علاء حلبي - بيروت - " وكالة أخبار المرأة "

في وقت تعيش فيه سوريا وقائع حرب دامية، حوّلت منازلها وحاراتها وأحياءها إلى ساحات لمعارك طاحنة، وفي وقت تشهد فيه البلاد تدهوراً اقتصادياً، وحالة «فوضى» ديموغرافية، وسط صراع إقليمي ودولي، يسرق يومياً أرواح مئات السوريين، سجلت سوريا في العام 2014 معدلات ولادة كبيرة مقارنة بالأعوام السابقة.
وتبقى المرأة السورية «ولوداً»، فيما يبدو أنه «تأقلم مع الحرب»، أو هرباً من رائحة البارود إلى «فراش دافئ»، أو «تعويض لما تفقده سوريا من شبانها»، وفق التعليلات لأناس بسطاء على الأرض، في حين يرى آخرون، من ذوي العلم والمعرفة، أن هذه الولادات هي نتيجة حتمية لانخفاض سن الزواج، وغياب تعقيداته الاجتماعية، وتواكل خروج نسبة كبيرة من الشباب عن دائرة العمل وركونهم في المنزل، حيث يعتاشون على «المساعدات»، ويتفرّغون لـ «الإنجاب».
إحصاءات حكومية جديدة أجرتها وزارة الداخلية السورية تظهر أن عدد الأطفال المولودين في العام 2014 بلغ نحو 400 ألف طفل، بزيادة قدرها 50 ألف طفل عن العام 2013.
وهؤلاء الأطفال المسجلين في سجلات الحكومة التي تبسط سيطرتها على محافظات عدة بشكل كامل غرب سوريا (اللاذقية، طرطوس)، ومراكز المحافظات والمدن الكبيرة في الوسط والجنوب (دمشق وحمص وحماه)، ومراكز المدن فقط في الشمال والشرق (حلب والحسكة)، لتبقى محافظة الرقة خارجة بشكل كامل عن سيطرتها، ما يعني أن الرقم المسجل للولادات هو أقل من الرقم الواقعي، لغياب مناطق كبيرة عن السيطرة، وعدم تمكّن، أو عدم رغبة، الكثيرين ممن يقطنون في المناطق الخارجة عن سيطرة الحكومة تسجيل أطفالهم.
وبمقارنة بسيطة مع عدد الولادات في العام 2010، قبل بداية الأحداث في سوريا، فإن عدد الولادات في البلد الذي وصل عدد سكانه في ذلك العام إلى نحو 23 مليوناً، وفق المكتب المركزي للإحصاء، وصل إلى 670 ألف ولادة، أي بفارق نحو 270 ألف ولادة عن المسجلين في العام 2014، وهو ما يعتبره مصدر متابع للملف الديموغرافي في سوريا مؤشراً على أن عدد الولادات ارتفع مقارنة بذلك العام، بسبب خروج مساحات واسعة عن سيطرة الحكومة من جهة، وبسبب نزوح عدد كبير وخروجهم من سوريا إلى بلدان الاغتراب، حيث يصعب الوصول إلى رقم دقيق لعدد الولادات التي تمت في سوريا بشكل دقيق.
إلا أن العدد «ارتفع حتماً بشكل ملحوظ عن أعوام ما قبل الحرب»، وفق المصدر، الذي يتابع «هناك عوامل عديدة تجب دراستها خلال الحديث عن معدل الولادات الطبيعية، وأسباب ارتفاعها، منها انخفاض سن الزواج، حيث تسببت الأحداث بانتشار ظاهرة تزويج القصّر، خصوصاً في المناطق الخارجة عن سيطرة الحكومة، والتي تتقاسم الفصائل الجهادية السيطرة عليها».
ويؤكد المصدر، خلال حديثه إلى «السفير»، أن ظاهرة تزويج القصّر ارتفعت بشكل كبير في المناطق الخارجة عن سيطرة الحكومة. وفي حين يشير إلى أنه من الصعب الحصول على أرقام دقيقة لعدد الزيجات التي تمّت، فإنه يشدد على أن «الإيديولوجيا التي تحكم سلوك الفصائل الجهادية تسيّر المجتمع الذي يحكمونه نحو الانفتاح بشكل تدريجي على تزويج القصر، خاصة من الإناث، إضافة إلى تعدّد الزوجات، كما يشجّع على الإنجاب بكثرة».
وحمل ازدياد معدل عدد أفراد الأسرة السورية في الأعوام المقبلة إلى ظاهرة «الشذوذ الذي أفرزته هذه الإيديولوجيا في عدد أفراد الأسرة الواحدة، والذي قد يتجاوز الـ 20 شخصاً». وقال «إضافة إلى ما سبق، ساهمت الأحوال التي تمر بها البلاد بتغيّر كبير في آليات الزواج، والتي كانت تتطلب في أوقات سابقة عمليات اجتماعية وترتيبات معقدة ومكلفة، لتنخفض التكاليف بشكل كبير، وتقتصر عملية الزواج بنسب كبيرة بعقد القران فقط، وتأمين غرفة معيشة لا أكثر».
وتأتي أرقام الولادات الجديدة في سوريا لتزيد من الواقع المأساوي الذي تعانيه دولة تمزقها الحرب منذ حوالى أربع سنوات، ليشكل رقم الولادات الجديد تحدياً بين أرقام أخرى، تبين الواقع الإنساني والمعيشي والتعليمي السيئ. وتشير دراسة أجراها «المركز السوري لبحوث السياسات» المستقل، في تقرير له أصدره في أيار الماضي، تحت عنوان «هدر الإنسانية»، إلى أن «مقارنة المعدّل الصافي للالتحاق بالتعليم الأساسي بين سوريا والدول الأخرى يضع سوريا في العام 2010 في المرتبة 21 من بين 136 بلداً. لكن نتيجة النزاع المسلح وانهيار الأوضاع الاقتصادية تراجعت سوريا في العام 2013 إلى المرتبة 135 من بين 136 بلداً».
وبحسب التقرير فإن «سوريا تواجه واحدة من أكثر الكوارث التنموية والإنسانية حدّة في التاريخ الحديث، إذ تضرّر رأس المال البشري والثقافي والاجتماعي والمادي. كما أدى النزاع المسلح إلى تشوّه المؤسسات، نتيجة تشكل اقتصاد سياسي جديد يتسم بانتشار اقتصاديات العنف التي تمتهن حقوق الإنسان والحريات المدنية وحقوق الملكية وسيادة القانون، وظهور نخبة سياسية واقتصادية جديدة، تستغل ظروف الأزمة للاتجار بالسلاح والسلع والبشر من خلال شبكات غير شرعية محلية وعابرة للحدود»، في حين «اضطر 45 في المئة من سكان سوريا إلى ترك مكان إقامتهم المعتاد منذ بداية الأزمة، حيث نزح 33 في المئة من السكان، بينما غادرها 12 في المئة كلاجئين أو مهاجرين مع نهاية العام 2013».
ويشير التقرير ذاته إلى أن الأزمة أدّت إلى «فقدان فرص العمل وارتفاع معدل البطالة ليصل إلى 54.3 في المئة، أي بطالة 3.39 ملايين شخص، منهم 2.67 مليون فقدوا عملهم خلال الأزمة، الأمر الذي أدّى إلى فقدان المصدر الرئيسي لدخل 11.03 مليون شخص يتوزعون بنسب متفاوتة بين المحافظات. وفي بالمقابل جذبت الأنشطة المرتبطة بالنزاع المسلح جزءاً من الأفراد، خاصة الشباب، ليحصلوا على حوافز اقتصادية من المشاركة مباشرة في القتال، أو عبر التهريب والخطف والاحتكار والاتجار بالبشر والسلاح».
ويضيف «بالنتيجة، لم تُحرَم التنمية في سوريا من مساهمة القوى العاملة في الأنشطة المنتجة فحسب، بل تحولت هذه الإمكانيات البشرية إلى أنشطةٍ هدامةٍ تدفع التنمية بالاتجاه العكسي»، ليشكل رقم الولادات الجديد تحدياً كبيراً، فهل سيكون هذا الرقم عامل بناء لوطن تأكله الحرب، أم سيشكل رافداً جديداً لاستمرارية الأزمة، سواء عن طريق المشاركة في الأعمال القتالية، أو حتى عن طريق الركون والاستسلام والعيش على فتات «المنظمات الإنسانية» في ظل تراخي نسبة كبيرة من قوة العمل واعتيادها الكسل، ما يجعله عبئاً جديداً، في مرحلة الحرب وما بعدها.