من منا لم تلسعه آلام المفاجأة في صديق أو إنسان كان يعده مثالاً للأخوة في هذه الحياة، بل من منا لم يشعر بمرارة الحزن نتيجة لموقف من شخص كان مقرباً منه وكان يعده خير ناصح يستعين به على نوائب وشوائب الأوقات وتقلب الأيام والزمن. دون شك أن معظمنا لديه قصة أو اثنتان أو حتى أكثر لرفقاء كان يمضي جل وقته معهم في رحلات وأمسيات، كانوا يتشاركون الاهتمامات والنقاشات، وكل أمر من أمورهم كانوا يشتركون في القرار حوله، ومضت بهم السفينة حتى توقفت في أحد موانئ التنكر والخديعة فيطعن أحدهم الآخر في أشد أوقات الحاجة وأكثر أوقات الضعف، فيصيب قلب هذه الصداقة أو الأخوة فيدميها ويريق سنوات من الذكريات الجميلة والألفة والتحاب.
 كثيرون هم الذين كانت الصدمة والمفاجأة أن مكمن الخطورة من جانب الصديق المقرب جداً، معظم علاقاتنا الاجتماعية وأقصد تحديداً رفاق الطريق وأقصد الطريق نحو بناء المستقبل والأصدقاء، لا يمكن معرفة معدنها وقوتها إلا على أرضية الواقع حيث تتكسر على هذا الواقع جميع المثل البالية أو القيم المهزوزة ولا تبقى وتصمد إلا الأخوة الحقة ومعدنها الأصيل فقط. أما الأصدقاء الذين يدعون المثل والقيم وهم متلونون متقلبون فإنهم مع أول اختبار أو محنة يبتعدون، وصدق الإمام الشافعي عندما قال في أبيات شعرية شهيرة له: "ولا خير في ود امرئ مُتلون، إذا الريح مالت، مال حيثُ تميلُ. وما أكثر الإخوان حين تعدهُم، ولكنهم في النائبات قليلُ".
 الألم الذي نشعر به عند انهيار صداقة مضت عليها سنوات طويلة، هو ألم يشابه ألم اختطاف الموت لعزيز، بل في أحيان كثيرة يكون وقع تنكر الصديق أشد وأكثر ضرراً من الموت نفسه، والسبب ببساطة متناهية أن هذا الصديق الذي مضت على الصداقة معه سنوات قد عرف عنك كل صغيرة وكبيرة، داخل منزلك وخارجه، حتى طريقة تفكيرك حتى أدق سلوكياتك واهتماماتك وطموحاتك ونظرتك للغد والمستقبل، بل كيف تتعامل مع المشكلات وكيف تتعاطى مع الأحداث جميعها أمور فهمها بدقة عنك، بل يعرف ما الذي يغضبك وما الذي يحزنك، فهو طوال سنوات لم يدرسك بدقة وحسب وإنما تعامل معك وتراكمت لديه خبرات عنك لذا هنا الألم الحقيقي. هذا الجانب أدركها وخبرها القدماء من الحكماء في مختلف الحاضرات والأمم، ويكفي أن أستشهد في هذا السياق بما ينسب لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، من قوله:" أَحْبِبْ حَبِيبَكَ هَوْنًا مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ بَغِيضَكَ يَوْمًا ما، وَأَبْغِضْ بَغِيضَكَ هَوْنًا مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ حَبِيبَكَ يَوْمًا مَا ".
وهذا المفهوم بحق جدير بالتمعن، وإذا كانت خبراتنا الحياتية قد لا تساعدنا للحصول على هذه القيم وهذه الخبرات إلا بعد تجارب مريرة، فإن بين أيدينا إرث إنساني كبير وبالغ الأهمية يمكن الاستفادة منه والأخذ به، مثل هذا الأثر البالغ الفصاحة والوضوح وأيضا البالغ الأهمية في زمن اليوم.. ولكل من تألم من صديق عابر، تذكر أن تنظر أيضاً لنفسك وضميرك، فقد تكون أنت أيضاً في يوم من الأيام هو ذلك الصديق الذي يقسو على أحبته ويظلمهم..