سماح بن عبادة - " وكالة أخبار المرأة "

أصرت المرأة الكويتية على أن تلعب دور الشريك الفاعل في بناء الدولة وتراوحت مسؤولياتها من الاجتماعية إلى الاقتصادية وأخيرا السياسية حيث نالت حقها في الترشح للمناصب السياسية عام 2005 بعد مسيرة طويلة من النضال من أجل الظفر بهذا الحق مواجهة في تلك القوى الرجعية التي تتذرع بالشريعة الإسلامية بهدف إرجاعها إلى عصر الحريم.
بدأت المرأة في الكويت معركتها ضد التهميش والإقصاء وسعت لكسب حق المساواة في الحقوق والواجبات مع الرجل كأحد أسس الديمقراطية منذ عقود، حيث طالبت بحقوقها في التعليم والعمل وفي الممارسة السياسية بشكل متواصل إلى أن ضمنت جزءا هاما منها. وهي اليوم تواصل العمل والنضال بثبات لترسّخ ما اكتسبته من حقوق ولتبلغ درجة المساواة الفعلية مع الرجال في جميع مجالات الحياة خاصة منها تلك التي تتعلق بالتمكين من المناصب العليا في الدولة والمناصب الريادية إداريا واقتصاديا.
التطورات التي شهدتها مكانة المرأة في الكويت ارتبطت بشكل مباشر بالتحولات التي عاشها المجتمع الكويتي والتي رسمت ملامحه وحددت كيفية تعاطيه مع الدور المنوط بعهدة المرأة ومع قضاياها.
ويمثل حق الانتخاب والترشح للمناصب السياسية آخر معركة خاضتها المرأة الكويتية -والأكيد أنها ليست الأخيرة- ضد حلقات ضيقة من المجتمع الكويتي مثل الإخوان المسلمين وبعض الجمعيات والتيارات الشيعية التي أكدت أنه من مبادئها الثابتة عدم الاعتراف “بإنسانية المرأة”، ورفضت أن تعترف بحقوقها كافة خاصة منها حقها في مشاركة الرجل في الفضاء العام والتعامل معه على حد السواء ولِمَ لا التفوق عليه بالانتخابات وقيادة الدولة وتوجيه دفة القرار السياسي.
مشوار النضال لافتكاك الكويتيات حقهن في المشاركة في الحياة السياسية بدأ عام 1971 من خلال مذكرة أعدتها الناشطة والمؤرخة الكويتية نورية السداني بوصفها آنذاك رئيسا للجنة “يوم المرأة العربية في الكويت” وقد أحال رئيس مجلس الأمة تلك المذكرة إلى لجنة الشكاوى والعرائض التي وافقت بدورها على التوصيات وأحالتها للنقاش تحت قبّة البرلمان، إلا أن أعضاء المجلس وبعد نقاش مستفيض ومطول استمر ثلاث جلسات قرروا عدم الاعتراف بحق المرأة في الانتخاب والترشح.
ليتواصل منذ ذلك التاريخ مسلسل الرفض لمشاريع القوانين التي يمكن للمرأة من خلالها ممارسة حقوقها السياسية، والتي قدّمت من قبل نواب في البرلمان الكويتي، وفي أواخر التسعينات لقيت هذه المشاريع مساندة من الجهات الرسمية حيث قام الأمير الراحل الشيخ جابر الأحمد الصباح معية مجلس الوزراء بإبداء رغبة بإقرار الحقوق السياسية للمرأة في الترشيح والانتخاب لمجلس الأمّة اعتبارا من انتخابات عام 2003، وتمّ وضع مرسوم قانون حقوق المرأة السياسية ولكن آنذاك لم تحظ تلك الرغبة بقبول أغلبية نوّاب مجلس الأمّة وسقط المشروع الحكومي.
وكان يوم 16 مايو 2005 تاريخ الحسم في هذه المسألة وأقرّ المجلس منح المرأة كامل حقوقها السياسية في الانتخاب والترشّح لنيابة الشعب والمناصب الحكومية والوزارية.
وانقسمت وجهات النظر في مجلس الأمة حينها إلى اتجاهات مختلفة إلى درجة التضاد؛ وتمثل المعارضون لهذه المشاريع القانونية في نواب يتبنون الاتجاه الإسلامي الرافض لحق المرأة في الانتخاب، وإلى اتجاه وسطي يدعو إلى تلافي الصدامات وتأجيل مناقشة المسألة، واتجاه آخر متردد تراوح بين التأييد والرفض والشرعية وعدم الشرعية، واتجاه مؤيد لحقوق المرأة ومضاد للاتجاه الإسلامي، عدا هذا الأخير برر البقية رفضهم بالشرعية وبالمعوقات التي تحول دون ممارسة المرأة لهذا الحق وخاصة منها تلك التي تتصل بنقص الوعي لدى المرأة الكويتية وضعف الحركة النسائية وطبيعة المجتمع الكويتي التي تغلب عليها القبلية والتقليدية والتدين..
الثابت أن خسارة معركة التمكين السياسي التي انتصرت فيها الكويتيات وضمنّ بها حقهن في الترشح للبرلمان والمناصب الحكومية ليست إلا بداية الطريق في اتجاه تفعيل مبادئ المساواة التي ضمنها الدستور الكويتي للمرأة خصوصا في ظل صعود التيارات الدينية المتطرفة والمتشددة في المناطق العربية والتي جعلت المرأة العربية تخشى على حقوقها ومكتسباتها.
 وهذا الأمر ينطبق على النساء في الكويت إذ أن هذه التيارات تواصل مساعيها لفرض القيود على المرأة وتنادي بترك كل ما حققته من مكتسبات على مدار السنوات الأخيرة وتسعى جاهدة إلى إرجاعها إلى مربع الطاعة والبيت وإلى اختصارها في الأنثى والعورة التي يجب على الرجال “سترها”، متذرعة بقراءات سطحية للشريعة الإسلامية.
غير أنّ المرأة الكويتية أثبتت عبر التاريخ الحديث لدولة الكويت قدرتها وكفاءتها في ‏‏مجالات مختلفة فتحمّل المسؤولية العائلية والمجتمعية أمر أثبتت الكويتية كفاءتها فيه قبل الاكتشافات النفطية التي تغيّر بمقتضاها نمط العيش الكويتي، حيث كان الاقتصاد الكويتي يقوم على التجارة البحرية والصيد وفي تلك المرحلة من التاريخ كان الرجل يغيب لأسابيع عن المنزل للعمل والتجارة وكانت المرأة تضطلع بدور رب الأسرة وتلبّي جميع احتياجات العائلة وتخرج للتسوق وتتكفل بتسيير شؤون المنزل من ألفها إلى يائها وقد ترعرعت على يدها أجيال ساهمت في بناء الدولة والرقيّ بها.
وما كان أمام المجتمع الكويتي إلا الاعتراف بكفاءة المرأة وقدرتها على أداء مهامها على أحسن وجه وتوفرت بفضل ذلك أرضية ملائمة مكنت الفتيات الكويتيات من التعلم وذهبن بادئ الأمر إلى البصرة المدينة العراقية الأقرب إليهن والتي كانت منبرا تعليميا منفتحا وحرا، وإذا كانت غالبية الرائدات في الكويت قد درسن في البصرة وبغداد فإنهن بذلك فتحن الطريق نحو إقرار حق التعليم أمام الأجيال التالية من النساء. واستمر هذا الحال حتى أسّست المدارس المحلية للفتيات منذ أربعينات القرن الماضي.
التوجّه نحو التعليم وخلق عقلية تؤمن بأحقية الفتيات فيه جعل المرأة في الكويت تمثل صورة معاصرة بعيدة عن التخلف والقيود التي يفرضها الإسلام السياسي خصوصا بعد الطفرة النفطية وانفتاح الكويت على العالم، فجيل السبعينات من نساء الكويت بدأ بالتعلم والسفر كما أن التمازج العائلي والقبلي مع دول الجوار منح المرأة حرية الانفتاح فبرزت كاتبات كويتيات وجامعيات وسيدات أعمال وفنانات وأسسن بذلك لمستقبل متفتح للمرأة الكويتية.
‏وللمرأة الكويتية اليوم وجود ملحوظ في الفضاء العام وفي سوق الشّغل حيث نجدها في المؤسسات الحكومية من مستشفيات وجامعات وبنوك وفي المؤسسات الخاصة وكثيرات منهن يدرن تلك المؤسسات ويشرفن عليها.
وحسب آخر بيانات صادرة عن الهيئة العامة للمعلومات المدنية فإن نسبة العمالة من الإناث في جملة العمالة الكويتية ارتفعت إلى نحو 46.9 بالمئة نهاية عام 2013 بعد أن كانت 46.4 بالمئة نهاية عام 2012 بينما بلغت نسبة عمالة الإناث من إجمالي العمالة في الكويت نحو 28.5 بالمئة. كما أن نسبة كبيرة منهن تحمل مؤهلات علمية عالية.‏‏ وتصل نسبة التعليم الجامعي في أوساط المرأة الكويتية إلى 61 بالمئة وفقا لتقرير أصدرته وزارة التخطيط ووفقا للخريطة السكانية للشعب الكويتي.
ويجدر التذكير أن المرأة الكويتية حققت نقلة بارزة في رحلة الوصول إلى قبة البرلمان وبرز ذلك عام 2009 عندما نجحت أربع نساء في الانتخابات البرلمانية ونلن عضوية مجلس الأمة من خلال صناديق الاقتراع. وواكبت نساء الكويت جميع التحولات التي شهدها مجتمعهنّ وبناء الدولة فكان لها أثرها الواضح وبصماتها البيّنة على صعيد الحياة العامّة، فمن بين النساء الكويتيات من يتقلّد مناصب سياسية ودبلوماسية عليا وللعديد منهنّ مكانة علمية وأدبية وثقافية رفيعة في الخليج العربي وفي العالم العربي عموما، بالإضافة إلى الدور المميّز الذي تقوم به المرأة الكويتية على رأس العديد من المؤسّسات الاقتصادية..
وبات الوعي بضرورة تشريك المرأة في صناعة القرار وفي إدارة المؤسسات ثابتا في المجتمع الكويتي وهو ما جعل مؤسسات البلاد تولي اهتماما متزايدا لتفعيل دورها في المجتمع وتمكينها من الانخراط في مختلف مجالات الحياة العامة، بما في ذلك المشاركة السياسية.
فمنذ يوم 16 مايو 2005 تشارك المرأة الكويتية في الانتخاب والترشح لعضوية المجالس النيابيّة، وتمّ تعيين أوّل امرأة وزيرة في تاريخ الكويت في نفس العام وهي أستاذة العلوم السياسية في جامعة الكويت معصومة المبارك التي اضطلعت بمنصب وزيرة التخطيط والتنمية الإدارية.
ولو لم تتوفر البيئة الراعية للمرأة متمثلة في المنظومة التشريعية والاجتماعية لما أثبتت المرأة الكويتية دورها الريادي والفاعل في مسيرة التنمية التي يشهدها وطنها ولأن هذه المكاسب لم تأت من فراغ بل من مسار تاريخي ونضالي طويل خاضته نساء الكويت بوعي وتصميم يعود إلى ما قبل ظهور النفط وصولا إلى تحقيق المرأة جزءا هاما من معادلة كونها نصف المجتمع وجنبا إلى جنب مع الرجل في التعليم والعمل وفي المناصب العليا والقيادية في الدولة، فإن الكويتيات يواصلن العمل بجدية لإبراز كفاءتهن ويواصلن طريق الدفاع عن حقوقهن والسّعي لكسب المزيد منها، وهنّ يهدفن ليكنّ شريكات فاعلات وعلى حد السواء مع الرجل في مسار التنمية وتطوير البلاد.