على الرغم من التطور النسبي الذي حصلت عليه المرأة العاملة في قطاع الإعلام بعد سقوط النظام السابق وأثبتت جدارتها في التقديم الإذاعي والتلفزيوني والتحرير الصحفي إلا ان تواجدها مايزال مشروطا بوجود سلسلة من العقبات التي تحد من تقدمها في مجال العمل ، كما أن نسبة تواجدها في مراكز القرار الفعلي لاتزال متواضعة ولا تعكس الصورة الحقيقية التي تمثلها في هذا القطاع ، حيث لم تزل غائبة عن المشاركة الفعلية في صنع القرار وفي الإشراف على البرامج السياسية، وفي الإعلام المطبوع هي غائبة عن كتابة التعليق السياسي والعمود الافتتاحي وربما اقتصر حضورها على كتابة ما يخص شأن المرأة ولا أكثـر من ذلك.
أما رئاسة التحرير فهي نادرة في كثير من المؤسسات، وكذلك الأمر بالنسبة لعمليات الإخراج..، وأما عدد الممارسات للمهنة فهن بالعدد القليل . ومع أن هامش الحرية محدود لعموم الصحفيين, لكن الصحافيات أكثر حرمانا من زملائهن الرجال في امتيازات كثيرة, وتعي مختلف المؤسسات الإعلامية هذه الحقيقة وتتهرب من تحقيق هذا الهدف, لا بل يكرسون سياسة التمييز بذلك بين الصحفيين والصحفيات.
وتواجه غالبية الإعلاميات في محافظة بابل ظروفا استثنائية منعت بعضهن من المشاركة الفاعلة في العمل الصحفي رغم امتلاكهن القدرة والشجاعة اللازمة للخروج الى ارض الواقع ونقل الأحداث . هذه الظروف أفرزتها عدة مشكلات رافقت تنوع وتطور وسائل الإعلام المحلي من ناحية الإدارة والتمويل فضلا عن العادات الاجتماعية التي تمكنت بعض الإعلاميات من مواجهتها . وتلخص الصحفية (نور ماجد) محررة صفحة الأسرة والمجتمع في جريدة "بابليون" الحلية عدة أسباب حرمتها من تطوير خبراتها الإعلامية واختصار عملها كمحررة في الصحيفة بعد ان كان حلمها الخروج على شاشات التلفاز كمراسلة ميدانية كان من أبرزها التدهور الأمني والاعتداءات التي يتعرض لها الصحفيون من قبل الأجهزة الأمنية والتي منعت عائلتها من تقبل فكرة خروجها للعمل الميداني خوفا على سلامتها من جهة وحماية لها من نظرة المجتمع التي لاتزال تتحفظ على عمل المرأة في قطاع الإعلام ، وبحسب رأي الصحفية نور ماجد فإن المرأة التي دخلت كل ميادين الحياة لاتزال تجاهد لتصحيح نظرة المجتمع لمهنة الإعلام والحيلولة دون استمرار العبث بهذه المهنة السامية ،مشيرة الى ان الكثير من الفتيات يرغبن بالعمل الإعلامي الا ان عائلاتهن ترفض ذلك كما ان المؤسسات الإعلامية المحلية لم تشجع المرأة على مواجهة العقبات كونها تتعامل مع خبراتها واستحقاقاتها المادية بشكل مختلف عن زميلها الرجل .
أما الإعلامية حنان حسن (معدة ومقدمة برامج في عدة إذاعات محلية ) فقد بدأت مشوارها الإعلامي كمقدمة برامج في قناة الأنوار الفضائية ومنها انطلقت الى عالم أحبت كثيرا التواجد فيه وخوض كل تناقضاته على حد قولها ، الا أنها لاتزال تشعر بخيبة أمل تجاه ما تتعرض له الإعلاميات من تهميش لدورهن وخبراتهن في المؤسسات الإعلامية مؤكدة على ان السلطة الذكورية للمجتمع ساهمت في عدم قدرة الإعلامية على تأدية واجباتها قياسا بزميلها الرجل فهي مثلا لاتستطيع تقديم برنامج مسائي في الإذاعة أو التلفزيون الذي تعمل فيه بسبب الواقع الأمني ونظرة المجتمع اليها ،كما أن المواضيع الحساسة في المجتمع محجوبة على الإعلامية كونها امرأة ومن تتحدث بها تكون خارجة عن اطار الدين والأخلاق والأعراف ، في حين يجب ان تكون توعية المرأة من اختصاص المرأة كونها اكثر قدرة على التواصل مع بنات جنسها من غيرها ،وتقول ايضا " اننا كإعلاميات في بابل لم نجد أي اهتمام من قبل المؤسسات التي تعنى بالتطوير الإعلامي ومنها نقابة الصحفيين او الاتحادات والمنظمات الخاصة بالإعلام وحتى فيما يخص ورش التدريب والدورات الإعلامية والإيفادات فهي مقتصره على الرجال ولم نجد مبادرات لشمول صحفيات من الحلة باستثناء ماتحصل عليه البعض منهن بجهود شخصية وهذا الأمر أسهم في تقوقع الإعلاميات البابليات فنحن كإعلاميات وصحفيات حاملات رسالة هي إنسانية ووطنية في الدرجة الاولى ويجب مساعدتنا في بناء وتطوير المجتمع، وأن توفر لنا الأدوات والمقومات التي تجعل لنا بصمات واضحة المعالم في ظل التزاحم الإعلامي .
العقلية الرجعية وسيطرة الأحزاب
تشكو أغلب وسائل الإعلام المحلية من تبعية مطلقة لأحزاب تعمل على تمويلها. بعض هذه الأحزاب كان لها تأثير على عمل المرأة من خلال نظرتها الدينية للمرأة والتي كانت عاملا آخر لضعف التواجد النسوي في المؤسسات الإعلامية المحلية. ويشير المدرب الدولي الإعلامي ثائر الموسوي الى أن الكثير من الصحفيات في بابل يملكن خبرات عالية ومتميزة في العمل الصحفي الا ان العقلية الرجعية والمتخلفة والسلطة الذكورية لبعض المؤسسات منعتهن من تبوّء مراكز إدارة الصحف أو الإذاعات وغيرها من الوسائل الإعلامية ، حيث نجد تشبث الرجال بمثل هذه المناصب بمباركة الأحزاب التي تدير هذه المؤسسات أو الجهات المانحة التي لاتزال تحمل الازدواجية في نظرتها للرجل والمرأة !! لافتا الى أن إعلاميات بابل يتميزن بخبرات كبيرة عن باقي المحافظات ويمكن ان تأتي بتميزها هذا بعد العاصمة بغداد نتيجة توفر فرص التدريب والحرية النسبية التي منحتها المؤسسات للنساء بسبب حاجتها لهذا العنصر . أما عن تحفظ الأهل فهذه أمور من الممكن أن تتغلب عليها المرأة من خلال مساعدة العائلة وتفهم طبيعة العمل الذي بات غير مختلف عن الأعمال والمهن الأخرى. فالمرأة العراقية دخلت كافة جوانب الحياة فهي طبيبة وقاضية وبرلمانية ووزيرة وطبعا بتفهم ومساعدة العائلة في تخطي العقبات ومشاركتها لمسؤولياتها تجاه البيت والأسرة تتمكن الإعلامية من العمل بمهنية لاتقل عن الوظائف المذكورة فضلا عن أن تحرج بعض العائلات من ظهور بناتهم على شاشات التلفاز يمكن استبداله من خلال عملهن في الإذاعات والصحف. وتابع حديثه قائلا "للأسف نقابة الصحفيين كأقدم مؤسسة تعنى بحقوق الصحفيين لم تعمل على ترسيخ وتفعيل دور الإعلاميات في هذا القطاع بل أنها قد تكون ساهمت في إعطاء الطابع غير المهني للعمل الإعلامي بشكل عام من خلال منح هوية الصحفيين لكل من هب ودب وبالتالي شمولهم بكافة الامتيازات المالية والايفادات وغيرها رغم عدم امتلاكهم للخبرات الصحفية فضلا عن أن النقابة لاتحاسب من يتحدث بصفة صحفية وهو غير صحفي على عكس النقابات الأخرى حتى أصبحت هذه مهنة من لامهنة له ونجد مواقع التواصل الاجتماعي معبأة بأسماء إعلاميين وصحفيين لم يكتبوا حرفا واحدا!!وهذه الأسباب جميعها أثرت سلبا على دخول المرأة الى الجانب الإعلامي لوجود إعلاميات أسأن للمهنة بأشكال مختلفة !!! ولاينحصر التقصير على نقابة الصحفيين وحسب بل أن الأمر يشمل كافة المؤسسات الإعلامية ومنظمات المجتمع المدني وحتى الحكومة لانهم جميعا يتحملون مسؤولية عزوف بعض النساء من دخول الجانب الإعلامي لذا ادعو كل من يستطيع مد يد العون لرفع مستوى الإعلام النسوي في بابل والعراق عامة وجعله بمستوى الوطن العربي على اقل تقدير فنحن نمتلك خبرات إعلامية نسويه ممتازة الا أنها تحتاج الى الفرصة اللازمة والتدريب الحديث والدعم المعنوي لتأخذ دورها الحقيقي .
قيما تذهب د. ذكری عبد الصاحب العبادي (دكتوراه تقنيات فنون ) في حديثها عن واقع الإعلام النسوي في العراق الى سيطرة التجار وغياب ذوي الاختصاص عن أدارة تلك المؤسسات قائلة " كلنا يعرف ما حصل للعراق من انفلات بعد 2003 حتی ان فرحتنا تحولت الی شيء من التوجس والريبة وفقدان الأمل بالاستقرار الذي كنا ننشده . والإعلام لم يكن بمنأی عما حصل ، فهو جزء من هذا المشهد يتأثر به ويتفاعل معه ويتحمل الكثير من تداعياته. حيث أصبحت الساحة الإعلامية مفتوحة لمن هب ودب صار بإمكان أي تاجر مغامر ان يفتح قناة فضائية اويصدر جريدة دون أية ضوابط وبقدرة قادر يصبح صحفيا ويحصل علی هوية نقابة الصحفيين ويفرض سلطته علی العاملين معه وغالبا مايأتي بالصحفيين المبتدئين او من الفاشلين حتی يتمكن من استغلالهم ما انعكس سلبا على دور المرأة العاملة في حقل الإعلام والتي تبحث لها عن موطئ قدم لإبراز مواهبها الكامنة ..إلا أنها ومع كل هذه الصعاب استطاعت ان تنفذ وتحقق نجاحات باهرة وخاصة في مجال الإعلام المرئي والمسموع ،أما في مجال الإعلام المقروء فمازالت متخلفة ليس لأنها عاجزة وغير متمكنة منه ،انما بسبب الهيمنة الذكورية التي لا ترغب المنافسة ومتی ماتوفرت لها الفرصة الكافية ستكون في صدارة المشهد لأنها تمتلك جميع مقومات النجاح .
تأثير الجانب السياسي ودور النقابات
والحديث عن المشهد الإعلامي ما بعد 2003 لا يمكن النظر اليه بمعزل عن حركة المشهد السياسي الملتبس الذي انتج المزيد من الفوضى الإعلامية . وحسب رأي مختصين فان هذه الفوضی الإعلامية ستبقى مع بقاء الفوضى السياسية ، وبرغم وجود عدد غير قليل من مؤسسات المجتمع المدني ونقابات تعمل على الدفاع عن حقوق الصحفيين الا أن الكثير منها بات عاجزا عن تمكين المرأة إعلاميا لأسباب قد تتعلق بالتمويل والتوجهات السياسية والحزبية وما الى ذلك. هكذا يقول عضو النقابة الوطنية للصحفيين فرع بابل (طارق حسين) ويرى بان تحرر المؤسسات الإعلامية من هيمنة الأحزاب المتنفذة التي تعمل علی إخضاعها لأجنداتها مرتبط بتغيير سياسي حقيقي يمنحها حرية التعبير والإدارة . ويتابع طارق قائلا " نحن نؤمن بأن المرأة العراقية امرأة خلاقة ومبدعة وقد أثبتت جدارتها في كل المجالات رغم قساوة الظروف التي تحيط بها ، فهي مستهدفة من الجميع ومتحدية للجميع ، والمرأة الإعلامية لها حسنتان لأنها تواجه مجتمع بأكمله مازال يتبنی منطق البداوة في التعامل معها ، وحتی المؤسسات الإعلامية التي تعمل بها هي الاخری تعاني من الهيمنة الذكورية ، فهي نتاج مجتمع مازال ينظر للمرأة باعتبارها (عورة ) ! ونحن كنقابة لانميز بين المرأة والرجل ، انطلاقا من مبدأ المساواة الذي تناضل من أجله المرأة قبل غيرها اذا نهتم بالشباب من كلا الجنسين ونحرص علی تطوير مهاراتهم من خلال الاشتراك في الدورات التي تقام داخل وخارج البلد وإقامة الندوات التخصصية والمسابقات ، كل هذا بدأنا الشروع به وتمكنا من تحقيق النجاح من خلال إشراكنا لعدد من الزميلات والزملاء بدورتين في كردستان وواحدة في عمان واقمنا مسابقة صحفية اشتملت علی التحقيق والحوار والعمود والمقال والصورة الصحفية وقد اشترك فيها اكثر من مئتي متسابق وفاز من فاز وخسر من خسر ، وفتحنا فروعا في البصرة والناصرية وبابل وحصلت نقابتنا علی منصب النائب الاول في الأمانة العامة لاتحاد الصحفيين الأفريقي الآسيوي في مصر ومازلنا نتطلع للمزيد ،وأختتم كلامه قائلا "النقابة الوطنية للصحفيين تعمل على تجسيد شعارها الرامي الى خلق إعلام حر يواكب التحولات الجارية من حوله وهذا يتطلب تشريع حزمة من القوانين أبرزها قانون حماية الصحفيين الذي يضمن للصحفي والصحفية حق الوصول للمعلومة بيسر، وكذلك قانون الأحزاب لما له من اهمية في فك الاشتباك بين الإعلامي والسياسي وتنظيم عمل الوسائل الإعلامية وتفعيل وثيقة السلوك المهني فضلا عن إنهاء سطوة الحكومة علی الإعلام والإشراف عليه من قبل مجلس النواب . مع الزام المؤسسات الإعلامية بضمان العاملين فيها ومراعاة حقوقهم من خلال تفعيل العمل بصندوق تقاعد الصحفيين وإقامة دورات داخل وخارج البلد للشباب من اجل تطوير مهاراتهم .
ويؤكد مدير مركز المرأة لمراقبة وتطوير الأداء الإعلامي في بابل (تحسين العطار) على أن الكثير من الفضائيات العراقية ساهم في تشويه صورة الإعلاميات ، وقد أدى هذا الى تكوين نظرة سلبية لهذه المهنة من قبل المجتمع حيث يجد المراقب لوسائل الإعلام العراقية خاصة المرئية منها مذيعات مستنسخات من فضائيات عربية اخرى وبملابس فاضحة فضلا عن البرامج الساذجة والأساليب الرخيصة في استدراج المشاهد وهذا الأمر أعطى صورة غير جيدة لمهنة الإعلام التي صورت المرأة على انها سلعة او أداة لكسب المال في حين نجد فضائيات أخرى ذهبت بعيدا في حشمة وتقوقع مذيعاتها مستندة الى توجهات القناة وهذا مؤشر اخر على مدى تحكم ادارة المؤسسات بكوادرها النسوية الى درجة همشت خلالها شخصية وهوية الصحفية العراقية لذا نعطي العذر للعائلة و المجتمع في نظرته لمهنة الإعلام كونها نظرة أوجدتها المؤسسات الإعلامية وساهمت في نموها . لكن مع هذا مازالت المرأة العراقية قادرة على ان تأخذ دورها الحقيقي وتعمل على إيجاد بيئة إعلامية جاذبة لها قادرة على تفجير إبداعها وبالتالي إثبات ذاتها. فقد سجلت بعض الإعلاميات حضورا لا بأس به في المؤسسة الإعلامية العراقية بل تمكنت البعض منهن على ان تجد طريقها للعمل في المؤسسات الإعلامية العربية العملاقة مسجلة حضورا متميزا فيها . ولأجل ان تكون المرأة الإعلامية ناجحة ومتميزة لابد من امتلاكها وعيا وأرضية وثقافة واطلاعا متكاملا بقضايا الساعة لان الإعلام هو اولا واخيرا وعي وليس حرفة من اجل الارتزاق.

المدى