص بكوافير النساء منذ نحو 3 سنوات بتشجيع من زوجها الطبيب، كي لا تشعر بالغربة. وترى راسي، أن ما تمر به النساء في غزة أثر على حياتهنّ ونفسياتهنّ وهو ما انعكس على ملامح وجوههنّ. وتضيف بلكنة عربية :" الواحدة بتبين (تظهر)، كتبر (كثيرا) أكبر من عمرها، كلو (كله) عشان (بسبب) الحصار والحرب، في وجع جوا (تقصد داخل الروح)، بين (ظهر) على وجه ست (وجه المرأة). وتتمتع الراسي، بخبرة واسعة في التجميل اكتسبتها كما تقول من دراستها، والدورات التي تلقتها في بلدها الأم، (أوكرانيا)، وكلما أتيحت لها فرصة السفر اطلعت كما تقول على أحدث صيحات الموضة. لكن في غزة لا تهتم النساء كثيرا كما تقول بمساحيق التجميل، غالية الثمن، والصبغات التي تحتاج إلى سعر مرتفع، فهنّ يبحثن عن التغيير السريع فقط. وبحسب الراسي، لا يمكن للنساء في غزة ومعظمهنّ يعانينّ ظروفا قاسية، أن تكون اهتماماتهم الأولى "التجميل". وتقول الشابة إسراء يونس، 23 عاما، إنّ كثير من الأجنبيات في قطاع غزة افتتحنّ مراكز وصالونات للتجميل، وهو ما دفعها لارتياد محل إحداهنّ على الدوام. وتضيف لوكالة الأناضول:" تقدم الواحدة منهنّ النصائح بخبرة، سواء للشعر أو البشرة، ويمارسنّ عملهنّ باحتراف". وترى يونس أن إقبال السيدات والفتيات بغزة على صالونات التجميل زاد في الأعوام القليلة الماضية نظرا، لرؤيتهن أحدث القصات ومتابعة الموضة عبر الفضائيات ومواقع التواصل الاجتماعي. إلا أن الوضع الذي تصفه يونس بالكئيب والحاد، يدفع كثير من النساء للبحث عن الراحة النفسية، والتغيير ولو بشكل مؤقت. وتستدرك:" عندما أقص شعري، وأسرّحه بشكل جديد، أشعر بأني مختلفة، يعطيني إحساس بالهدوء، بشيء مختلف وهذا ما تحتاجه المرأة، خاصة في غزة، لقد كبرنا أعواما كثيرا بفعل ما نمر به من مآسٍ و تعقيدات يومية". وشنت إسرائيل في السابع من يوليو/تموز الماضي، حربا على قطاع غزة، أسفرت عن مقتل أكثر من ألفي فلسطيني، من بينهم 489 امرأة، وجرح 11 ألفا آخرين وفق إحصائية لوزارة الصحة الفلسطينية. ووفق بيانات أممية، فإن أكثر من 22 ألف فلسطيني من سكان قطاع غزة، مازالوا مشردين حتى اللحظة، في مبانٍ تابعة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا). وقالت دراسة تناولت أوضاع المرأة في قطاع غزة، خلال الحرب الأخيرة، مؤخرا إن النساء دفعن "الفاتورة" الأعلى جراء العدوان الإسرائيلي الأخير، وما خلفه من آثار "جسدية ونفسية". وأكدت الدراسة التي أصدرها "المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان" (مؤسسة حقوقية غير حكومية) أن "المآسي" التي أصابت النساء، بغزة لم تقتصر على "الإصابة المباشرة"، المتسببة بالقتل أو الجرح، لكن آثارها امتدت إلى الكثير من الجوانب النفسية والروحية.