تم تسجيل 7557حالة عنف خلال العشرة أشهر الأولى من السنة الجارية، منها 1753 حالة سوء معاملة، 5486 حالات عنف جسدية، و9 حالات قتل عمدي، إذ تم اغتيال 5 نساء من طرف أزواجهن إثر خلافات زوجية أو عائلية، وكم من حالة يتم التكتم عنها لم تدرج في هذه الإحصائيات لكن المرأة الجزائرية اليوم نزعت حجاب الخوف وارتدت لباس الجرأة، لتقول لا للعنف ولـ«الحقرة» ونعم لحقوق النساء.
يمثل العنف الممارس ضد المرأة أحد أكبر القضايا التي توضع على طاولات النقاش في المجالس البرلمانية والحكومية، فالتحولات الاقتصادية والاجتماعية التي تدين الممارسات القديمة وضعت هذا العنف في صلب انشغالاتها، لأن العنف الممارس ضدها يؤدي إلى وفيات وإعاقات تفوق تلك الناتجة عن أسباب أخرى كالأمراض والحوادث المختلفة، إذ أكدت الدراسات التي قام بها المعهد الوطني للصحة العمومية أن العنف الأسري خاصة العنف بين الأزواج قد اتخذ منحا تصاعديا مخيفا جدا.
إن ظاهرة العنف ضدّ المرأة تستند إلى القيود الاجتماعية وعلى التسامح مع الاعتداءات الممارسة، غير أن الحركة المناهضة للعنف ضد المرأة في تطور مستمر وقد سجلت عددا من المكتسبات، إذ نشهد نوعا من اهتمام الرأي العام بهذا الموضوع الذي أصبح جليا من خلال وسائل الإعلام، وفي هذا الإطار جاءت الإستراتيجية الوطنية لمكافحة العنف ضد المرأة، لتدعم مختلف التعديلات التشريعية مثل تعديل قانون العقوبات وقانون الأسرة.
كفى عنفا.. الحقوق للنساء الآن
تحت هذا العنوان وبدعم من الاتحاد الدولي لتنظيم الأسرة وبالخصوص من خلال صندوق المشاريع الخلاقة، اقترحت الجمعية الجزائرية للتنظيم العائلي هذا المشروع، والذي ينص على حث صانعي القرار على سن قانون يضمن حماية المرأة من جميع أشكال العنف وتثقيف العامة حول هذه القضية بهدف التغيير من مواقفهم السلبية.
تشريع قانون يجرّم مختلف أشكال العنف ضد المرأة ضروري
 الإحصائيات المقدمة تؤكد  أن التشريع الحالي لا يحمي النساء بما فيه الكفاية، لأن مواد القانون التي تتطرق بصفة مباشرة لأعمال العنف المرتكبة في حق النساء، والنادرة أصلا مشتتة في قانون العقوبات مما يجعلها عديمة التأثير والفعالية، وما تجدر الإشارة إليه هو أن اللجوء إلى القانون هو مرهون بحماية الضحايا، لأن عدم إحساس الضحية بالحماية يجعلها تتكتم على فعل العنف الممارس ضدها وبالتالي لن يعاقب مرتكبه، لكن إذا ماكان قانون العقوبات شرطا لا غنى عنه عند معاقبة مرتكبي أعمال العنف فإن الغاية المرجوة من كل تشريع، هو ردع هذه الأعمال والابتعاد عن ارتكابها. في الحقيقة أن الأمر لا يقتصر على الردع فقط بل العمل على تفاديه لتحقيق مبدأ الوقاية، وهو ما يوجب علينا معالجة الظروف الاقتصادية والاجتماعية، والعمل على تحسينها لأنها ذات ارتباط جذري بغالبية مرتكبي العنف ضد النساء، كما يجب تغيير الذهنية الذكورية ومحاربة الممارسات الاجتماعية التي تكرس التمييز واللامساواة.
«نريد إدراج تعريف العنف في القانون»
كثيرات هن النساء اللواتي ساندن هذا المطلب الذي يعدّ ضروريا لاسترجاع كرامتهم وأدنى حق من حقوقهم، منهم السيدة «حمزة مريم» أستاذة بالثانوية إذ قالت لنا: «العنف ضد النساء هو كل عمل من أعمال العنف الذي يقوم على أساس الجنس الأنثوي، مما يسبب أو يحتمل أن يسبب ضررا للمرأة أو معاناة جسدية ونفسية أو جنسية، بما فيه التهديدت أو الحرمان التعسفي من الحرية إما في الحياة العامة أو الخاصة، لذا فنحن نطالب بالمصادقة على القانون 266 مكرر القاضية بعقوبات الزوج المعتدي، وعلى قانون صندوق النفقة لأن هذا سيعيد لها الاعتبار ويزيد من فعاليتها في المجتمع. نساء كثيرات ماكثات بالبيت لا يهمهن الأمر غير الإنصاف لأن الحياة حرمتهن من التعليم والعمل لكن لم تحرمهن من الحصول على حقوقهن التي حرمن منها، والتي استبد فيها الزوج الظالم طيلة حياته لتقول اليوم لا للعنف لا للحقرة لأنها، وجدت الكثير من الحماية والدعم من طرف أجهزة الدولة الحكومية والقضائية.
العنف ببعديه السيكولوجي والبيولوجي
يحاول أصحاب هذا المدخل إرجاع سلوك العنف إلى عوامل بيولوجية بحتة، إذ يرون أن الرجل بطبيعته التكوينية والبيولوجية يميل أكثر إلى استخدام العنف، وهذا ناتج عن زيادة في مستوى هرمون التستوسترون «testostérone»- عند الرجل، ويقر أصحاب هذا المدخل أن الرجل يولد عنيفا بطبعه بسبب التركيبة الفسيولوجية، ومن ثم يمارس العنف على غيره وعلى المرأة بشكل ،خاص، فهذا المدخل يدعم فكرة ممارسة العنف ويبررها، على اعتبار أن الرجل يولد على هذه الفطرة، ومزود بهرمون تستوسترون ومن ثم فإن التعاطي معها أمر طبيعي. وقد سادت هذه الفكرة طويلا، وغذّت الكثير من الأفكار والمعتقدات، وأصبحت شائعة في كل الأوساط، إلا أن البحث العلمي تطور في هذا المجال، وتمكنت الأبحاث والدراسات الطبية من الوصول إلى اكتشاف عدم وجود ارتباط بين سلوك العنف وبين زيادة مستوى هرمون التستوسترون.
يذهب أصحاب هذا المدخل إلى تفسير ظاهرة العنف بإرجاعها إلى أسباب كامنة في شخصية الفرد، وليست خارجة عنه. ويؤكد أصحاب هذا المدخل أن الطفل يمر في حياته بتجارب قاسية، تولّد لديه سلوكيات عدوانية لها تأثير هام على سلوكه في المستقبل، لتصبح هذه السلوكيات العدوانية مع مرور الزمن- جزءا لا يتجزأ من شخصيته. ويرى أصحاب هذا المدخل أن السبب يعود في كثير من الأحيان إلى فقدان الطفل في المراحل الأولى من حياته الحب والحنان من طرف الوالدين، الأمر الذي يولد عنه سلوكا عدوانيا يعوض من خلاله هذا النقص العاطفي. إذن فالتجربة غير السوية التي يمر بها الطفل هي أساس الانحراف، إذ تخلق لديه اضطرابا في شخصيته. فالمرأة التي يمارس عليها العنف منذ الصغر يصبح لديها اعتقادا أنها إنسان يستحق التصرف معه بالعنف، وتتدعم هذه الفكرة من خلال الثقافة والمعتقدات السائدة.