مونتريال - " وكالة أخبار المرأة "

تضع البلدان المعنية بالهجرة في سلّم أولوياتها مسألتين حيويتين: تسريع اندماج الوافدين الجدد تمهيداً لجعلهم مواطنين متمتعين بكامل حقوق المواطنة، وتسهيل انخراطهم في سوق العمل وتحويلهم إلى قوة إنتاجية فاعلة. ولأجل هذين الهدفين، ترصد حكومات تلك البلدان موازنات ضخمة تنفقها على «برامج التأهيل اللغوي»، «مفتاح الحل» لما يواجهه المهاجرون في المجتمع الجديد من إشكالات وصعوبات تتعلق بفهم عاداته وتقاليده وخصوصياته الثقافية والاجتماعية.
فعلى سبيل المثال، تعيش في مقاطعة كيبك الكندية شريحة كبيرة من المهاجرات اللبنانيات، بعضهن على إلمام يسير باللغة الفرنسية أو الإنكليزية، وبعضهن الآخر على جهل تام بهما. ولحسن حظهن، فقد أتيح لهن أن يتعرّفن إلى نظام تعليمي – ثقافي – اجتماعي يقوم على ثنائية لغوية عريقة، قلّما يحظى بها أي بلد آخر. هذه الثنائية الرسمية (الإنكليزية والفرنسية) تعم المقاطعات الكندية الأنكلوفونية والفرنكوفونية منذ العام 1969. ويستفيد منها المهاجرون من مختلف الإثنيات تبعاً لحاجتهم إلى هذه اللغة أو تلك، واستخدامها في التداول اليومي أو في إطار العمل أو للتثقيف الذاتي أو غير ذلك.
والواقع أن برامج التأهيل اللغوي في كندا هي برامج حكومية بامتياز، تنفق عليها الدولة أكثر من 100 مليون دولار سنوياً. وهي مجانية، ومفتوحة أمام البالغين من مختلف الأعمار والجنسيات سواء كانوا مواطنين أو مهاجرين أو لاجئين. ويتوزعون على مراكز اللغة المنتشرة في معظم المناطق والمدن، ويجرى التدريس فيها على فترتين صباحية ومسائية، ويمكن الطالب أن يبقى فيها إلى أن يبلغ مستوى يؤهله الى التأقلم مع المجتمع المضيف أو الانخراط في سوق العمل، علماً أن كلاً منهما غالباً ما يتطلّب إجادة استخدام الفرنسية والإنكليزية معاً انطلاقاً من المقولة الشائعة إن» الطفل الكندي يولد برئتين إحداهما فرنكوفونية والثانية أنكلوفونية».
يذكر أن برامج التأهيل الكندية ليست لتعلّم إحدى اللغتين وحسب، وإنما هي أيضاً أحد العلوم الهادفة إلى نشر الثقافة المدنية بتفرعاتها الخدماتية كمؤسسات الهجرة والنقل العام والرعاية الاجتماعية والصحية والتعليمية. فالحاجة المُلحة الى هذا الجانب الخدماتي شبه يومية، وتعتبرها رجا سالم (سيدة لبنانية في منتصف العمر ومقيمة في مونتريال) «من أهم العوامل التي دفعتها الى تعلّم اللغة الفرنسية، وقد أعاق جهلي بها تأقلمي هنا سنوات عدة».
وتتعدد دوافع المهاجرات اللبنانيات إلى تعلّم الفرنسية، لا سيما في مقاطعة كيبيك، لدرجة أن وراء كل سيدة حكاية. فمثلاً تفخر سلمى نايف بتخلّصها من «معاناة الفراغ والغربة والملل والعزلة والإقامة شبه الجبرية إلى التنقّل في رحاب المراكز التجارية والتحدّث مع الناس. فهذه راحة نفسية لا توصف».
وتعزو سامية دامرجي نجاحها في امتحان السوق وحصولها على رخصة لقيادة السيارة، إلى مواظبتها على محاضرات اللغة الفرنسية سنتين متتاليتن، علماً أن هذه الرخصة من أكثر الوثائق الثبوتية التي تعترف بها الدوائر الحكومية، وأكثر ما يحتاجها المواطن الكندي في حياته اليومية.
وخلافاً لهؤلاء النسوة اللواتي قطعن شوطاً كبيراً على طريق التأقلم والاندماج، ثمة أخريات عزّ عليهن الذهاب إلى المدرسة ويخجلن من الجلوس على مقاعد الدراسة ولسان حالهن يردد: «العلم في الكبر كالشجرة بلا ثمر». واللافت أن بعضهن يمنّي النفس بالحصول على الجنسية الكندية وإن بمرور الزمن، أي حين بلوغ الستين من العمر. فتقدّم إلى هذه الفئة من النساء على طبق من ذهب وفي احتفالية عالمية، هكذا بلا امتحان ولا مقابلة شخصية ولا أي همّ آخر.
وفي نموذح مغاير، تعتبر ريما غزال أن الفضل في اكتسابها الجنسية الكندية يعود أساساً إلى مدارس اللغة الفرنسية التي أهّلتها ليس إلى النجاح في امتحان اللغة وحسب، وإنما إلى نجاح مماثل في اختبار المعلومات العامة عن تاريخ كندا وجغرافيتها وأعيادها الرسمية.
وثمة شريحة من المهاجرات الأصغر سناً، كميسون حمام التي صممت على تحسين مستواها باللغة الفرنسية إلى درجة متقدمة، ما وفّر لها فرصة عمل في مؤسسة خاصة والتعامل مع الناس والإشراف على واجبات أولادها المدرسية.