أ. د. حامد طاهر - " وكالة أخبار المرأة "

1- يقتضينا الإنصاف العلمى والأخلاقى ألا نحكم على الحضارات السابقة بمنظومة المعايير والقيم التى نتبناها فى العصر الحاضر، وإنما ينبغى أن نأخذ فى الحسبان – عند الحكم على هذه الحضارات – مختلف الظروف التى أحاطت بها ، والإمكانيات التى توافرت لها ، والتقاليد والأعراف الشعبية التى كانت مستقرة فيها ، وأخيرًا : فلسفتها العامة فى الحياة ، ونظرتها لذاتها وإلى الآخرين من حولها.
2- وبالنسبة إلى الحضارة الإسلامية التى بدأت فى الانتشار منذ القرن الثامن الميلادى ، واستمرت مزدهرة أحيانا ، ومتماسكة فى أحيان أخرى ، حتى منتصف القرن السابع عشر(1) ، فإنها قد ضمت شعوبًا مختلفة الأعراق والثقافات واللغات . ومن المؤكد أن واقع هذه الشعوب قد صبغها بقدر كبير من التنوع ، ومنحها خصوصية معينه، وهو الأمر الذى يتطلب من الباحثين المعاصرين ضرورة التأنى قبل التسرع فى إصدار الأحكام العامة أو القاطعة عليها .
3- ومن أبرز الأمثلة على ما يمكن استخلاصه من هذه المقدمات : مسألة تعليم المرأة فى المجتمعات الإسلامية ، الذى يمكن أن نلاحظ غيابه شبه التام منها(2) ، دون أن يكون له تأثير حاسم فى نشاط الرجل فيها، أو فعاليته فى العمل والإنتاج . وذلك على العكس تماما مما هو موجود فى عالم اليوم . فقد كانت المرأة المسلمة هى أم ذلك الرجل وزوجته ، وأخته وابنته .. ولا شك أن دورها فى حياته لم يكن منعدما على الإطلاق ، بل إنها كانت بالنسبة إليه دافعًا وناصحًا ومشيرا .
4- صحيح أن المرأة المسلمة لم تكن فى العادة تعمل خارج البيت ، أو تشارك فى الحياة العامة بالمجتمع ، لكنها كانت دائمًا مع الرجل وخلفه . وكان وجودها فى البيت ، تدبر شئونه ، وتربى الأولاد هو الذى يهيئ للرجل الجو المناسب للتفكير والتدبير ، والسعى الجاد من أجل كسب المعاش ، لتوفير الحياة الكريمة لأسرته .
5- فإذا تصفحنا تعاليم الإسلام فى هذا الصدد (القرآن والسنة) لم نجد نصا واحدًا يمنع أو يحرم المرأة المسلمة من التعليم ، أو العمل الذى يترتب بالضرورة عليه . بل على العكس تماما(3) . فالقرآن يقرر التكريم الإلهى لكل من الرجل المرأة على السواء) وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ (  . وبالنسبة إلى السنة ، روى البخارى أن النساء قلن للنبى (ص) : “غلبنا عليك الرجال ، فاجعل لنا يوما من نفسك.” فعيّن لهن يوما يلقاهن فيه ويعلمهن . وهو ما يفسر كثرة أعداد روايات الحديث النبوى ، اللاتى أفرد لهن محمد بن سعد ، فى كتابه الطبقات الكبير جزءًا خاصًا حيث بلغ عددهن أكثر من سبعمائه راوية . كما ترجم ابن حجر حياة (1543) محدِّثة ، وقال عنهن إنهن كن ثقات عالمات(4) .
6- وتضم الصفحات الأولى من تاريخ المسلمين بعض النماذج من نساء مسلمات شاركن الرجال فى الحروب . ومن ذلك : نسيبة زوجة زيد بن عاصم التى حاربت بالفعل فى موقعة أحد ، وعائشة ، رضى الله عنها ، التى كانت إلى جوار الرسول (ص) فى نفس الموقعة تضمد جراحه ، وتزود النبال المتساقطة عليه . وفى عهد عمر بن الخطاب، كانت الشفاء معينة منه كمشرفة أو قيمة على سوق المدينة(5) . وهذه النماذج تثبت أن المرأة المسلمة أدركت بسرعة حقيقة موقف الإسلام منها ، ورفعه لمكانتها ، ودعمه لحقوقها التى كانت مهضومة بالكامل فى الجاهلية .
7- وهنا تجدر الإشارة إلى أن عمل المرأة لم يكن شائعا ولا مقبولاً فى المجتمعات العمرانية القديمة ، سواء فى الشرق أو الغرب . فلم يعرف عن المرأة فى مصر القديمة وبلاد اليونان وفارس والروم والصين والهند احتياج تلك المجتمعات إلى عملها ، وبالتالى لم تكن هناك حاجة إلى تعليمها(6) أما فى شبه الجزيرة العربية ، حيث الحياة البدوية أشد قسوة وجهامة ، فقد اضطرتها الظروف إلى البقاء فى البيت ، تدبر أمره ، وتدير شئونه . أما النساء الفقيرات فى كل الأحوال فقد اضطرتهن ظروف الحياة إلى العمل خادمات أو أجيرات أو بائعات .. حيث لم يكن للتعليم فائدة تذكر فى إعدادهن لمثل تلك الأعمال .
8- ساد هذا الوضع فى كل أنحاء العالم القديم ، واستمر مع الأسف لدى الشعوب التى وصل إليها الإسلام واعتنقته . فلم تتح للمرأة فرصة العمل ولا حق التعليم . وبمرور الوقت ، أصبح هذا الوضع جزءًا لا يتجزأ من أعراف تلك الشعوب ، ولم يجد من علماء المسلمين المؤثرين فى الحياة العامة إدانة له ، بل كان صمتهم علامة على القبول به ، الأمر الذى جعل عامة المسلمين يعتقدون أن الخروج عليه كأنما هو خروج عن أحد تعاليم الدين !
9- يقول الدكتور أحمد شلبى (الحاصل على الدكتوراه فى تاريخ التربية الإسلامية من جامعة كمبردج بإشراف المستشرق الكبير آربرى) : “فإذا عدنا إلى المرأة المسلمة كان من الأوفق أن أعترف بحقيقة لم يشأ كثير من الكتّاب المسلمين أن يعترفوا بها ، هى أن التعليم بين النساء لم يكن منتشرًا انتشاره بين الرجال ، وكانت نسبة المتعلمات إلى النساء أقل بكثير جدا من نسبة المتعلمين إلى الرجال”(7) .
10- ثم يتساءل قائلاً : ما الذى دعا إلى هذه النتيجة ، مع أن الدين الإسلامى لم يجعل الجنس (يقصد النوع) عائقًا للمرأة دون تلقى العلم ؟ وهو يجيب عن هذا التساؤل بقوله : “أعتقد أن الذى عاق النساء المسلمات عن مجاراة الرجال فى التعلم إنما هى الصعوبات التى كان يستهدف لها طلاب العلم ، فقد كانت الرحلات ، والحرمان، والتقشف شارات للطالب المسلم ، وكان العرب يضعون المرأة فى مكانة أسمى، ومنزلة أعلى فلا يسمحون لها أن نتعرض لنصَب العيش وشظف الحياة” (8) .
11- ونحن نتفق على بعض ما ورد فى هذه الإجابة ، لكننا لا نوافقه على مجموعها . فلم تكن صعوبات طلب العلم وحدها هى التى تمنع المرأة المسلمة من تلقى العلم ، وإنما كانت التقاليد العامة السائدة فى المجتمعات القديمة ، سواء لدى العرب أو الفرس أو الروم ، أو الهند والصين .. أما بالنسبة إلى نظرة العرب إلى مكانة المرأة ، فلم تكن لجميعهن ، حيث كانت متدينة جدا تجاه الإماء ! كذلك فإن العرب أنفسهم قد فقدوا مكانتهم فى السلطة مع انتهاء الدولة الأموية سنة (132هـ) وبدأت غلبة العنصر الفارسى مع بداية الدولة العباسية لحوالى مائة عام ، ثم تغلب العنصر التركى مع عهد المتوكل (234هـ) ، وبالتالى فإن الحديث عن العرب ينبغى أن يظل محصورًا فى حدوده ، ولا يعم سائر الأقطار الإسلامية(9) .
12- لكن د. أحمد شلبى يعود فيقرر أن “عندنا من النصوص الصريحة ما يؤكد أن البنت لم تلحق بالكتّاب صبية ، ولم تجلس فى حلقة الرجال شابة ، وكان الغالب أن تتعلم فى المنزل عن طريق أحد أقاربها ، أو بمؤدب يدعى لها”(10) وعلى الرغم من ضيق هذه المساحة المتاحة لبعض الفتيات المسلمات فى التعليم ، فقد برزت أسماء بعض النساء اللاتى اشتهرن برواية الحديث النبوى ، كما سبق القول ، واللاتى كان غيرهن أديبات وشاعرات ، فضلا عن أن بعضهن : كن موسيقيات ومطربات(11) أما المتصوفات ، فقد أفاض ابن عربى فى ذكر بعضهن ممن كن شيخاتٍ له ، تعلم منهن ، وكان لهن تأثير كبير فى حياته وأفكاره (انظر تحقيقنا لكتابى : روح القدس ، ومختصر الدرة الفاخرة لابن عربى ، وكذلك بحثنا بعنوان : مكانة المرأة عند ابن عربى) (12) .
13- أما المؤلفون المسلمون ، فقد كتب بعضهم مؤلفات مخصصة للتعليم والتربية من أمثال (القابس والزرنوجى ، وابن عبد البر) وكتب البعض الآخر عن التعليم عرَضًا فى مؤلفاتهم من أمثال (الجاحظ وابن سينا ، إخوان الصفا ، ومسكويه ، والماوردى ، والغزالى ، وابن خلدون ..) والملاحظ أنهم جميعا يركزون أساسًا على تعليم الصبيان ، ولا يكاد أحدهم يذكر شيئًا عن تعليم الفتيات ، باستثناء القابسى ، الذى سمح بتعلم الفتاة ، لكن بشرط أن تُفصل عن الصبيان فى المكتب أو الكتّاب .
14- وهكذا لابد من الاعتراف بأن سقف المسموح به والممنوع فى المجتمعات القديمة بالنسبة إلى المرأة كان متجذرًا بحيث لا يمكن اختراقه أو النفاذ منه . صحيح أن المرأة كانت فى بعض هذه المجتمعات محترمة ومقدَّرة من الرجل ، لكن هذا الاحترام أو التقدير لم يكن يسمح لها بمغادرة البيت ، إلا فى أضيق الحدود . ولذلك نجد الغزالى (ت 505هـ) يوصى المرأة بضرورة ألا تخرج من بيت والدها إلا إلى بيت زوجها ، ومنه إلى القبر .. أما عند خروجها لضرورة ـ فعليها ألا تتطيب ، وأن ترتدى الملابس الرثة ، ولا ترتاد إلا الأماكن الخربة غير المأهولة ، كى لا تتعرض للرجال ، ولا يتعرضوا لها(14) .
15- وفى مقابل هذا الرأى المتشدد من المرأة المسلمة لدى الغزالى ، نجد رأيا آخر مختلفا تماما ، وأقرب إلى نصوص الإسلام ، هو رأى ابن عربى (638هـ) الذى يؤكد مساواة الرجل للمرأة فى أصل الخلقه ، وفى التكاليف الشرعية ، وفى المعاملات التجارية، معتمدًا على حديث نبوى يقول : “النساء شقائق الرجال” وفى بحثنا الذى خصصناه عن (مكانة المرأة عند ابن عربى)(15) وجدنا موقفه منها يرجع لتعامله معها : أما وأختا وزوجة وابنة ، ثم حبيبة وشيخة .. أما بالنسبة إلى النصوص الدينية التى قد يفهم منها انتقاص مكانة المرأة عن الرجل فإنه يتتبعها بالتفصيل ، محاولاً إثبات أنها تؤكد مساواة المرأة للرجل وليس تدنيها عنه . ومن عباراته الدالة فى هذا المجال أنه كتب ما كتب “جبرًا لقلب المرأة الذى يكسره من لا علم له من الرجال” !
16- لكن رأى ابن عربى ، الوحيد والنادر ، لم يجد له صدى يذكر وسط ذلك الحشد الهائل من الأفكار السائدة ، والتقاليد الصارمة التى سادت المجتمعات الإسلامية كلها ، فظلت المرأة المسلمة حبيسة الدار، تهتم بشئون الزوج وتربية الأولاد ، ثم تموت غير معترف لها بفضل ، أو مسموح لها حتى بذكر اسمها فى السيرة الذاتية للمشاهير! بل إن بعض المجتمعات الإسلامية زادت على ذلك فحرمتها من نسبة الميراث المخصصة لها من الله تعالى فى القرآن الكريم ، بحجة الحفاظ على ثروة الأسرة ، وعدم تفتيتها فى أيدى النساء اللاتى يتزوجن من خارجها!(16) .
17- ونحن نسجل هنا بكثير من الأسف أن هذا الوضع الصارم من المرأة: تعليمها وعملها ، هو الذى استمر عدة قرون ، وهو لم يتغير حتى مع بداية النهضة التى أعقبت الحملة الفرنسية على مصر والشام (1798-1801) . وعلى الرغم مما تضمنه مشروع النهضة لدى محمد على ، الذى تمثل أساسًا فى استقلاله بالدولة المصرية ، وانشاء جيش قوى للبلاد ، إلا أن المرأة لم يكن لها فيه نصيب . فقد ظلت لمائة عام أخرى ، أى حتى نهاية القرن التاسع عشر وهى على حالها القديم : نساء الطبقة العليا محجبات فى البيوت ، وغير متعلمات ، والفقيرات هن اللاتى يشاركن أزواجهن فى البحث الشاق عن لقمة العيش لأولادهن(17) .
18- وفى سنة 1873 سوف نلتقى بأول كتاب عربى يظهر لأول مرة فى المجتمعات الإسلامية ، وهو من تأليف رفاعة الطهطاوى بعنوان (المرشد الأمين للبنات والبنين) ويتضمن دعوة صريحة ليس فقط لتعليم الفتاة المسلمة ، بل ولعملها أيضا . وسوف يتابع هذه الدعوة كل من قاسم أمين فى كتابه الشهير (تحرير المرأة) الصادر سنة 1899 ، ثم (المرأة الجديدة) الصادر فى 1901 – ومحمد عمر فى كتابه الفريد ، الذى عثرنا عليه مؤخرًا ، بعنوان (حاضر المصريين أو سر تأخرهم) الصادر سنة 1902 . ومن الواضح أن هذه الدعوات الصادمة للمجتمعات الإسلامية فى أحد ثوابتها التقليدية قد تزامنت مع فتح المدارس لتعليم الفتاة المصرية، التى تلقت تعليمها أولاً على أيدى مدرسات وافدات من سوريا ، ثم بعد ذلك تزايدت أعداد المدرسات المصريات ، وخاصة بعد أن تخرجن من الجامعة المصرية ، التى بدأن الالتحاق بها سنة 1924(18) .
19- لم تكن الدعوة إلى إعطاء المرأة المسلمة حقها فى التعليم والعمل سهلة، فقد تعرض أصحابها إلى حملات شرسة من معظم الكتاب ورجال الدين ، الذين راحوا يهاجمونهم ، مشككين فى نواياهم ، وطاعتين فى عقيدتهم الدينية ، ومعتبرين دعوتهم إلى تعليم المرأة نوعًا من المروق من الدين . ومن المؤسف أن توابع تلك الحملة ما زالت عالقة فى الجو الثقافى الغالب على المجتمعات العربية والإسلامية حتى اليوم !
20- ولأن الأمور فى المجتمعات الإسلامية ما زالت بعيدة عن التحقيق الموضوعى أو التوثيق العلمى ، فإن الهجوم الشرس على هؤلاء الدعاة إلى تعليم المرأة المسلمة قد استند إلى أدلة خطابية وتشويش مغرض . لذلك فإننا إذا أعدنا – اليوم – قراءة ما دعا إليه أنصار حق تعليم المرأة المسلمة وجدناه لا يخرج عن تعاليم الشريعة الإسلامية ، المستمدة من مصادرها الرئيسية ، كما أنه يتمشى مع طبيعة التطور البشرى للمجتمعات الإنسانية ، مع موافقته التامة لكل من العقل والحكمة .
21( أ )- فبالنسبة إلى رفاعة الطهطاوى ، نجده فى كتاب (المرشد الأمين للبنات والبنين) يوضح أهمية التربية (التى تشمل التعليم) لكل من البنين والبنات ، مؤكدًا على ضرورة تزويدهم منذ الصغر بالعقائد الدينية ، والأحكام الشرعية ، ثم يقوم بتعداد الصفات التى يشترك فيها الرجل والمرأة ، وكذلك الصفات التى ينفرد بها كل منهما ، مركزًا على أهم الصفات الحميدة فى المرأة كحسن المعاملة ، والمعاشرة ، والحلم ، بالإضافة إلى الذكاء والقدرة على التصرف .
يقول رفاعة : “وبالجملة فتربية أولاد الملة وصبيان الأمة وأطفال المملكة ذكورًا وإناثا من أوجب الواجبات”(19) .
”أما الذين تشددوا فى عدم تعليم البنات القراءة والكتابة فإنه يرجع لعادات محلية ، بل جاهلية : “وليس مرجع التشديد فى حرمان البنات من الكتابة إلى التغالى فى الغيرة عليهن من إبراز محامد صفاتهن أيا ما كانت فى ميدان الرجال تبعًا للعوائد المحلية المشوبة بجمعية جاهلية .. ولو جرب خلاف هذه العادة لصحت التجربة”(20) .
وفى فصل بعنوان (فى تشريك البنات مع الصبيان فى التعلم والتعليم وكسب العرفان) يقول رفاعة : “ينبغى صرف الهمة فى تعليم البنات والصبيان معا ، لحسن معاشرة الأزواج ، فتتعلم البنات القراءة والكتابه والحساب ونحو ذلك فإن هذا مما يزيدهن أدبا وعقلا ، ويجعلهن بالمعارف أهلا ، ويصلحن به لمشاركة الرجال فى الكلام والرأى ، فيعظمن فى قلوبهم ، ويعظم مقامهن لزوال ما فيهن من سخافة العقل والطيش مما ينتج من معاشرة المرأة الجاهلة لمرأة مثلها – وليمكن للمرأة عند اقتضاء الحال أن تتعاطى من الأشغال والأعمال ما يتعاطاة الرجال على قدر قوتها وطاقتها . فكل ما يطيقه النساء من العمل يباشرنه بأنفسهن وهذا من شأنه أن يشغل النساء عن البطالة ، فإن فراغ أيديهن عن العمل يشغل ألسنتهن بالأباطيل ، وقلوبهن بالأهواء وافتعال الأقاويل . فالعمل يصون المرأة عما لا يليق ويقربها من الفضيلة . وإذا كانت البطالة مذمومة فى حق الرجال فهى مذمة عظيمة فى حق النساء”(21) ويقول فى موضع آخر : “إن الأدب الناتج عن التعليم يغنى المرأة عن الجمال ، لكن الجمال لا يغنى عن الأدب”(22) .
وعمومًا فإن كتاب (المرشد الأمين للبنات والبنين) يتضمن برنامجًا ثقافيًا متكامل العناصر لكل منهما ، بالإضافة إلى نصائح قيمة لكل من أولياء الأمور ، والقائمين على إدارة الدولة والتعليم لكى يقوموا بواجبهم تجاه تعليم النشئ ، وإعداده لحياة سعيدة ومنتجة .
21(ب)- وبالنسبة إلى قاسم أمين فقد كان كتابه (تحرير المرأة) صرخة فى وادى الصمت والتقاليد السائدة منذ آلاف السنين من أجل إعطاء المرأة حقوقها المسلوبة منها دون مبرر عقلى أو شرعى . ومن المدهش حقًا أن يكون الهجوم على هذا الكتاب وصاحبه شرسًا للغاية ، وربما لم يتخلف أحد من معاصريه أو حتى من جاء بعدهم إلا وشارك فى الهجوم عليه ، فإذا حاولنا الآن اعادة قراءته من جديد وجدناه يتضمن ثلاث دعوات هى :
1- أن تتعلم الفتاة المسلمة حتى نهاية المرحلة الابتدائية .
2- أن تخرج للعمل سافرة الوجه والكفين ، وقد أجمع فقهاء المسلمين أنهما ليسا بعورة .
3- أن تعطى المرأة حقوقها الشرعية فى الزواج والطلاق .
وفيما يلى نصان من الكتاب يثبتان حقيقة ما دعا إليه قاسم أمين ، وبالتالى مدى التشويش الذى ثار حول دعوته .
النص الأول : “ولست ممن يطلب المساواة بين المرأة والرجل فى التعليم . فذلك غير ضرورى . وإنما أطلب الآن ، ولا أتردد فى الطلب، أن توجد هذه المساواة فى التعليم الابتدائى على الأقل ، وأن يعتنى بتعليمهن إلى هذا الحد مثل ما يعتنى بتعلم البنين” (فصل تربية المرأة)(23).
النص الثانى : “وبين هذين الطرفين (الشعور المنفلت لدى النساء الغربيات ، والمبالغة فى التحجب لدى الشرقيات) وسط سنبينه – هو الحجاب الشرعى ، وهو الذى أدعو إليه” (فصل حجاب المرأة) (24) .
21(ج)- أما محمد عمر فى كتابه الضخم ، الذى رصد فيه أحوال المصريين بالتفصيل ، وبين سر تخلفهم عن مجاراة العصر ، فقد قسمهم إلى ثلاث طبقات : الأغنياء ، والمتوسطين ، والفقراء . وفيما يتعلق بتعليم بنات الأغنياء يقول : انك إذا أردت أن تقف على تقدم أسرة أو تخلفها وانحطاطها ، فتأمل جيدًا حال البنت فيها ، فإن كانت تتهذب بالتربية الصحيحة ، وتتاح لها فرصة التعليم الجيد ، ثم تجد البيئة المناسبة للتعبير عن أفكارها ، وتدبير أمورها .. فاعلم أن هذه الأسرة تعدّ لبنة صحيحة فى بناء المجتمع الصحيح .
وبالنسبة إلى الطبقة الوسطى ونفورها من تعليم بناتها يقول : إن الأقباط المصريين كانوا أسرع فى تعليم بناتهم ، وعلى الرغم من أن الحكومة قد أنشأت مدرسة واحدة للبنات فإن الأمة كانت تنفر منها نفور السليم من الأجرب (26) ثم ما لبث الأقباط أن أدركوا قيمة تعليم البنات فبدأوا بإرسالهن إلى مدرسة الحكومة أو إلى مدارس الأمريكان والراهبات. ويشير تقرير المراسلين الأمريكان إلى أن عدد البنات عندهم بلغ سنة 1898 (3720) بنتا ، ليس منهن سوى عشرات المسلمات فقط ! كما يشير العدد الإجمالى للبنات فى المدارس الحكومية والأهلية إلى ما يقرب من (18) ألف بنت مصرية قبطية ، فى حين لا يتجاوز من يتعلمن من المسلمات أكثر من (2500) فقط ! ويكفى أنه يؤكد دعوته لتعليم الفتيات بقوله : “ان تعلم البنت فرض من فروض الإنسانية ، وركن من أركان المدنية”(27) .
أما أولاد الطبقة الفقيرة ، التى هى كل الأمة ، فعلى الرغم من أنه يوجد فيهن الأذكياء ، والمتطلعون لاكتساب المعرفة ، والتفوق فى استخدام المهارات ، لكنهن مع الأسف لا يتاح لهن التعلم الجيد ، أو حتى المناسب الذى يمكنه أن يخرجهن من حالهم المزرى إلى حال أنظف وأرقى . وفى هذا الصدد يقوم محمد عمر بعرض صارم لحال الكتاتيب فى مصر ، وما يدور فيه من طرق التعليم التى تختلط بالأخلاق الفاسدة إلى جانب كون المكان لا يصلح لتنشئة الأولاد جسما وروحا . ولذلك فإنهم يتعرضون للأمراض ، وتسرى بينهم العدوى ، ولا يحصلون على أى نوع من الرعاية الصحية والذهنية(28) .
22- نحن هنا فى نهاية القرن التاسع عشر ، ومطلع القرن العشرين.. والمعركة ما زالت ناشبة بين دعاة تعليم المرأة المسلمة، وهم قلة مستضعفة ، وأنصار حجبها فى البيت عن التعليم ، وهم الكثرة الغالبة. لذلك لم تنشأ أول مدرسة ثانوية للبنات فى مصر سوى فى عام 1925، وهو نفس العام الذى سمحت الجامعة الأهلية – المصرية بالتحاق خمس فتيات بها، وكانت لذلك ضجة رافضه ، حتى أن كاتبا شهيرًا مثل مصطفى صادق الرافعى كتب مقالاً ما زال يجرى تداوله فى الأوساط المتشددة حتى اليوم عن تواجد الفتاة الجامعية مع الشباب الجامعى بعنوان “شيطان وشيطانه”(29) .
23- وفى المغرب ، عندما ألقى الشيخ محمد الحجوى محاضرته الشهيرة فى معهد الدراسات العليا بالرباط سنة 1925 ، وكان موضوعها تعليم المرأة ، عارضه الحضور وشوشوا عليه وقاطعوه، وكان من بينهم رئيس الوزراء ، وبعض الوزراء ، الذين اعتبروا أن تعليم المرأة بدعة وضرر للمجتمع ، وقد اضطر الرجل إلى قطع محاضرته ، ثم عاد فألف كتابا تراجع فيه قليلا عما سبق أن صرح به ، وسماه (تعليم الفتيات لا سفور المرأة)(30).
24- وهكذا حتى ما يقرب من الثلث الأول من القرن العشرين ، كان الجو الثقافى والاجتماعى فى مصر غير مناسب لتعليم الفتاة المسلمة ، وكانت هناك الكثير من التحفظات ، وأهمها ما سوف يترتب على تعليمها من العمل ، الذى سوف يخرجها من جدران البيت ، ويسقط عنها الحجاب الذى ظل مفروضا عليها لآلاف السنين .. لذلك فإن كل مَنْ نادى بتعليم الفتاة المسلمة حتى ذلك الوقت كان يتصور أن هذا التعليم هو الذى سوف يعدها فقط للزواج ، وإنجاب الأطفال ، والقيام على تربيتهم بصورة صحية وصحيحة . وهذا واضح تمامًا من القصيدتين اللتين أنشأهما كل من الشاعر العراقى الرصافى ، والشاعر المصرى حافظ إبراهيم. والأولى مطلعها :
هى الأخلاق تنبت كالنباتِ
إذا سقيت بماء المكرماتِ
ومطلع الثانية :
كم ذا يكابد عاشق ويلاقى
فى حب مصر كثيرة العشاق(31)
25- بل إننا فى عام 1937 ، سوف نلتقى بكتاب (آداب الفتاة) لعلى فكرى ، أمين أول دار الكتب المصرية . وفى مقدمته يقول : “قد أصبح تعليم البنات فرضا لازما ملائمًا لحاجات الأمة ، فلا داعى الآن لإظهار فضل تعلمهن (وإنما) نكتفى يذكر ما يجب تعليمه لهن ، نقلاً عن كتاب (تربية المرأة) لحضرة صديقنا الفاضل محمد طلعت حرب ، فنقول :
إن تربية البنت لمما يساعدها على زيادة تحسين حال بيتها وتوسيع نطاق معارفها ، فيما يتعلق بواجباتها حتى تصير كمعلمه صحية وعملية من غير إخراجها عن وظيفتها ، حيث أنها ستصير أما. والأم هى الحجر الأساسى للأسرة” (32) .
لذلك فإن الكتاب ، الذى نعتمد هنا على طبعته العاشرة ، يقدم للفتاة نصائح عملية فى أسلوب حياتها بالمنزل كزوجة يمكنها أن تديره بصورة حضارية صحيحة ، بدءًا من الاهتمام بالنظافة إلى بيان آداب الطعام ، وتقديم الشاى للضيوف ، وكيفية محادثة النساء الزائرات ، وتربية الأولاد ، وإرضاعهن .. الخ
26- ومع التدرج الطبيعى لتطور المجتمع المصرى بالذات ، بدأت العائلات تكسر حاجز الخوف من تعليم البنات ، فبدأن يرسلهن إلى المدارس بكل مراحلها ، حتى الالتحاق بالجامعة . وقد ذكر لى أساتذتى فى كلية دار العلوم ، التى تدرس العلوم العربية والإسلامية، أن دفعة الفتيات اللاتى التحقن بها سنة 1946 ، قد قوبلت بالمزيد من الدهشة والاستغراب من الشباب ، وحتى الأساتذة ! لكنهن ما لبثن أن أثبتن جدارتهن فى الدراسة ، والأنشطة الثقافية والرياضية ، وبرزت منهن شاعرات مجيدات ، وبعد تخرجن عملن مدرسات وتقلدن مناصب قيادية فى وزارة التربية والتعليم .
27- لكن فى عام 1949 ، أصدر إسماعيل مظهر كتابًا ثائرًا بعنوان (المرأة فى عصر الديمقراطية) تجاوز فيه الدعوة إلى تعليم المرأة الذى كان قد انتشر بالفعل ، وكذلك عملها الذى اقتصر على بعض الوظائف المتواضعة التى أتاحها لها المجتمع ، لكنه ذهب إلى ضرورة إنخراطها فى الحياة السياسية كشريك كامل للرجل يقول:
”لست أريد أن أبالغ . ولكن لى أن أقول أن النساء أميل إلى المحافظة على النظامات الحكومية من الرجال. ومما لا شك فيه أن النساء إذا أصبح لهن صوت ذو أثر فى هذه الأجور (أجور العمال) فإنهن ولا شك لا يرغبن فى زيادة القيود التشريعية ، أكثر مما يرغبن فى إنقاصها . وأن حق تصويت النساء فى الانتخاب إذا تم لهن ، فإن نسبة قليلة مما يكون لهن من الأصوات يكون ذا علاقة بالعمل ، ذلك بأن اللواتى سوف ينتخبن من طبقة العاملات سوف يكن قليلات”(33) .
28- لكننا ينبغى ألا نغفل دور المرأة المصرية نفسها فى دفع وتمكين مكانتها فى المجتمع المصرى ، وسائر المجتمعات العربية والدولية . وهنا تبرز الرائدة الكبيرة هدى شعراوى (1870-1947) التى كان لها دور كبير فى دعم العديد من الأفكار التى ساهمت فى إعطاء المرأة المصرية حقها الكامل فى التعليم والعمل.
ومن ذلك أنها اقنعت الجامعة المصرية بتخصيص قاعة للمحاضرات النسائية لكى يشاركن الرجال فى المعرفة الأكاديمية ، كما دعت إلى رفع سن الزواج للفتاة إلى (16) والفتى إلى (18) ، وحالت دون الطلاق من جانب واحد ، أى دون إخطار الزوجة ، كما عملت جاهدة على الحد من ظاهرة تعدد الزوجات ، وأيدت تعليم المرأة وعملها المهنى والسياسى ، وقامت هى نفسها بخلع غطاء الوجه فحاكتها معظم النساء المصريات فى ذلك . وأسست فى عام 1923 الاتحاد النسائى المصرى ، الذى رأسته ، ثم أصبحت عضوا فى الاتحاد النسائى الدولى . ونود أن نشير هنا إلى الذين ما زالوا يهاجمون هدى شعراوى حتى اليوم أهمية أن يعلموا أنها تزوجت وهى فى الثالثة عشرة من عمرها زوجًا يكبرها بأربعين عامًا(34) .. لقد كانت هذه هى التقاليد السائدة ، وتلك هى العادات المستقرة !!
29- كذلك فى مطلع القرن العشرين ، وعلى مدى ما يقرب من ستين عاما ، نجد مفكرًا مصريا ، ما زال حتى اليوم مثيرًا للجدل ، هو سلامة موسى (ت 1958) يدعو بشدة فى كل كتاباته تقريبا إلى ضرورة إخراج المرأة المصرية من الممنوعات التى وضعها الرجل حولها ، وأهمها عدم التعليم ، وعدم العمل ، وعدم الخروج من البيت بحجة الحجاب ، وعدم مشاركتها فى الحياة العامة والشئون السياسية بالمجتمع . وقد صدر كتابه (المرأة ليست لعبة الرجل) سنة 1956 ، وفى آخر جملة منه يقول : “هلموا نحو التمدن . والتمدن هو حق المرأة فى الحرية وواجبها فى الإنتاج . بل حقها قبل كل شىء فى المساواة بالرجل وزمالتها له ، وليس مرءوسيتها له”(35) .
أما موضوعات الكتاب فيكفى هنا أن نورد بعض عناوينها الدالّة : (الأصل البدائى للحجاب – الرق والمرأة – بؤس المرأة فى مصر – جريمتنا نحو المرأة – نساؤنا المتعطلات – فلسفتنا عن المرأة – هؤلاء الأمهات – وزارة للعائله) .
أما بالنسبة إلى تعليم المرأة المصرية فإن سلامة موسى يرى أنه من ألزم الواجبات ، بل إنه يؤكد ضرورة مزاملتها للصبى والشاب فى مختلف مراحل التعليم حتى لا يتفاجأ النوعان ، الشريكان فى الحياة ببعضهما عندما يتزاملان فى مجالات العمل والانتاج اللازمين للمجتمع الحديث.
30- وهكذا يمكن القول إنه ما أن انتصف القرن العشرون حتى كانت المرأة المسلمة فى مصر (ثم تبعتها بعد ذلك على استحياء المرأة فى معظم البلاد العربية) قد أخذت حقها الكامل فى التعليم بمختلف مراحله ، وصار الباب أمامها مفتوحا للعمل فى كل أنشطة المجتمع ، ثم كان التحول الحاسم ، الذى أسكت الهجوم الظالم على تعليم المرأة وعملها حين عين الرئيس جمال عبد الناصر فى سنة 1962 إحدى السيدات (المتخرجات من الجامعة المصرية ، والحاصلة على الدكتوراه فى علم النفس من جامعة لندن) وهى الدكتورة حكمت أبو زيد وزيرة للشئون الاجتماعية. ومن المعروف أنها قامت بمهمتها الوزارية على خير وجه ، ودون أن تقصر عن مستوى زملائها من الوزراء . حينئذ ، وحينئذ فقط ، لم يعد هناك من يستطيع أن يعترض أو ينتقد أو يهاجم تعليم المرأة أو عملها !
31- لكن الحركات الإسلامية التى بدأت فى الظهور والانتشار منذ سبعينيات القرن العشرين ، وما زالت مستمرة وقوية حتى الآن ، عادت لطرح الموضوع من جديد . وهناك أصوات ذات تأثير قوى فى الجماهير تستنكر تعليم المرأة جنبا إلى جنب الشباب ، وتدعوها مرة أخرى لملازمة البيت ، حيث تكرس نفسها لشئونه وتربية الأولاد، وبالطبع لا تشارك فى الشأن العام ، أو الحياة السياسية ، لكن وضع اليوم لم يعد كالأمس . فمن الصعب أن يعود المارد بعد خروجه من القمقم إليه !. كما لم يعد من السهل فى عصر الاتصالات الالكترونية ، التى قربت بين شعوب العالم وجعلها تتواصل فيما بينها ، أن تتخلى المرأة المسلمة عن مكتسباتها التى تحققت لها عبر نضال طويل ، ومن خلال اجتياز عقبات جمّة.