مُباركٌ على تونس نهجُ "الديمقراطيّة"، الصُندوق هو الفيْصل دائما في الدول الديمقراطية، بينما كان صندوق الاقتراع في تونس المُعضلة الكبرى.
"محلى الثورة التونسية تضمّ الجميع" كان نشيدا يدوّي في الساحات لفترة معينة ودماء شهداء 14 جانفي/كانون الثاني 2011 ما تزال ساخنة، إلى أن بان لنا بالكاشف أن ما اصطلح على تسميته "ثورة" هو الذي شتّتنا وفرقنا وخلق منا مجموعات تشتهي قتل الأخرى.
اﻻنتخابات في تونس على أشدّها، الحكاية بدأت منذ أكثر من شهر في تونس، وظهر معها انفلات لفظي وتنظيمي للمنتمين للأحزاب ولغير المتحزبين، مع مضاربة الكلّ على الحزب الذي يريد فوزه بضرب البقيّة وفتح ملفّاتهم القديمة إن وجدت، إذ صارت المسألة دعاية سلبية للمترشّح المرفوض، فهذا اشترى أصوات المزكّين له بأمواله المشبوهة، وهذا زوّر أسماء المزكين إعتمادا على أرقام بطاقات تعريف وطنية مسروقة من دفاتر بعض الإدارات، وهذا باع وعوده للريح... إلخ
الكُلّ يُضارِبُ ضدّ اﻵخر بدلَ أن يسوّق للمُترشّح الذي يُريد فوزه.
اﻻنتخابات التشريعية حُسمَتْ لصالح حركة نداء تونس، النهضة خسرت عددا من مريديها وبعضا من المقاعد بعد ثبوت بعض التجاوزات. حليفاها الرئيسيان زمن حكم "الترويكا"، التكتّل والمؤتمر، خرجا بخُفّي حنين وبقي مرشحيْهما في سباق اﻻنتخابات الرئاسية. مصطفى بن جعفر عرف هزيمة ساحقة، أما المنصف المرزوقي قتأهّل إلى الدور الثاني من الانتخابات الرئاسيّة بفوزه في المرتبة الثانية بعد الباجي قائد السبسي، وكان حمه الهمامي في المرتبة الثالثة.
فترة ناريّة تعرفها البلاد، بلاتوهات تلفزية متشنّجة، بدأتها قناة نسمة الخاصة ببثّ ما سمته بتحقيق استقصائي عن مرشّح الحزب الوطني الحرّ سليم الرياحي. تلته قناة التونسية الخاصة ببلاتو تحليلي عن تحقيق قناة نسمة. وهكذا تواصلت صولات وجولات الإعلام التونسي، يمدح هذا ويشتم ذاك، إلى أن انتهى الدور اﻷول للانتخابات الرئاسية بفوز الباجي قائد السبسي بفارق 6% فقط على المنصف المرزوقي. وبدأت الحرب اللفظية بين مواليي الباجي ومواليي المرزوقي والمقاطعين للاثنين معا.
الجميع صفن ذراعيه لمحاربة أول نهج واضح لـ"الديمقراطية"، تلك التي صارت لعبة المال، أما اﻷعمال، فتوكّل أيها الشعب على الله و"ربّي يحلها من عندو".
قبيل الانتخابات التشريعيّة، هزّت الحوارات النارية أرجاء الإعلام والشبكات الإجتماعية في تعنّت واضح للحزبين اﻷقوى في تونس، النهضة ونداء تونس، وكل يصدح بضمان فوز حزبه باﻷغلبية. وهذا ما حصل قبيل الانتخابات الرئاسية، فإن كانت النهضة لم تعلن رسميا عن مساندتها لأحد المترشّحين، إلاّ أن النوايا كانت واضحة ولم يخفِ أيّ منتمٍ لحزب النهضة مساندته رسميا للمنصف المرزوقي، أما أنصار الجبهة الشعبية فأغلبهم أعلنها رسميّا "ﻻ النهضة وﻻ النداء" على اعتبار اﻷولى حركة دينية متطرفة، والثانية امتدادا للحزب الحاكم السابق "التجمع الدستوري الديمقراطي".
نجاح فصيل دون آخر في هذه الانتخابات كان نتاجا لأوراق الناخبين التي ملأت صناديق الإقتراع، لكنه لم يُرضِ العديد من الأطراف، فالظاهر أن الديمقراطية لعبة لا تعجب الكثيرين.
انشقاقات جهوية، شمال/جنوب، وانشقاقات من حيث المبدأ مقاطعون/منخرطون (في عملية الاقتراع للدور الثاني).. إلخ من الانشقاقات بين خونة ووطنيين وفائزين ومنهزمين وموالين ومعارضة...
وكثر التنظير بين القواعد في ما حصل في الانتخابات، وما قد تؤول إليه البلاد لو تمّت مقاطعة الانتخابات من عدمها... وما يجب أن يكون حسب المبادئ الحزبية أو حسب الإحساس الوطني.
من المسؤول عن تشتيت تونس وتقسيم شعبها كفّارا ومسلمين، متخلّفين وحداثيّين، بعد أن كان الهدف الرئيسي بعد أحداث 14 جانفي/كانون الثاني 2011 هو تركيز الحريات والتعدّديّة الحزبية، ورفض الإقصاء، بعد أن اضمحلّت دولة الحزب الواحد، السلطة الديكتاتورية نافذة اليد في البلاد، والوصول بالبلاد إلى انتخابات نزيهة وشفافة، يحتكم فيها الشعب للصندوق.
وعلى ذكر الصندوق، الباجي قائد السبسي في مواجهة للمنصف المرزوقي، ولا خيار ثالث بينهما إلاّ تونس.