عند مداخل عدد من المؤسسات الحكومية والجامعات، تجلس حارسات وظيفتهن مراقبة أزياء غيرهن من النساء. فهن يدققن في أزياء الوافدات إلى تلك المقار، ويتأهبن لمنعهن من الدخول في حال كن يرتدين ما هو منافٍ للتوصيات. لا مجال للمساومة في أغلب الأحيان، ولا تستثني القرارات أحداً. كما أن احتيال البعض في اختيار الملابس لن يمر على الحارسات. فالمرأة التي ترتدي بنطالاً فضفاضاً وبلوزة تصل حدّ الركبة، لن يسمح لها بالدخول إلى هذه المقار؛ فببساطة، البنطال ممنوع.
تحكي ندى (اسم مستعار)، وهي موظفة، عن تجربتها فتقول: "أثناء دخولي إلى وزارة المالية في الخرطوم، أوقفتني الحارسات بحجة أنني أرتدي بنطالاً"، حيث طلبن منها العودة من حيث أتت، فرفضت الانصياع، وقالت لهن إنها مجرد زائرة، ولا يجب أن تنطبق عليها اللوائح والقرارات الخاصة بموظفي الوزارة، لكن من دون فائدة. منعت ندى من الدخول، وخصوصاً أن وزارة المالية من الوزارات السيادية المهمة التي يقصدها الجميع.
هذه الإجراءات تُطبّق على الصحافيات أيضاً، حتى اللواتي اعتدن على تغطية نشاطات الوزارة. البنطال ممنوع، ولا جدال في الأمر. وتستند الوزارة في إجراءاتها هذه إلى القرار الذي أصدره وزير المالية والأمين العام للحركة الإسلامية الحالي الزبير محمد الحسن عام 2003، بهدف ضبط المظهر العام في الوزارة. لكن القرار لم ينحصر فقط في العاملات، بل طال جميع الزائرات. وكثيرات هن اللواتي منعن من الدخول بسبب ملابسهن، وحتى تبرجهنّ.
وتقول إحدى الموظفات في الوزارة إنها "منعت من دخول المبنى، بحجة أن الثوب الأبيض الذي ترتديه مزركش بألوان زاهية". أما الصحافية سارة تاج السر، فتقول إنه سبق أن تم توقيفها العام الماضي من قبل أفراد الأمن داخل القصر الجمهوري الذي وصلت إليه لتغطية فعالية معينة، بسبب ارتدائها البنطال، حيث أخبروها بوجوب ارتداء ملابس محتشمة أو عباءة في حال أرادت تغطية نشاطات القصر. تضيف: "في وقت لاحق، اعتذر المسؤول الإعلامي في القصر عن الحادثة، وأكد أنهم غير مسؤولين عنها".
هذه القرارات المتعلقة بزي النساء لا تقتصر على وزارة المالية والقصر الرئاسي، فهناك أيضاً وزارة الخارجية والجامعات السودانية، مما يجبر النساء على انتقاء ملابسهن بحسب المواصفات التي تضعها هذه الجهات حتى لا تتعطل مصالحهن. وتشترط هذه الجهات أن يكون "الزي فضفاضاً، وأن تحرص المرأة على ارتداء الطرحة (غطاء للشعر)، على أن تتجنب الزي الضيق أو البنطال بشكل تام".
زي شرعي
في السياق، تقول لمياء، وهي طالبة جامعية، إنها "كثيراً ما تمنع من دخول الجامعة بسبب ملاحظات الحارسات على زيها". تُضيف: "إذا ارتديت البنطال، فإن الحارسات لا يقبلن الجدال معي، باعتبار أن الأمر كارثة كبيرة". لم تجد خياراً غير الرضوخ للأمر الواقع حتى لا تُمنع من دخول الجامعة.
عادة ما تُحاكم النساء وفقاً لقانون النظام العام الذي يفرض زياً محدداً على المرأة وهو "الزي الشرعي". وتصل عقوبة المخالفات إلى الجلد والغرامة المالية. وسبق أن حوكمت الصحافية السودانية لبنى أحمد حسين، التي أثارت قضيتها الرأي العام العالمي عام 2009، كما تعرضت الحكومة السودانية لشجب دولي.
مع ذلك، بدأ عدد من النساء التمرّد على القانون، وكسر حاجز الخوف، من خلال ارتداء ما يحلو لهن من دون الاكتراث لخطر توقيفهن من قبل شرطة النظام العام في الطرقات، أو اقتيادهن إلى أحد مراكز الشرطة، والتعرض للجلد أو دفع غرامة مالية. وربما يعود ذلك للضغط الدولي الذي تواجهه الدولة، فنادراً اليوم ما يتم توقيف النساء.
في السياق، يُشير المحامي والناشط في مجال حقوق الإنسان نبيل أديب إلى "عدم قانونية الإجراء الذي تطبقه مؤسسات الدولة بشأن زي النساء الوافدات إليها"، معتبراً الإجراء "تدخلاً ونوعاً من الوصاية غير المستحبة على المرأة". يضيف أن الأمر "مرتبط بذهنية المجتمع الذي يستهين بالنساء، ويتعامل معهن كمصدر لإغواء الرجال"، مؤكداً أن هذه "الإجراءات التي تفرضها وزارة المالية أو أي مؤسسة أخرى منافية للأخلاق".
من جهتها، ترى الناشطة في مجال حقوق المرأة أمل هباني أن "هذه الإجراءات جزء من حملة مستمرة تهدف إلى قهر المرأة وإذلالها بهدف الحد من تطورها". وتتساءل: "كيف لامرأة معينة أن تنصب نفسها رقيباً عند مدخل بوابة مؤسسة معينة وتُحدّد لأخرى معايير الزي الذي ترتديه"؟ وتؤكد أن "قضية الزي شخصية، وترتبط بثقافة الشخص في نهاية المطاف". وتشدد على أن "القضية كلّها تدخل ضمن مشروع محكم يستهدف النساء".
أما الباحث الاجتماعي وحيد محمد، فيلفت إلى أن لهذه الإجراءات "انعكاسات سلبية على المجتمع، باعتبار أنها تحرم الفرد من الاختيار، وتحد من حريته وتجبره على القيام بأمور لا يرغبها". يضيف أنها تساهم أيضاً في "فرض وجهة نظر معينة على شخص عاقل وراشد قادر على اتخاذ قراراته بنفسه".

العربي