تحقيق: صفاء شاكر وسلوى فتحي - القاهرة - " وكالة أخبار المرأة "

كثيرة هى المبادرات والمنظمات التى سعت فى الفترة الأخيرة لتحقيق حلم المرأة المصرية بالوصول بعدد مناسب من النساء لكرسى البرلمان, التى طالما كافحت وناضلت من أجله منذ أن منحها الرئيس الأسبق جمال عبد الناصر حق الانتخاب والترشح فى قانون الانتخاب عام 1956.. لتصبح أول نائبتين فى تاريخ مصر راوية عطية, وأمينة شكرى عام 1957, ولتستمر المرأة المصرية فى مسيرة الكفاح من أجل زيادة عدد نائبات مجلس الشعب ليصل أكبر عدد لهن عام 2010 مع كوتة المرأة ليتم إلغاؤها مع مجلس الشعب مع قيام ثورة 25يناير2011.
وقد بدأت معارك المرأة السياسية منذ بدأ الإمام محمد عبده رائد حركة التنوير فى النصف الثانى من القرن التاسع عشر, مطالبا بأن تربية البنات وتعليمهن لا يقل عن الذكور, لتستمر رحلة الكفاح للمطالبة ليس فقط بحقوقها السياسية بل والاجتماعية والاقتصادية, وليظل أبرز مكاسبها هو اقتحامها الحياة النيابية.
وبعد مساهمة المرأة بشكل ملحوظ فى إنجاح ثورتى 25 يناير و30 يونيو، ومشاركتها بقوة فى إنجاح الاستفتاء على الدستور والانتخابات الرئاسية، بلغت الكتلة التصويتية للنساء نحو 24 مليون صوت انتخابي، بما يقارب نحو 49% ممن لهم حق التصويت.
ووفقًا لقانون تقسيم الدوائر للانتخابات البرلمانية القادمة، تم تخصيص 56 مقعدًا للمرأة، فهل سيحقق البرلمان المقبل نسبة تمثيل مرضية لها، فى ظل اعتماد أغلب الأحزاب على خوض الانتخابات المقبلة بنظام القائمة أكثر من فردي.
ويشمل قانون تقسيم الدوائر الانتخابية، كما يقول اللواء رفعت قمصان  مستشار رئيس الوزراء لشئون الانتخابات ـ تقسيم مقاعد مجلس النواب إلى 240 مقعدا للنظام الفردي، و120 لنظام القائمة.
وبما أن المرأة تمثل 49% من القاعدة الانتخابية فى مصر وأول برلمان  بعد ثورة 30يونيو فسيتضمن 70مقعدا للمرأة منها (56قوائم و14 بالتعيين على الأقل, حيث إن القانون ألزم رئيس الجمهورية بأن يكون نصف التعيينات من النساء. 
وأوضح مستشار رئيس الوزراء أن خريطة الطريق نصت على انتخابات برلمانية ثم انتخابات رئاسية, ولكن بعد إقرار الدستور تم النص على منح المشرع (رئيس الجمهورية) الحق فى إعادة ترتيب خريطة الطريق.
تقول الدكتورة راوية كريشة  مؤسس تنسيقية العمل الجماهيرى لنساء مصر إن التنسيقية استطاعت بالتعاون مع عدد من المبادرات الحقوقية والنسوية ومنظمات المجتمع المدنى وضع المعايير التى ينبغى أن تتوافر فى المرشحات للانتخابات البرلمانية المقبلة، سواء على مقاعد القوائم المطلقة أو المقاعد الفردية، معربة عن أن التنسيقية تتكون من لجان المرأة بالأحزاب المختلفة، وهو مجال مفتوح للتنوع والاختلاف فى التوجهات من أجل الوصول إلى برلمان حقيقى تشارك فيه نساء مصر.
وأضافت الدكتورة راوية كريشة أنه حان الوقت لأن تتحمل القوى السياسية والمدنية الديمقراطية من أحزاب ومستقلين مسئوليتها الوطنية فى حماية الوطن من الانزلاق فى متاهة تفتيت الأصوات، والوصول إلى برلمان غير منسجم، يعمل على تباعدنا عن مسار التغيير والبناء، ويعقد الوضع اقتصاديًّا وسياسيًّا
وأشارت إلى أن هناك مخاوف لدى الحركة النسائية من البرلمان المقبل، خاصة فى ظل قانون مجلس النواب الأخير الذى يهدد بشكله النهائى استدامة المجال السياسى العام وإتاحته للنساء، مشيرة إلى أن القانون عليه كثير من الملاحظات التى تثير المخاوف وتدفعنا كحركات نسائية إلى الوحدة والتعاون من أجل المساهمة فى تمثيل حقيقى للنساء فى البرلمان المقبل، وأبرز هذه الملاحظات هو اتساع الدوائر المخصصة للقوائم المطلقة، إضافة للنسبة الأقل المخصصة لمقاعد القائمة، وهى 22,8% فى مقابل نسبة مقاعد الفردى والتى تصل لـ 78.2%، حيث يفرض اتساع دوائر القائمة على جموع الناخبات والناخبين اختيار نساء مرشحات ضمن القوائم دون إلمام حقيقى بمدى قدرتهن كمرشحات على تبنى قضايا النساء فى البرلمان، وهو ما يقود مجددًا لتمثيل شكلى للنساء فى البرلمان لا يعبر عن استحقاقات المرأة المصرية فى برلمان فاعل معبر عن مصالحها بشكل رئيسي.
وأضافت أن تنسيقية نساء مصر ستسعي، بمساعدة المبادرات النسوية الأخرى كمركز «أكت» وجبهة المرأة العربية، ومبادرة المحاميات المصريات، ومصريات مع التغيير، إلى تكوين قوائم من النساء القادرات على الترشح للبرلمان المقبل وتقديمهن للتحالفات الانتخابية التى تتكون حاليًّا، وهن سيدات تنطبق عليهن المعايير الصحيحة.
معايير لتمثيل النساء
بينما أكدت شاهندة مقلد ـ عضو تنسيقية العمل الجماهيرى لنساء مصر – أهمية اختيار معايير جادة لتمثيل النساء على مقاعد القوائم المطلقة أو الفردية، وتأمل مقلد أن تتشجع النساء بالترشح أملاً فى الدخول فى تجارب ومعارك انتخابية جادة تثقل خبراتهن، قائلة: «نحن لا نريد تمثيلاً للمرأة لمجرد انها امرأة، بل ذات كفاءة ولديها رؤية لقضايا الوطن بشكل عام»، مشيرة إلى أن «من هذه المعايير» أن تكون مؤمنة بأن استحقاقات النساء هى حقوق تم تجاهلها تاريخيًّا، وأن تكون مؤمنة بأن حقوق النساء جزء أصيل لا يتجزأ من حقوق الإنسان.
وأضافت مقلد قائلة: «إننا نريد برلمانيات يلتزمن فى توجهاتهن البرلمانية بجميع المواثيق والاتفاقيات الدولية التى وقعتها مصر والخاصة بالمرأة، بالإضافة إلى برلمانيات تتبنى أجندة تشريعية تشاركية مع الحركات والمنظمات النسائية, لترتب أولويات التشريع حسب الدستور الجديد، خاصة تشريعات لمواجهة التمييز وتجريم العنف والتعذيب وتكافؤ الفرص، والعمل على إدخال تعديلات دستورية تسد فجوات ونواقص الدستور الحالى وتعمل على مزيد من وحدته الدستورية.
وتقول هبة عادل – مؤسس مبادرة المحاميات المصريات ـ إن تكوين التنسيقية بالتعاون مع الحركات النسائية الأخرى لقائمة من النساء المرشحات بناء على معايير واضحة ومحددة, هو محاولة للوصول إلى أفضل سيدات لديهن وعى ودراية حقيقية بقضايا المرأة، ولتصبح قائمة استرشادية للأحزاب لندق بها ناقوس الخطر، والخطر هنا ينجم عن تعدد التحالفات الانتخابية، ومن ثم تسهم تنسيقية العمل الجماهيرى لنساء مصر فى توحيد هذه القوائم الخاصة بالنساء لاختيار الأفضل.
وأكدت أن القائمة التى تسعى التنسيقية لإعدادها سوف تسهم فى الاختيار منها المعينات، للوقوف على أفضل الشخصيات لخدمة المنصب، مشيرة إلى أن كل محاولات الحركات النسائية الآن هى عدم الاستسلام والتقاعس لقانون عليه بعض الملاحظات فى تحقيق تمكين سياسى حقيقى للمرأة فى هذه المرحلة، من خلال مزيد من السعى والدفع بالنساء للترشح على المقاعد الفردية، باعتبارها الكتلة الأكبر من خلال تحقيق حشد ودعم حزبى لهن، ودون ذلك ستكون المعركة الانتخابية صعبة جدًّا على النساء.
وأوضحت مؤسس مبادرة المحاميات المصريات أن المبادرة تقدم الدعم القانونى المجانى للمرشحات البرلمانيات فى ثلاث محافظات، هى القاهرة والإسكندرية, وسوهاج، عبر خط ساخن، بالإضافة إلى تدريب كوادر نسائية تقوم باختيار سيدات مؤهلات للحصول على مقاعد المحليات بالتعاون مع المجلس الثقافى البريطاني.
قائمة أفضل العناصر النسائية
ومن ناحية أخرى قالت منى منير  مؤسس جبهة المرأة العربية إن الحركة النسائية من خلال جهودها الحالية تسعى إلى الوصول لقائمة بأفضل العناصر النسائية فى العمل العام، وتوصيل رسالة إلى صناع القرار فى التحالفات السياسية فهناك دورا حقيقيا للمرأة يجب أن تمارسه، خاصة بعد أن غابت السيدات عن المراكز القيادية فى التحالفات السياسية، وأضافت منير أن القائمة تبدد المخاوف من عودة وجوه قديمة وفوق السن وليست لها علاقة بالعمل النسائى أو العام، ويتم ترشيحها فقط لمجرد الدعم المالى، مشيرة إلى أنها تريد برلمانًا يعبر عن طموحات المصريين بعد ثورتى يناير و30 يونيو يكون للمرأة دور فيه، معربة عن أن التنسيقية تسعى لدمج المرأة المعاقة والمرأة فى الخارج فى القائمة التى تسلم للتحالفات السياسية والرئاسة فى حالة المعينات.
وأوضحت نجلاء أبو المجد عضو الهيئة العليا لحزب المصريين الأحرار أن نسبة تمثيل المرأة فى البرلمان المقبل لن تزيد على 80 سيدة فى ظل القيود التى فرضها قانون مجلس النواب عليها, وسيطرة رأس المال, والعصبيات على النظام الفردى الذى يأخذ النصيب الأكبر من المقاعد، مشيرة إلى أن سيدات أسوان يشتغلن فى المجال العام منذ فترة كبيرة، وشاركن فى البرلمان 2012، وتقوم الآن بإعداد كوادر نسائية من أكثر من 35 سيدة نوبية، للمشاركة فى الانتخابات المقبلة، حتى يكنَّ صوتًا حقيقيًّا للتعبير عن المرأة الجنوبية.
وأضافت أبو المجد أن المعايير التى يتم الاختيار بناء عليها سوف تلعب دورًا كبيرًا فى تحقيق حلم النساء لاختيار من يمثلهن بشكل حقيقي، مشيرة إلى أن المعايير تكفل اختيار نساء لديهن دراية تامة بكيفية إدارج المرأة فى البناء الاقتصادى والاجتماعى والسياسى فى البلاد، والإيمان التام بالحق فى المساواة أمام القانون دون تمييز للنساء، وتبنى قضايا النساء الأكثر إلحاحًا سياسيًّا واقتصاديًّا، والتعبير عنها من واقع معلومات وبحث دءوب.
وأوضحت قائلة: إننا نريد برلمانيات قادرات على تبنى تصورات عملية وتشاركية لإصلاح أجهزة الدولة، خاصة ذات الطابع الجماهيرى كوزارات الداخلية والصحة والتعليم، واستئناف مسار البناء والتغيير لحماية وحدة الشعب والحفاظ على تماسكه».
مازال الطريق صعبا
أما شهيرة أبوغالي - ناشطة فى حقوق الإنسان - فترى أن وصول المرأة  للبرلمان ما زال صعبا ويحتاج لوقت طويل لكى تتمكن المرأة وحدها من النزول لمعركة الانتخابات خاصة البرلمانية، لأن سيطرة المال والقبليات والأعراف المجتمعية ستقف أمام المرأة، موضحة أن هناك الكثير من السيدات اللاتى يتوافر فيهن أهم الشروط لتمثيل المرأة فى البرلمان ولكن لا يجدن الفرصة ولن تسمح لهن الظروف بالنجاح.
وتضيف أن الأهم هو تغيير نظرة الأحزاب الليبرالية الموجودة حاليا تجاه المرأة ومحاولة دعمها ووضعها بمكان لائق بالأحزاب, وليس ديكورا كما هو معتاد, مع ضرورة دعم المنظمات النسائية لكى تتمكن من خوض التجربة على الأقل وتتمرس على كيفية خوض الانتخابات، موضحة أن تمثيل المرأة الضعيف بالبرلمان ليس فى مصلحة المرحلة المقبلة, كما أنه يأتى بمصر فى ذيل الدول لضعف التمثيل البرلمانى للنساء، لذلك يجب أن تتحدى المرأة نفسها وتتحدى الظروف وتسعى للوجود والتمثيل فى أى منصب قيادى وتنجح فيه.
وفى النهاية فتمثيل المرأة بالبرلمان لا يعنى ضرورة توافر شروط محددة بالمرأة فقط, بل يحتاج لدعم وتأهيل لكى تتمكن من خوض العملية الانتخابية، وأن تنجح فى الحصول على عدد لا بأس به من الأصوات وليس بالقليل فى حال عدم فوزها، كما نحتاج أن تتغير نظرة المجتمع لوجود المرأة بالبرلمان، لأن المرأة هى وحدها القادرة على تمثيل بنات جنسها والقادرة على التعبير عن مشكلاتها.
حلم 100 مقعد للنساء
ولأن  حلم 100 سيدة على المقعد الفردى يسيطر على اتحاد نساء مصر, فقد دشن “مبادرة” منذ عدة أشهر تحت اسم «نساء من أجل النساء» لمحاولة ضمان تمثيل مناسب بالبرلمان، ومع قرب أهم استحقاق انتخابى بعد الانتخابات الرئاسية وضمان تمثيل مناسب لها بالبرلمان قام الاتحاد باستكمال المبادرة ووضع شروط للسيدات اللاتى سيتم دعمهن.
وقالت الدكتورة هدى بدران الأمين العام لاتحاد نساء مصر إن الحملة قامت بوضع معايير وضوابط لاختيار 100 سيدة، من جميع محافظات مصر، لدعمهن إعلاميا ومعنويا، إلى جانب مساعدتهن فى الدعاية لأنفسهن خلال الانتخابات البرلمانية المقبلة لضمان تمثيل المرأة بشكل عادل.
وقام أعضاء الاتحاد بوضع معايير اختيار المرشحات بالمحافظات, بالإضافة إلى الرغبة فى خوض الانتخابات، أن يكون لها نشاط اجتماعى وسياسى وخدمات عامة فى الدائرة المرشحة لها وعلى دراية بمشكلاتها ولديها مقترحات للحلول، وأن تتمتع بحسن السيرة وكونها شخصية قيادية، إضافة إلى كونها من أبناء المركز أو الدائرة ولها عزوة جماهيرية وتكون لها علاقات وطيدة مع جميع أطراف المجتمع ولها شبكة من العلاقات بالمسئولين والتنفيذيين، وامتلاكها برنامجا انتخابيا واقعيا قابلا للتحقيق، إضافة إلى وعيها بأهمية دور المرأة فى تغيير المجتمع وتحقيق العدالة الاجتماعية وبناء مستقبل مصر، وأن يكون سبق لها قيادة بالمجالس المحلية أو النيابية إن أمكن، وتكون قادرة على المشاركة فى الأموال اللازمة للحملة الانتخابية، وتكون صاحبة رسالة ورؤية واضحة وبناءة تؤمن بأهمية تحقيق استحقاقات ثورتى يناير ويونيو ومن المؤيدين لهما.
وعن التحديات التى تواجه المرأة المرشحة  لمجلس النواب, قال الدكتور على الصاوى أستاذ العلوم السياسية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية:هى عزوف شرائح معينة عن المشاركة فى الحياة السياسية، وعدم معرفة المرشحة بتوجهات الجمهور فى دائرتها الانتخابية، بالإضافة إلى شراء الأصوات الانتخابية، وضمان عدم تعرض المرشحة للعنف أو البلطجة, إضافة إلى تحيز وسائل الإعلام لبعض المرشحات دون غيرهن.

الأهرام