لامست الأكاديمية النرويجية عصباً عارياً، في منطقة تنهكها الحروب الطائفية، بحصول الصبية الباكستانية ملالا زي، على واحدة من أكثر الجوائز إثارة للجدل، منذ بداية القرن الماضي.
ففي حصول زي على جائزة نوبل للسلام، عودة لتركيز الأضواء على قضايا نساء العالم الثالث المتفرعة في امتداداتها، المتدرجة في أهميتها، المتباينة في خطورتها وحاجتها لتنمية، تعيد الاعتبار لقيم تنتهك على مدار الساعة.
رغم قتامة واقع النساء في منطقتنا، يرافق زي حين تتجه لاستلام الجائزة، ذكر كواكب من الأمهات، دفعن ثمن مبادراتهم، لدق جدران الخزان، الذي لم يتوقف انزلاقه نحو الهاوية.
تتجه الأنظار بفضل هذه اللفتة، التي تعيد بعض الاعتبار للجائزة، إلى هدى شعراوي التي زاوجت في القرن التاسع عشر بين النضال النسوي والوطني، نساء الثورة الدستورية الإيرانية في زمن القاجار، الهندية أنديرا غاندي، الفلسطينية عصام عبدالهادي، التونسيات اللواتي انكسرت أمام صمودهن محاولات إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، والصبايا الكرديات اللواتي يقاتلن إلى جانب إخوتهن، في كوباني وغيرها.
تأخذ رمزية الصواب في قرار اللجنة لهذا العام أكثر من معنى، بين هذه المعاني أهمية التجاوب مع الإرادة والوعي المبكر، لصبية حرصت على نيل حق أساسي، في بيئة طالبانية، تصادر بالقوة، الحد الأدنى من حقوق النساء.
علاوة على تعبيره عن استجابة لإصرار جيل آخر، من نساء المنطقة ـ تمثله زي وقريناتها ـ على عيش واقع مختلف، لا يخلو قرار اللجنة من صرخة ضد الجهل والتخلف، وأثرهما على نساء الدول النامية.
أداء الصبية الباكستانية، منذ تعرضها لإطلاق النار، حتى اختيارها للجائزة لا يخلو من دوافع، لإجراء مقارنات، بين أحقيتها وأحقية الذين سبقوها، لا سيما وأن القائمة الطويلة للحاصلين على الجائزة، تضم جنرالات وسياسيين، ساهموا في إشعال حروب، وإن جنحوا للسلم في وقت لاحق.
فقد بقيت الصبية، رغم صغر سنها، عصية على إغراءات التسسيس الرخيص للمواقف، والأقرب إلى صلب البعد الإنساني، للمطالبات الحقوقية، وبذلك وفرت معطيات مختلفة، عن المتوفرة في سابقتها، اليمنية توكل كرمان، التي وظفت الجائزة، في مهاترات سياسية، قللت من قيمتها المعنوية، وحولتها إلى أداة صراع، مع مكونات اجتماعية وسياسية أخرى، في اليمن والمنطقة.
منح الجائزة للصبية ملالا زي، وضع مقاييس جديدة، للذين يستحقون نوبل للسلام، في السنوات المقبلة، مما يضع اللجنة المقررة، أمام تحديات جديدة ، أبرزها الحفاظ على الحد الأدنى من مواصفات الاختيار.