منور خلج - طهران - " وكالة أخبار المرأة "

باعتبارها خرّيجة جامعية شابة، ذكية وطموحة، كان من الممكن أن تكون مهسا أنموذجاً للمرأة الإيرانية المعاصرة.
بدلاً من ذلك، المرأة البالغة من العمر 30 عاماً تمثّل جيلا جديدا من النساء اللواتي يتعاطين المخدرات. نساء ميسورات الحال، متعلمات تعليماً جيداً، وبارعات في أمور التكنولوجيا، لكن مدمنات على أنواع متعددة من المخدرات الاصطناعية، مثل الميثامفيتامين والميثادون والمهدئات، فضلاً عن الهيروين.
مشكلات المخدرات ليست جديدة في إيران. يعود تدخين الأفيون إلى القرن السابع عشر على الأقل، وتملك البلاد واحداً من أعلى معدلات الإدمان على المشتقات الأفيونية في العالم، ويعود ذلك جزئياً إلى وقوعها على طريق المخدرات من أفغانستان إلى أوروبا.
ووفقاً لتقارير رسمية، يعاني ستة ملايين على الأقل من أصل 77.7 مليون إيراني مشكلات تتعلق بالمخدرات. وأصبحت الشيشة - الميثامفيتامين البلوري عالي النقاء - ثاني أكثر المخدرات شعبية بعد الأفيون بين الشباب الذين يسعون إلى الهروب من الصعوبات الاجتماعية والاقتصادية.
لكن الإدمان ينتشر على نحو متزايد بين جميع الطبقات الاجتماعية ويؤثر في عدد متزايد من النساء - وهو اتجاه أثار مخاوف الحكومة.
تقول زهرة بونيانيان، المستشارة في المقر الرئيس للسيطرة على المخدرات، الخاص بشؤون المرأة والأسرة، والذي تُديره الدولة، "إن الكشف عن هذه المشكلة تم لأول مرة في دراسة حول انتشار الإدمان عام 2011: حدث ذلك عندما أدركنا أن عدد النساء المدمنات المتزوجات كان يرتفع، وكانت سن الإدمان تنخفض، في حين إن المستوى التعليمي (للمدمنات) كان مرتفعاً".
وتكمن جذور المشكلة في التغير الاجتماعي الذي بدأ يخرج من سطح المجتمع الإيراني. الشباب المتمكنون من أفكار جديدة اكتشفوها عبر الإنترنت ووسائل الإعلام الاجتماعية، بدأوا يتمردون بوتيرة متزايدة على القيود التقليدية والإسلامية التي يطبقها آباؤهم، ويسعون إلى محاكاة ما يعتبرونه معايير أكثر حداثة. وفي الأعوام الأخيرة، ارتفع معدل الطلاق في إيران وانخفضت معدلات الزواج والولادة. في الوقت نفسه، عمل النظام الإيراني على تحسين إمكانية وصول المرأة إلى التعليم العالي، وتشكل النساء الآن أكثر من 60 في المائة من الخرّيجين.
لكن الشابات على وجه الخصوص يجدن أنفسهن عالقات بين الحريات الزائدة والفرص التعليمية من ناحية والقيم المُحافظة لكبار السن من ناحية أخرى.
يقول أمير حسين يازداني، وهو أستاذ علم نفس "الفتيات والأولاد دون سن 25 يتمتعون إلى حد كبير بحرية متساوية من حيث الأنشطة الاجتماعية والتعليمية، لكن الفتيات لديهن وجهة نظر أكثر قتامة، (ويرين) مزيدا من المسؤوليات في المستقبل".
ويُضيف أن "الفتيات المتعلمات تعليماً عالياً لا يتمتعن بفرص عمل متساوية، أو يشعرن بالضغط للتصرف كنساء تقليديات. وهذا يستثير ميولا جديدة للإدمان".
مهسا هي رمز لهذا الاتجاه. تقول "كان لي أحلام كبيرة، لكنها دُمرّت جميعها". فبعد أن تخرّجت في المدرسة الثانوية واحدة من الطالبات المتفوقات، أجبرتها عائلتها على الزواج وهي في سن الـ 18. وأنجب الزوجان ابنا، لكن الزواج انتهى بالطلاق بعد عام ووجدت مهسا ملاذاً في المخدرات. وفي السنوات الأخيرة منعها زوجها السابق من رؤية ابنها.
بعد ذلك دخلت مهسا الجامعة ودرست علم النفس، لكن انتهى بها الأمر في مركز علاج الإدمان في طهران العام الماضي مع عادة المخدرات التي كانت تكلّفها مليون ريال (37 دولارا) يومياً. وبعد خمسة أشهر من العلاج أصبحت تعتبر خالية من المخدرات. لكنها خوفاً من الضغوط الاجتماعية، ترفض العودة إلى عائلتها في آراك، وهي مدينة مُحافظة في وسط إيران.
تقول، وهي ترتدي قميصا ضيّقا أسود اللون وسروالا ضيقا وتضع المكياج وطلاء أظافر باللون البرتقالي "سأبقى في هذا المركز على أمل أن يبيع والداي كل شيء ويوافقا على الانتقال إلى طهران. في تلك المدينة الصغيرة الجميع يعرف أني كنت مدمنة. أنا أخجل من (مغادرة المنزل)".
وفي الأشهر الأخيرة حذّر مسؤولون ومختصون في إيران من أن السرعة التي يتنامى بها الإدمان بين النساء آخذة في الازدياد.
وتُشير أحدث الأرقام الرسمية إلى أن عدد المدمنات تضاعف تقريباً منذ عام 2007، وأصبحن يشكلن ما يصل إلى 9.3 في المائة من المدمنين في البلاد. وأكثر من 50 في المائة من النساء المدمنات استخدمن المخدرات للمرة الأولى حين كانت أعمارهن ترواح بين 15 و19 عاماً.
عباس ديلمي زاده، رئيس مجلس إدارة المنظمة غير الحكومية لخفض الطلب على المخدرات الآسيوية – وهي مجموعة تضم 32 منظمة إقليمية – يُحذّر من أن نظام الرعاية الاجتماعية في البلاد غير مُهيأ لمساعدة المدمنات ويقول "هناك الكثير الذي يجب القيام به للمساعدة على علاج النساء". ويضيف "لا نملك ما يكفي من مراكز التأهيل وبرامج الوقاية للنساء، ولا توجد أي خطة (لأجل هذا) في نظام الضمان الاجتماعي في البلاد".
ويجادل بعض المختصين بأن السبب في ذلك هو أن النساء ينظَر إليهن غالبا على أنهن أدنى من الرجال من حيث الأولوية، لأنهن يشكلن أقل من 10 في المائة من المدمنين في البلاد.