تدور الأغنية في رأسه ويدور، حقيبته على ظهره و هو يجوب شوارع المدينة القاحلة مفكرا أي الحانات يقصد فقد تسلم اليوم ثمن مقالات نشرتها له مجلة شهيرة.
 أشعل سيجارة ووقف أمام واجهة محل يبيع القمصان الرجالية، عدل عن قرار كاد يتخذه. سيؤجل شراء القميص ليوم آخر. لم يلق بالا لنصيحة صديق بأن يبحث له عن شقة يقطنها ويتوقف عن النوم على أرصفة الشوارع الخلفية، اكتفى بالقول:
- أنا كالغيلم بيتي فوق ظهري.
لسبب ما تذكر جنازة والده، كم كان غبيا حين ارتمى بين أذرع غريبة يبحث فيها عن بعض حنان رجل لم يهبه غير اسمه.
في الطريق عشاق يعبرون ضاحكين مولين ظهورهم لطقس الحزن الذي يجتاح المدينة. مد يده إلى علبة السجائر يجتث منها سيجارة أخرى، أشعلها وهو يتثبت من وجوه غابت ملامحها. الأصوات في رأسه تكاد تصيبه بالجنون وصدى الأغنية يغرقه في الارتباك.
مرت سائحة تضع قلادة عليها رمز إيروس، تملكته رغبة مجنونة في أن يضاجعها على مرأى من الجميع، بدأ بملاحقتها إلى أن أبدت امتعاضها مما يفعل، تابع طريقه شاردا كأنها لا تعنيه بشتائمها.
استعاد تفاصيل الحوار الذي دار بينه وبين بوهيميّ التقاه ذات ليلة باردة، قال وهو يسرد على البوهيميّ محاسن النبيذ:
- للخمر مفعول السحر.
- مفعول الحب وحده. تلك القبلة المحمّلة بطيب الجنة لا شيء يضاهيها.
- الحب  سبب آخر لمبيتي هنا.
- أما زلت تحبها ؟
- نعم.
- لم لست معها؟
-  هجرتني.
- عد إليها. هي ضلعك الذي فقدت منذ الأزل هل ترضى أن ينام ضلعك على صدر رجل آخر؟
تحسست يده المرتجفة صدره ثم انتقلت إلى جيب بنطاله تتلمس رزمة النقود. هل تكفي هذه النقود لقضاء أسبوع من الترف؟ فقد اعتاد أن لا يسير أي شيء كما خطط له.
تعود الأصوات إلى رأسه مشكلة قنابل موقوتة، أحد الأصوات يحثه على الانتحار، تذكر كلمات طبيبه وهو يسأله لم لا يترك صوتا واحدا يأكل أفكاره كالصدى، طبيبه أيضا كان من ضحايا مدينة موبوءة تقود سكانها  إلى الجنون.
فجأة ينتبه إلى تجمهر الناس في الشارع، ينتابه فضول شديد، يقترب منهم، يعبر الواقفين، تتملكه حالة من الضحك الهستيري حين يستجلي الأمر، كلب يثور على صاحبه ناسجا على منوال ثوار المدينة. تتلفت الوجوه نحوه. يترك الحلقة ويتابع سيره.
تتكرر إحدى كلمات الأغنية في رأسه بطريقة بغيضة «وحدي، وحدي، وحدي» لم يكن أبدا راضيا بحاله بقدر ما كان مستسلما لقدره. هل كان سلبيا إلى تلك الدرجة التي تجعله يفترش كل ليلة رصيفا جديدا؟
أحس أنه يتحلل كنفايات عضوية، تفاصيل اليوم الحار تلتف حول رقبته كحبل مشنقة وتتسلل إلى داخله من ثقوب جسده هواء مسموما يحاصر روحه ويخنقها. تساءل في حنق أي غباء أوحى إليها بتركه؟
فتح علبة السجائر ليجد أنها فارغة، توقف عند بائع تبغ يترنم بلحن منسي، استرعت انتباهه الجملة المكتوبة تحت ساعة معلقة على الجدار المواجه لمدخل المحل:
- لا شيء تفعله الساعة غير تذكيرنا بخواء الحياة التي عشناها.
يلفه المعنى فيهجر وعيه الأرض ولا يعيده إليها غير أجراس الكنيسة ترتب صخب المدينة.
اليدان أعلى الكتدرائية تمتدان إليه لكنه مازال يخشى سخط الرب لذلك عاد أدراجه نحو المدينة العتيقة لعله يجد جذوره المدفونة بين قباب الجوامع.
في طريقه اعترضته وجوه عديدة لأجساد وقفت عند الباب تنتظر عودة البحر. وفي سوق اكتظت بالنحاس عادته الأغنية مع دقات المطارق وتدافع المناكب. نسي أول مرة أتى فيها المدينة وأي الشوارع قصد، من كان في انتظاره. هل عاش وحيدا طيلة حياته حقا؟
أصوات الباعة تزعجه وهي تدعوه للدخول إلى محلات يتهددها الانهيار، أمام أحد المحلات حوض بلاستيكي به ثلاث سلاحف صغيرة، تذكر حقيبته وصوته وهو يشبّه نفسه بالغيلم، آلمه السجن الذي وضعت فيه السلاحف، انحنى وبدأ بالتقاطها واحدة بعد أخرى ليضعها على الحجارة المرصوفة، انتبه إليه صاحب المحل فاتجه إليه صارخا:
- ماذا تفعل أيها المعتوه؟
- أحررها، (مخاطبا السلاحف) ها أنت حرة اختاري طريقك.
لكن السلاحف لم تتحرك كأنها اعتادت الحياة اليسيرة داخل الحوض، أحس بالخذلان، ترك المكان متابعا طريقه.
صدى الأغنية، الأجساد المثيرة وحرارة الطقس حركت فيه رغبة ظل يكبتها لمدة طويلة، خطأ اعتقد أن السير يمكن أن يخفف من حدّة الهاجس الذي انتابه.
ملّت قدماه المسير، أيقن أن تجواله في المدينة دون جدوى، لا بدّ من قصد المكان الذي يؤمه جل المحرومين، لكن أناه تتعفف عما يطلبه جسده.
كل ما كتبه الأدباء والرحالة القادمون من بلدانهم البعيدة عن السيمفونية الرائعة التي يشكلها صراخ الباعة مع الطرق الرتيب على النحاس مضافا إليها زغاريد نسوة قدمن لاقتناء قفة تملأ بالحلوى ولا تكتمل أعراسهن دونها كان لغوا، بالنسبة إليه كل هذه الأصوات مجتمعة لا يمكن إلا أن تكون نشازا يزيد من إحساسه بالحنق على هذه المدينة التي لا تمنح نفسها إلا للأغبياء والمنافقين.
لأكثر من مرة منذ دخوله السوق اصطدم كتفه بكتف آخر وسمع كلمات عديدة تعتذر عن الأمر. لم تغره رائحة العطر الفاخر التي اخترقت أنفه عنوة بالاقتراب ممن تضعه، ربما خشي تكرار ما حدث مع السائحة صباحا، لكنها اقتربت منه، تلامس الكتفان، اعتذرت بصوت شبقيّ وشفاه محمومة، مدت يدها الدافئة مد يده الباردة، أحس تيارا قويا يسري في عروقه ويجعل شيئه ينتصب تلقائيا.
حديث الأصابع وهي تضغط على يده، عيناها المتوسّلتان لم تترك له مجالا لرفض اقتراحها بالذهاب إلى إحدى المقاهي القريبة حتى تعتذر له على طريقتها.
لم يكن لديه شيء مهم ليقوم به غير الجلوس في مقهى برفقة امرأة غريبة حدثته ببلاهة عن غياب زوجها وإحساسها بالوحدة رغم المنصب المهم الذي تشغله، لم يكن مهتما لما تقول وهي تحاول أن تثير انتباهه بأنها على درجة عالية من الثقافة بحديثها عن عدد الكتب التي قرأت بقدر ما كان يفكر في ما يمكن أن تؤول إليه هذه الجلسة. لو كان يملك سقفا لدعاها إلى قضاء الليلة معه ولتذهب بعد ذلك إلى المريخ إن أرادت. لا يستطيع النظر أبعد من ذلك امرأة يضاجعها ثم تذهب في حال سبيلها.
قال غير مهتمّ لردة فعلها:
- سأجعلك تلامسين السماء.
اتسعت حدقتاها، أحس أنه يقترب من غايته لذلك واصل كلامه.
- هل تستطيعين تأمين المكان لسهرة رائعة لأنني لست مقيما هنا.
كأنما أصابها مس، ابتسمت وأعلمته أنها تقطن لوحدها وأن من الجميل أن يقضي الليلة معها.
على غير ما توقع كان الأمر في غاية السهولة. نقدت النادل ثمن ما شربا وأمسكت بيده تقوده إلى موضع سيارتها.
في الطريق أحس أنه محارب فاز على أقوى أعدائه وهي تحدثت كمراهقة استطاعت الإيقاع بمدرّسها.
في شقتها الفخمة انتابته رغبة في العودة إلى الرصيف الذي التقى فيه البوهيميّ ذات ليلة باردة وإتمام الحوار الذي خاضاه سيخبره أن لا امرأة تستحق العناء وأنهن سواء في الخيانة.
دخلت الحمام كي تستحم وتركته يكتشف غرفة النوم، سريرها كان أكثر إثارة منها. نسي أو تناسى سبب وجوده هنا، تغافل عن صوتها وهي تردد ذات الأغنية التي دارت في رأسه صباحا.
 تمدد كجرذ يستحم بضوء الشمس ونام.