الكاتبة الصحفية: الثريا رمضان - تونس - خاص بـ " وكالة أخبار المرأة "

شعب تونس بعد أربع سنوات من سقوط نظام بن علي، ولأوّل مرّة، يختار رئيسه، ويجعل الصندوق الحكم الفاصل فيما بين جميع أطيافه.
الباجي القائد السبسي أدّى صباح هذا اليوم 31 ديسمبر/كانون الأوّل 2014 اليمين الدستورية، واستلم مهامّه كرئيس منتخب، على إثر توديع محمد المنصف المرزوقي لقصر قرطاج، بعد ثلاث سنوات من الرئاسة المؤقّتة للبلاد، في انتظار إرساء ثاني جمهوريّة.
الحدث يُشهدُ بتاريخيّته، لأنّ تداول السلطة بشكل سلميّ في دولة عربيّة نادر الحدوث، خصوصا وأنّ تونس كانت شهدت العديد من الأحداث الدمويّة على مدى سنوات ما بعد "الثورة"، والكثير من اللغط السياسيّ والإعلامي، وأصابع الإتهام كانت تشير إلى الجميع، فكلّ حزب كان يتّهم الآخر بخراب البلاد.
هل يكون عام 2015، عام بداية الاستقرار السياسي؟ لا نستطيع أن نجزم حتى نرى عمل الحكومة، والبرلمان، والرئاسة.
البرد قاس هذه الأيام على أبناء تونس في مناطق الظلّ، والمعيشة تخرُمُ جيوب أبناء تونس حتى الطبقة المتوسّطة منهم. الديمقراطيّة،الحريات، وغيرها، كلها مفاهيم تنتظر التطبيق بشكل جدّي، لا لإرساء حكومة محبوبة، ولا لأجل تكريس زعامة شخصية سياسية أو حتى رئيس الجمهورية نفسه، بل ليستطيع "الشعب الزّوّالي" أن يعيش بخير، ونيل أبسط حقوقه في العمل والسكن والأكل والتعليم.
منذ سنوات، حين سقط نظام بن علي بغتة، وصاح الجميع إنها ثورة الجياع، ثورة "البطّالة"/العاطلين عن العمل، ثورة "الزوّالي"/الفقير، صدّق الجميع تقريبا أنّ البوعزيزي كان من أشعل الثورة ضدّ الدكتاتوريّة، وخرجوا في مظاهرات، وأضرموا النيران في مراكز الأمن، فهي كانت رمز نظام بوليسي حكم البلاد قرابة الثلاثة والعشرين عاما بيد من حديد. اقتحموا بيوت عائلة زوجة بن علي، الطرابلسيّة، وأتلفوا ما فيها وذبحوا نمر صخر الماطري زوج ابنة ليلى.
منذ سنوات، عاد الشيخ الغنوشي، رئيس حركة النهضة بعد سنوات طويلة من المنفى في لندن، ودخل تونس بـ "طلع البدر علينا" من "مُريديه"، وبدأت تهلّ على تونس وجوه لم نكن نعرفها إلاّ من خلال قنوات الدين والفتاوى الغريبة الداعية لختان البنات وتحريم خروج النساء من منازلهنّ والعورة التي يجب أن تسجن في قمقم، وتزويج القواصر.
منذ سنوات، استعاد الإخواني واليساري على حدّ السواء حقّه في التعبير والحريّة في ممارسة العمل السياسيّ، ففاق عدد الأحزاب المئة.
منذ سنوات، ظهر على السّطح تقسيمات جديدة للبلاد، فصار لدينا الكفّار والمسلمون، والسلفيون والطاغوت، والنخبة المثقفة والجهلاء، وغيرها من التسميات التي كانت تُلقى جزافا حسب الظرف والانتماء.
منذ سنوات، ظهر قاموس جديد في الشارع التونسي، أوّل كلمة فيه كانت "ديغاج"/غادِرْ لكلّ من لا يعجب في سدّة السّلطة.
أمّا منذ أكثر من شهرين فصار لتونس برلمان منتخب لمدة خمس سنوات، نوابه يمثّلون الشعب، ولعلّهم سيمثّلونه بنزاهة؟ هذا ما نتمنّاه في بداية السنة الجديدة، والأمنيات تبقى دائما معلّقة حتى تتحقّق.
نهاية عام مبشّرة سياسيا رغم أني لا أثق برجال السياسة ولا بأي حزب، لكن التبادل السلمي للسلطة في قصر قرطاج اليوم يبقى حدثا تاريخيا في الوطن العربي وفي تاريخ الديكتاتوريات بشكل عام.
مبروك لتونس، في انتظار ما ستحمله لنا الأيام القادمة.