يسخر كثيرون أحيانا مما يقال في بعض دور العلم عن “عتق عبد” ككفارة عن بعض الذنوب، ويقولون أن زمن العبيد انتهى، فماذا نفعل؟، ويقول آخرون أن العبودية انتهت في العالم بتحريمها داخل الإمبراطورية البريطانية ككل عام 1834م وتحرير قيصر روسيا العبيد في بلاطه في ستينات القرن التاسع عشر أو بتحرير العبيد في مزارع القطن في الولايات الجنوبية للولايات المتحدة بمبادرة من الرئيس ابراهام لينكولن، ولكن الحقيقة أن زمن العبيد أو “الاستعباد” عاد مرة أخرى وبصورة أكثر شراسة على أيدي مافيا تجار البشر.
فقد عادت في صورة تجارة النساء في سوق (نخاسة جديد) في أسواق أوروبا، وعادت في صورة بيع أطفال ونساء من بعض الدول العربية التي تشهد حروبا خصوصا سوريا، وعادت كذلك في صورة “وشم” النساء اللاتي تستعبدهن منظمات الجريمة الجنسية في الغرب على رقابهن أو صدورهن أو أذرعهن -كما كان يحدث من وشم للماشية في الغرب الأمريكي- كعلامة على ملكية هؤلاء الضحايا لهذه العصابات، والأخطر أنها عادت في صورة تجارة العبيد.
بل إن هناك تقارير دولية تتحدث عن ارتفاع معدل قضايا الاتجار بالبشر في دولة الإمارات العربية المتحدة على مدار الأعوام الثلاثة الماضية، منها 43 قضية، تم ضبطها من قبل السلطات، بسبب الحالة الاقتصادية المنفتحة للإمارة ورغبة الكثير من الأوروبيين والروس للعمل بها للثراء السريع، واستغلال عصابات لذلك في توريد فتيات للعمل في تجارة الجنس خصوصا تحت ستار العمل لدى شركات.
حيث تشير دراسات لمؤسسات بحثية عن تجارة البشر، أن هناك نحو مليوني إنسان يتم الاتجار بهم سنويا أغلبهم من النساء والأطفال لأسباب متعددة ومعقدة ومتداخلة أهمها سرعة الأرباح والتكلفة البسيطة، حيث يبلغ سعر الضحية من 2000 إلى 10000 دولار فضلا عن أن مخاطر المقاضاة الجنائية تكون ضئيلة في معظم الدول.
ومنظمة العمل الدولية تقدر وجود ما لا يقل عن 3.12 مليون إنسان يعيشون تحت شكل من أشكال العبودية في عالمنا اليوم، وتؤكد أحدث دراسة صادرة عن مركز دراسات اللاجئين بجامعة أكسفورد البريطانية أعدها «هيذر مونتغمري» و«سادي ساس كروبوني» و«روز انفانز» أن تجارة البشر تعد ثالث أكبر نشاط إجرامي بعد تجارتي السلاح والمخدرات، بل والأسرع نموا، وأن 98% من الضحايا هم من الفتيات والأطفال، وأن أرباحها تقدر بنحو 28 مليار دولار سنويا.
وقد قدرت دراسة أجرتها منظمة “أوربيان اكستيرنال بوليسي أدفايزر”، وهي منظمة استشارية بالاتحاد الأوروبي، مكاسب عصابات الاتجار بالبشر في منطقة القرن الإفريقي فقط بـ 600 مليون دولار أميركي.


نصف مليون امرأة أوروبية ضحية
وتشير إحصائيات منظمات دولية أن ما بين 200 ألف إلى 500 ألف امرأة وفتاة يعملن في سوق الدعارة بأوروبا، أغلبهن من دول البلطيق والبلقان وروسيا وأوكرانيا وروسيا البيضاء وأرمينيا وبولندا وتشيكيا وسلوفاكيا ورومانيا وبلغاريا وكرواتيا ومقدونيا وصربيا والبوسنة وألبانيا.
وتقول إحصائية صادرة عن وزارة الداخلية الأوكرانية إن حوالي 400 ألف امرأة وفتاة دون سن الثلاثين غادرن أوكرانيا خلال السنوات العشر الماضية عن طريق عصابات المافيا، التي استغلت ظروفهن الاجتماعية والاقتصادية.
 وقدرت المصادر البريطانية أنه تم تهريب أكثر من 4000 امرأة إلى بريطانيا وحدها، للدعارة في عام واحد، منهن أكثر من 200 حالة لنساء ليتوانيّات جرى بيعهنّ في بريطانيا حيث أُجبرن على ممارسة الدعارة والعمل في أماكن لا يرغبن بها، كما تشير إحصائيات أخرى أن خمسة آلاف شخص يقعون ضحايا للاتجار بالبشر في بريطانيا سنويا، وهذا بخلاف باقي الدول الأوروبية، الأمر الذي دعا الاتحاد الأوربي إلى إصدار قانون لمنع تهريب البشر والمتاجرة بهم وتنفيذ عقوبات رادعة على مرتكبي تلك الجرائم.


وشْم الضحايا
وأحدث طريقة لتملك الضحايا من البشر في سوق النخاسة الدولية لجأت إليها أعتى الشبكات العالمية الخطيرة مؤخرا، بحسب وكالة الجريمة الوطنية البريطانية NCA، هي وشْم سماسرة الجنس ضحاياهم، لتأكيد ملكيتهم قبل بيعهم بآلاف الدولارات.
حيث أكد “ليام فيرنون”، رئيس مركز الاتجار بالبشر في المملكة المتحدة، إن هذه هي الطريقة المعتمدة من قبل المتاجرين بالنساء في أوروبا والولايات المتحدة، بحيث تصبح المرأة سلعة تباع وتشترى من خلال هذا الرمز الالكتروني المعروف بـ “بار كود”، حسبما نقلت عنه صحيفة “اندبندنت” البريطانية.
وأشار تقرير للمركز إلى أن هذا الرمز يستخدم لبيع وشراء النساء، اللواتي يتم استقدامهن من الخارج، وخاصة من أوروبا الشرقية، وتتراوح أسعارهن ما بين 350 إلى 10 آلاف دولار.
وتدل التقارير الواردة من الولايات المتحدة وإسبانيا على أن النساء العاملات في تجارة الجنس يتم وضع وشْم عليهن باسم المسؤول عنهن، وأنه تم العثور على سيدة رومانية تم ضربها واحتجازها ضد رغبتها في إسبانيا، وتم وشمها على شكل “باركود”.
  وأكدت صحيفة “اندبندنت” في تقرير نشرته 30 سبتمبر الماضي 2014 تحت عنوان: “Human traffickers’ victims ‘branded like cattle” أن الضحايا يجلبون إلى بريطانيا للعمل في تجارة الجنس، ويباعون بأسعار تتراوح بين 200 و 6 ألاف جنيه إسترليني، وأن تجار نيجيريين طلبوا من ضحاياهم ما يقارب 50 ألف جنيه إسترليني، وهي نفقات وثائقهن وسفرهن لبريطانيا، ويضمنون طاعتهن عن طريق المخدرات والكحول والضرب.
وقالت إن هؤلاء التجار يستخدمون مواقع التواصل الاجتماعي على الانترنت بحسابات وأسماء مزيفة، إضافة إلى إعلانات وظائف وهمية لجذب الضحايا الذين ارتفع عددهن بنسبة 22% في عام واحد هو 2013.
سيناء معبر لتجارة الرقيق لإسرائيل
وهناك طرق عديدة لمسارات تجارة البشر تنطلق من الدول الفقيرة في أفريقيا تحديدا وأوروبا الشرقية وتكون وجهتها غالبا الدول الأوروبية أو إسرائيل أو بعض دول الخليج، وأبرز هذه المسارات عبر سيناء في مصر، ومواني البحر الأحمر في إريتريا والسودان، بخلاف مواني روسية وصربية وألبانية.
وسبق أن اتهمت تقارير من وزارة الخارجية الأمريكية مصر بشأن ظاهرة الاتجار في الأفراد، وأدرجها في الفئة الثانية التي تتعلق بالدول التي لا تمتثل كليا للحد الأدنى من معايير قانون حماية ضحايا المتاجرة عبر حدودها في سيناء.
حيث تتهم أمريكا مصر بأنها “تعد دولة مرور للاتجار بالنساء من أوزبكستان ومولدوفا وأوكرانيا وروسيا، وغيرها من دول شرق أوروبا، أثناء نقلهن إلى إسرائيل عبر سيناء بهدف الاستغلال الجنسي”.
وقال التقرير الأمريكي إن عدد أطفال الشوارع في مصر يقدرون بمليون طفل، ويقول إن جزءاً منهم يتم استغلالهم في الدعارة سواء كانوا فتيات أو أولاد، كما أن رجال الخليج الأثرياء يسافرون إلى مصر بهدف عقد زيجات مؤقتة، تتم في بعض الأحيان مع فتيات دون سن الـ18، معتبرا مثل هذه الزيجات واجهة للاستغلال الجنسي التجاري بتسهيل من أهالي الفتيات وسماسرة الزواج.
وقد اعترفت إسرائيل رسميا أن ما يتراوح بين 145 ألفا و150 ألف أفريقي وصلوا إليها بالفعل عن طريق التهريب من سيناء منذ عام 2006 وحتى عام 2011، ولكن تقديرات المنظمات الدولية تشير إلى أن العدد يصل إلى 30 ألفا، وهؤلاء يعملون في مهن متدنية أو يجري استغلالهم أشبه بالعبيد في المنازل بمثابة عمالة رخيصة لا يدفعون عنها ضرائب أو تأمينات، وهم لا يشكلون خطرا امنيا على الإسرائيليين مثل العمال العرب، أو حبسهم في معتقلات جماعية وتقييدهم أو إعادة تصديرهم.
2.46 مليون طفل للبيع
وتشير إحصائيات الأمم المتحدة أن تجارة البشر من الأطفال تصل إلى 2.46 مليون، وأنه يجري استغلال الأطفال الذين يولدون في أوروبا بدون والدين محددين، ففي روسيا هناك أكثر من مليون طفل بدون والدين، ويزيد هذا العدد كل عام، بسبب الفقر والعجز الاقتصادي، حيث يخرج للشارع أكثر من 100 ألف طفل، كثير منهم أبناء فتيات دون سن السابعة عشرة، ومنهم في سن الحادية عشرة، كما تتخلى النساء في «براج» عن 20 ألف طفل سنوياً.
 
ويمثل هؤلاء المشردون من الأطفال سوقاً رائجة لعصابات مافيا تجارة الرقيق الأبيض، في أوروبا والولايات المتحدة وكندا، الذين يضعون للأطفال أسعاراً وفق مواصفات معينة، الأمر الذي يحمل في طياته مآسي كثيرة؛ لدرجة أن أحد المدمنين في روسيا باع ابنه بقارورتي خمر «فودكا».
وأكدت دراسة قامت بها «جمعية حقوق الطفل» التابعة للأمم المتحدة بيع 20 مليون طفل خلال السنوات العشر الأخيرة، ليعيشوا طفولتهم في ظروف معيشية قاسية، كما فقد 12 ألف طفل من البوسنة أثناء الحرب، بعدما تعرض أهاليهم للخداع من قبل عصابات الجريمة المنظمة مثل منظمة تدعى «سفارة الأطفال» يرأسها صربي، خدعت الأهالي أثناء الحصار بأنها تريد توفير أماكن آمنة للأطفال خارج البوسنة، وأنها ستعيدهم إلى ذويهم بعد ذلك، ولكن تم بيعهم لعائلات وكنائس في أوروبا، وتحدثت الصحافة الإيطالية مؤخراً عن ظهور بعض الأطفال في إيطاليا -بعضهم في سن الشباب- كانت الكنائس تخفيهم عن الأنظار؛ منهم فتاة أصبحت راهبة بعد تعرضها لعملية غسيل مخ، وهي دون التاسعة من عمرها.
وتعتمد شبكات الرقيق الأبيض في جلب الأطفال أساليب عدة، منها: سرقة الأطفال حديثي الولادة من المستشفيات والادعاء بأنهم ماتوا، وإيواء المراهقات والعاملات في سوق الدعارة الحوامل، ومؤجرات الأرحام اللواتي يتم وضعهن في أماكن سرية وتنتهي مهمتهن بعد الوضع، فيباع الأطفال أو يستخدمون في تجارة الأعضاء البشرية، بل وصل الأمر إلى حد تهريب المخدرات في بطون الأطفال بعد قتلهم.
إضافة إلى شراء الأطفال من ذويهم كما يحدث في ألبانيا حتى الآن، حيث يباع الأطفال الألبان في سن مبكرة بسعر يتراوح بين 6 و15 ألف يورو، لاسيما إلى الإيطاليين والفرنسيين والألمان.
بيع أطفال للإسرائيليين
وقد كشفت وسائل الإعلام العبرية أن الشرطة الإسرائيلية ألقت القبض على شبكة متخصصة في تهريب نساء من دول شرق أوروبا والجمهوريات التي كانت تشكل الاتحاد السوفييتي السابق بغرض استخدامهن لـ “إنتاج أطفال”؛ حيث يتم بيعهم لأسر يهودية لا تنجب.
وتم الكشف عن أن الشبكة المذكورة تقودها محامية إسرائيلية مرموقة، حيث يغرر أفراد الشبكة بنساء من أوروبا وروسيا ويتم جلبهن إلى إسرائيل، بحجة العمل في مشاريع سياحية وفنادق، وما إن تطأ أقدامهن المطار حتى يتم اقتيادهن إلى منزل خاص بهؤلاء النساء؛ حيث يتم إجبارهن على الحمل بالإكراه، ويمكثن طول فترة الحمل في المنزل الذي هو أشبه بالسجن، وبعد أن يضعن يتم بيع الأطفال للأسر اليهودية التي لا تنجب مقابل مبالغ كبيرة من الأموال، وبعد عملية الإنجاب، يتم إجبارهن على الحمل مرة أخرى لكي يتم بيع مزيد من الأطفال.
وأعادت وسائل الإعلام العبرية إلى الأذهان قيام عصابات إسرائيلية بتهريب فتيات من روسيا وشرق أوروبا لكي يعملن في تجارة الجنس، حيث يتم تضليلهن بوعدهن بالعمل في القطاع السياحي، كما ثبت تورط العديد من العصابات الإسرائيلية في تجارة الأطفال، حيث قامت بتهريب الأطفال من البرازيل إلى إسرائيل بغرض بيعهم لأسر لا تنجب الأطفال، كما أن العديد من الأطباء اليهود ثبت تورطهم في الاتجار بأعضاء الجسم البشري.
حرب سوريا تنعش تجار البشر
وقد أدت الحروب التي وقعت في العراق وسوريا لفتح الطريق أمام تجارة البشر، وذلك عبر نقلهم عبر الحدود إلى الدول المجاورة وحتى الدول الأوربية عبر أشخاص امتهنوا هذه المهنة في سبيل الحصول على المال.
حيث استغلت مافيا تجارة البشر نزوح أسر سورية للخارج، واستغلوا ظروفهم أسوأ استغلال ليقوموا بنقلهم إلى الدول المجاورة والدول الأوربية عبر الحدود عن طريق أخذ مبالغ مالية طائلة منهم وإغرائهم، وكان نصيب بعضهم الغرق في مياه المحيطات أو العمل في تجارة العبيد والجنس بالقوة.
حيث هاجر من سوريا أكثر من مليوني مواطن باتجاه الدول المجاورة كتركيا والأردن ولبنان والعراق، وهذه الفئة تعيش في مخيمات تنعدم فيها أبسط مقومات الحياة، ومن فضّل منهم الهجرة صوب الدول الأوربية وقعوا ضحية جشع واستغلال عصابات دولية يرسلونهم إلى الموت.


أفلام تبرز خطورة الظاهرة
وقد عرضت خلال الأسابيع الماضية ولا تزال عدة أفلام أمريكية تتطرق ضمنا لظاهرة الاتجار بالبشر خصوصا بغرض الدعارة، حيث أبرز فيلم The Equalizer للممثل “دينزل واشنطن” تجارة الرقيق واستعباد عصابات تجارة البشر للفتيات في صورة عصابة روسية تحتكر فتيات لنفسها وترفض التفريط فيهن، ويبرز حوار بين بطل الفيلم وزعيم العصابة أن فتاة واحدة يمكنهم أن يجنوا من وراءها آلاف الدولارات شهريا والملايين سنويا، بعدما عرض بطل الفيلم إعتاقها بـ 10 ألاف دولار فقط، ووافق زعيم العصابة -ساخرا- على إعتاقها لمدة 3 أسابيع فقط قال أنها تمثل ما سيحصل عليه منها خلال هذه الفترة.
أيضا تعرض فيلم “sold” في هوليوود لمعاناة ضحايا الاتجار بالبشر للاستغلال الجنسي، والمأساة التي تعيشها الفتاة “لاكاشمي” من نيبال في الثالثة عشرة من عمرها، والتي بيعت في الهند بعد وعود بحياة أفضل، ويظهر الفيلم الجديد ببطولة “جيليان أندرسون” الرعب الذي يعيشه من يتعرض لتجارة البشر.
أيضا فيلم Eden يزيد في تسليط الأضواء على هذه الجريمة عبر طرح معاناة الفتيات القاصرات اللائي يتم التغرير بهن من قبل عصابات إجرامية متخلفة فيجدن أنفسهن في أتون «العبودية الجنسية» ويصبحن تحت رحمة هذه العصابات ولا يجدن أي مخرج من جحيم الرق الذي يعشن فيه.
حيث تدور أحداث فيلم Eden في داخل الولايات المتحدة الأمريكية نفسها، وتدور عن عصابة منظمة تتولى «تجارة الجنس» والغريب أن رئيسها هو أيضا الرجل المسؤول عن فرض الأمن والنظام، وأحداثه مستوحاة من القصة الحقيقة التي عاشتها فتاة تدعى تشونج كيم ولدت في كوريا الجنوبية، قبل أن تنتقل وهي طفلة صغيرة للعيش في الولايات المتحدة غير أنها ما لبثت أن أصبحت رهينة لدى عصابات تجارة الجنس. في نهاية الأمر تتمكن تشونج كيم من الإفلات من قبضة هذه العصابات التي تتاجر بأجساد النساء والفتيات القاصرات وتقرر التحول إلى ناشطة تشن حملة لا هوادة لها ضد آفة الاتجار بالبشر.